تقارير | 10 11 2021
محمد أمين ميرة - إيمان حمراوي
"السفر بالنسبة لي هو أمان ومستقبل وبناء عائلة وأسرة"، بهذه الكلمات أجاب رامي (اسم مستعار) في حديثه لـ روزنة، عن سبب قراره بدء رحلة محفوفة بالمخاطر، من لبنان إلى تركيا وبعدها نحو بيلاروسيا.
في بيلاروسيا، قد ينضم رامي إلى آلاف المهاجرين العالقين عنذ الحدود، الذين ينتظرون فرصة لهم للعبور نحو بولندا، وسط أجواء متجمدة، تصل إلى تحت الصفر، في ظل ظروف تتأزم تدريجياً، بعد حشد بولندا عسكرياً وتلميحها باللجوء إلى حل مسلح.
ومنذ نحو 10 شهور، وصل الشاب الأعزب إلى تركيا، قادماً من لبنان إلى ولاية غازي عنتاب، ومن ثم إسطنبول، وبعدها يستعد للتوجه جواً إلى بيلاروسيا، عن طريق مكتب مخصص لمثل تلك الرحلات مقابل 3000 دولاراً.
وعن سبب تركه لبنان وتركيا، يقول رامي إن الوضع في هاتين الدولتين غير مستقر بالنسبة للاجئين، لذا فهو يفضل تأسيس حياة جديدة في بلد أوروبي، يجد فيه سبل الأمان والراحة.
ولا مشكلة لرامي الأعزب ولا حتى لحامد المتزوج في اتخاذ مثل هذا القرار، المحفوف بالمخاطر، فهم كآلاف السوريين مصرون على طرق بوابة أوروبا، ابتداءً من بيلاروسيا، عبر رحلات جوية من سوريا وتركيا ودول أخرى.
وقبل شهر، قرر حامد الانطلاق في رحلة جديدة نحو أوروبا، تاركاً تركيا بعد سبع سنوات قضاها فيها، كونه لم يتمكّن من تأسيس عمل فيها كما يجب، وسط تزايد الالتزامات والأعباء عليه وعلى أسرته، حسبما رواه لـ "روزنة".
رامي وحامد ليسا الوحيدين الذين قررا المخاطرة والمغادرة باتجاه أوروبا، فهناك طوابير طويلة من المسافرين السوريين والعراقيين، وهم ينتظرون إقلاع طائرتهم من مطار دمشق باتجاه بيلاروسيا، وهدفهم الوصول إلى أوروبا بمشاهد وثقها فيديو متداول في مواقع التواصل.
November 7 2021: Hundreds of Refugees waiting to board flight in Damascus, Syria. Their destination is Belarus. From there, toward Europe. Most of them are Iraqi Kurds from the town of Duhok and Zaxo. pic.twitter.com/9bW4u2aTMb
— Lemmy Caution (@Alphaville2021) November 8, 2021
نحو بداية أفضل
المهمة ليست سهلة، والطريق هذه المرّة ليس بحرياً أو نهرياً إلى اليونان، إنما هو طريق جديد يسلكه اللاجئون في ظروف غاية في الصعوبة بين بيلاروسيا أو روسيا البيضاء، وبين بولّندا ليصبح الطريق أمامهم أقل صعوبة باتّجاه ألمانيا.
وتواصل حامد مع مكتب في إسطنبول يدّعي تأمين الفيزا باتجاه بلاروسيا، مقابل 2500 دولار، وبالفعل تمكّن من الحصول على الفيزا خلال أسبوعين من تقديمه، لكن مع تكلفة إضافية هي تكلفة إصدار جواز سفر لم يكن بحوزته.
والطريق أمامه الآن معبّد نحو مطار إسطنبول و منه إلى بلاروسيا الشمالية الباردة والتي ينتظر فيها مئات السوريين لحظة العبور.
ويقول حامد لـ"روزنة": "كان صعباً للغاية أن أترك كل شيء خلفي وأتّجه إلى الشمال باحثاً عن طريق إلى أوروبا، لكن الوضع في تركيا لم يعد جيداً بالنسبة لنا كلاجئين سوريين، وبالتحديد بالنسبة لفرص العمل، فضلاً عن عدم الاستقرار".
ويضيف: "تركت خلفي عائلتي، المكونة من زوجة وطفلين ووالدتي.. الآن أسعى إلى بداية أفضل هذا هو المهم".
وانتشرت فيديوهات أخرى عديدة، لمئات المهاجرين وهم يسيرون باتجاه الحدود البولندية بالقرب من قرية كوزنيكا، وبعضهم يحاول اختراق السياج الفاصل.
❗️A large group of migrants is moving towards the #Polish border pic.twitter.com/XeNn9Q7flm
— NEXTA (@nexta_tv) November 8, 2021
وتصاعدت أزمة المهاجرين على الحدود البولندية البيلاروسية، مع دخول دول كبرى على خط التوتر، وارتفاع في نبرة الخطابات والرسائل السياسية.
وبدأت قضية العالقين هناك، تنذر بالتحول إلى مأساة إنسانية، مع وجود المئات من المهاجرين العالقين، في المنطقة الحدودية الفاصلة بين بولندا وبيلاروسيا.
ومنذ أيام يبقى المهاجرون وحيدون، في مواجهة ظروف مناخية صعبة للغاية، مع تدني درجات الحرارة إلى ما دون الصفر خاصة بعد منتصف الليل.
وقامت بولندا بحشد آلاف الجنود على الحدود، وإقامة سياج عازل وإعلان حالة الطوارئ، وحظر عمل الصحفيين في المنطقة.
Migrants from the Middle East are trying to violently force their way into Poland at the border with Belarus. They’ve broken through the wire fencing. They want to go to Germany & Northern Europe for the generous public benefits. pic.twitter.com/WHP2LaQLGX
— Andy Ngô ?️? (@MrAndyNgo) November 8, 2021
رحلات جوية مكثفة
ووفق تقرير نشرته صحيفة "Welt am Sonntag" الألمانية، كان من المخطط وصول عشرات الرحلات الجوية من اسطنبول ودمشق ودبي إلى العاصمة البيلاروسية كل أسبوع.
وذكر التقرير أن الحكومة في مينسك، كانت تفكر في فتح أبواب مطارات أكثر للرحلات الجوية القادمة من المنطقة.
وحسب أحدث برامج خطوط الطيران في مطار مينسك، كان من المقرر إجراء حوالي 40 رحلة أسبوعية قادمة من إسطنبول ودمشق ودبي إلى غاية آذار/ مارس المقبل.
ووفق تقرير الجريدة الألمانية الذي نقله موقع مهاجر نيوز، فإن مطارات إسطنبول ودمشق ودبي، يستخدمها المهاجرون في أغلب الأحيان في رحلات مباشرة إلى بيلاروسيا، من أجل السفر من هناك نحو دول الاتحاد الأوروبي.
اقرأ أيضاً: موجة لجوء جديدة للسوريين.. هل تُلغي احتمالات العودة للوطن؟
ونقلت وكالة رويترز عن متحدث باسم حرس الحدود البولندي، قوله إن نحو 800 شخص كانوا يخيمون على الجانب البيلاروسي من السياج، وهم جزء من مجموعة قوامها أربعة آلاف مهاجر هناك.
وحذرت السلطات البولندية من تصعيد مسلح مع احتشاد الآلاف من المهاجرين بالقرب من الحدود، ومحاولتهم الدخول إلى البلاد بشكل غير قانوني من بيلاروسيا.
تدفق منظم للمهاجرين
ودعت بلجيكا والولايات المتحدة بيلاروسيا إلى وقف ما وصف بالتدفق المنظم للمهاجرين، كما انتقد حلف شمال الأطلسي حكومة مينسك، متهماً إياها باستخدام المهاجرين كأدوات سياسية، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على بيلاروسيا.
واتهمت بروكسل، الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشينكو بتشجيع تدفق المهاجرين، انتقاماً من العقوبات الأوروبية الحالية المفروضة على بلاده.
ووصلت درجة التوتر إلى دعوة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، إلى فرض عقوبات جديدة على بيلاروسيا.
وتحدثت المسؤولة الأوروبية، عن إمكانية معاقبة "شركات الطيران التابعة لدول ثالثة" التي جلبت المهاجرين إلى بيلاروسيا، وبدورها حثت ألمانيا الاتحاد الأوروبي على "اتخاذ إجراءات" للمساعدة في وقف تدفق الأشخاص من بيلاروسيا.
ونقلت صحيفة بيلد، عن وزير الداخلية المؤقت هورست زيهوفر قوله: "لا تستطيع بولندا أو ألمانيا التعامل مع هذا بمفردهما، يجب أن نساعد الحكومة البولندية على تأمين حدودها الخارجية. ستكون هذه في الواقع مهمة المفوضية الأوروبية. أناشدهم الآن لاتخاذ إجراء".
(مهاجرون على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا)
تصعيد مسلح
وصباح الثلاثاء 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، أعلنت السلطات البولندية إغلاق معبر حدودي رسمي مع بيلاروسيا، بالقرب من المكان الذي حاول فيه مئات المهاجرين العبور في اليوم السابق.
وذكرت بولندا أنها نشرت جنوداً إضافيين وحرس حدود وشرطة، بينما قالت ليتوانيا المجاورة إنها قد تفرض حالة الطوارئ على حدودها مع بيلاروسيا.
وذكر مسؤول بولندي إن التوتر قد يزداد في الأيام المقبلة، ويمكن لبلاده أن تطلب مساعدة دولية إضافية إذا لزم الأمر، وأكد المتحدث باسم الحكومة البولندية بيوتر مولر، إن ما بين ثلاثة إلى أربعة آلاف مهاجر آخرين كانوا يتجمعون بالقرب من الحدود.
وأضاف مولر في حديثه للصحفيين: "نتوقع تصعيداً على الحدود البولندية في المستقبل القريب، وسيكون ذا طبيعة مسلحة"، وفق ما نقله موقع مهاجر نيوز.
يذكر أن بيلاروسيا نفت كافة الاتهامات حول مسؤوليتها عن تدبير موجات الهجرة عبر الحدود، معتبرة أن "لا أساس ولا مبرر لها". وحذرت بولندا من القيام بأي "استفزاز"، واتهمتها بتصعيد التوتر بصورة "متعمدة".