تقارير | 15 02 2022
محمد أمين ميرة
حرب روسية على أوكرانيا، موضوعٌ أثير عقب تحذيرات وتصريحات تفيد بإمكانية وقوعها خلال الساعات القليلة القادمة، ما فتح تحليلات وتوقعات عديدة، رغم أن الأزمة ليست جديدة ولها خلفيات تاريخية لا بد من معرفتها.
بالعودة التاريخية إلى القرون الماضية، وفي أهوال حرب الشمال الكبرى التي وقعت ما بين (1700-1721) بعد الميلاد، واجهت الإمبراطورية الروسية بقيادة القيصر بطرس الأكبر نظيرتها السويدية، وانتهت بانتصار الروس الذين استولوا على مناطق هامة من بحر البلطيق.
خيانة واجتياح روسي
قاد المحارب الإسكندنافي "تشارلز الثاني عشر" في الفترة المذكورة، معارك الإمبراطورية السويدية، واضطر جيشه للتخلي عن تقدمه في موسكو بسبب تكتيكات الأرض المحروقة الروسية وسار جنوباً لإنشاء أماكن تمركز شتوية.
المكان الذي اختاره تشارلز الثاني عشر وهو مدينة بولتافا، يقع على بعد حوالي 200 ميل شرق كييف، ليس بعيداً اليوم عن المناطق المتنازع عليها حول لوهانسك ودونيتسك التي يسيطر عليها الانفصاليون المدعومون من روسيا.
مناطق عدة في أوكرانيا لم تبتعد عن النزاع، وكان لها نصيبها من المعارك، وقد تحدثت مصادر تاريخية عن خيانة تسببت بدخول الروس لمدينة Batúryn الأوكرانية عام 1708، وحرق المدينة وإبادة سكانها.
تمثلت الخيانة بتسليم أحد الجنود المرابطين ضمن المدينة الأوكرانية، معلومات للقوات الروسية، حول وجود ممر سري تحت الأرض يقودهم لداخل المدينة، وهو ما استغله الروس للسيطرة على Batúryn.
موقع مدينة Batúryn الأوكرانية-خرائط غوغل
وفق كتاب "موسوعة أوكرانيا Encyclopedia of Ukraine" الصادر عام 1991، فإن سياسات الإمبراطورية الروسية تجاه أوكرانيا اتجهت نحو محو الهوية الوطنية للشعب الأوكراني، وتقويض ثقافته والتأثير على لغته.
في عام 1769، منعت طباعة واستخدام كتاب الأبجدية الأوكرانية، وتم تقييد استخدام اللغة الأوكرانية داخل الإمبراطورية الروسية من خلال ما يسمى "تعميم فالوف" عام 1863.
نالت تلك الأحداث ردود فعل دولية مختلفة. ففي فرنسا والنمسا، أدان المسؤولون السياسيون حوادث الإبادة في المدينة الأوكرانية، واعتبروها "جرائم وحشية وبربرية" مسيئة لتاريخ المنطقة.
استقلال مؤقت
بعد عام 1917 سقطت الإمبراطورية الروسية واستقلت أوكرانيا لفترة وجيزة، قبل أن يعود الجيش الأحمر السوفيتي لإخضاعها عسكرياً، وجرت في ظل الاتحاد السوفييتي مبادلات في الأراضي بين جمهوريات الاتحاد.
بموجب تلك المبادلات حصلت أوكرانيا عام 1922 على أوديسا، ودونيتسك، ودنيبر، وخاركوڤ، وغيرها من الأراضي التي كانت خاضعة لروسيا، ولاحقاً تم إنشاء وحدة إدارية جديدة في أوكرانيا عام 1932 تحت اسم منطقة دونيتسك.
أعيد تقسيم المنطقة المذكورة عام 1938 إلى منطقتين: ستالين (الآن دونيتسك) وفوروشيلوفغراد (الآن لوغانسك)، وعام 1939 ضم الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين الأراضي الغربية لأوكرانيا والتي كان بعضها تابعاً لهنغاريا.
خريطة أوكرانيا بحدودها المعترف بها اليوم، اكتملت عام 1954، بعد قرار الزعيم السوفييتي نيكيتا خرشوف، الذي ضم بموجبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي اعترفت روسيا بحدود أوكرانيا بما فيها جزيرة القرم.
بوتين والانفصاليين
لكن الخلافات عادت مجدداً بعد تولي فلاديمير بوتين السلطة، إذ قامت موسكو ببناء سد في مضيق كريتش باتجاه جزيرة كوسا تسلا الأوكرانية، ما اعتبرته كييف محاولة من موسكو لفرض حدود جديدة بين الدولتين.
وفي عام 2004، عملت إدارة بوتين ضد "الثورة البرتقالية" في أوكرانيا، ودعمت المرشح المقرب منها في الانتخابات الرئاسية فيكتور يانوكوفيتش، الذي خسر في مواجهة منافسه المقرب من الغرب فيكتور يوشينكو.
وخلال فترة حكم يوشينكو شهدت العلاقات الروسية الأوكرانية، أزمات غير مسبوقة، ومنها توقف إمدادات الغاز نحو أوروبا، وفي 2010، نجحت روسيا في إيصال فيكتور يانوكوفيتش إلى سدة الرئاسة.
الحدود الروسية الأوكرانية-خرائط غوغل
سنوات حكم يانوكوفيتش أججت حالة العداء الشعبي لروسيا، ليطاح بسلطته في فبراير/ شباط 2014، إثر احتجاجات شعبية عارمة استمرت أربعة أشهر في "الميدان الأوروبي" في كييف.
اعتبرت روسيا ما جرى انقلاباً على السلطة، وحاولت تأجيج خلافات ودعم انفصاليين في مقاطعتي "دونيتسك ولوغانسك" وإطلاق إعلان من المجموعات المتمردة بالاستقلال عن أوكرانيا.
شنت الحكومة الأوكرانية معارك ضد الانفصاليين، وكانت روسيا قد استغلت الخلافات بجلب قوات خاصة لها إلى المراكز الاستراتيجية في شبه جزيرة القرم مطلع مارس/آذار 2014.
إقليم دونباس الذي يتحدث سكانه اللغة الروسية بفعل العوامل التاريخية التي ذكرت آنفاً، تبلغ مساحته نحو 52.3 ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة صغيرة جداً مقارنة بمساحة روسيا التي تزيد عن 17 مليون كيلومتر مربع.
أنظار العالم بمحيط أوكرانيا
تشهد العلاقات بين كييف وموسكو توتراً متصاعداً منذ نحو 7 سنوات، بسبب ضم روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية إلى أراضيها بطريقة غير قانونية، ودعمها الانفصاليين الموالين لها في "دونباس".
وتتجدد الاشتباكات بين الفينة والأخرى في "دونباس" بين القوات الأوكرانية والانفصاليين الموالين لروسيا الذين أعلنوا استقلالهم المزعوم عام 2014.
خريطة الوضع على الحدود بين أوكرانيا وروسيا-الأناضول
حشدت موسكو مؤخراً أكثر من 100 ألف جندي قرب أوكرانيا، ما أثار مخاوف دول غربية من أن الكرملين قد يخطط لهجوم عسكري ضد جارته السوفيتية السابقة، ونفت روسيا استعدادها للغزو، واتهمت الدول الغربية بتقويض أمنها من خلال توسع الناتو نحو حدودها.
الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، تتهم روسيا بحشد قوات قرب الحدود الأوكرانية، وكانت واشنطن قد هددت بفرض عقوبات على موسكو إذا شنت هجوما على أوكرانيا.
وترفض روسيا الاتهامات بشأن تحركات قواتها داخل أراضيها، وتنفي وجود أي خطط عدوانية لديها تجاه أوكرانيا.
المعلومات المقدمة في التقرير استندت إلى مصادر تاريخية منها كتاب موسوعة أوكرانيا، ووكالات أنباء ومواقع عربية كـ "الأناضول، العربية نت والعربي الجديد، روسيا اليوم".