تقارير | 23 06 2021
مالك الحافظ
ارتفعت أسعار الأدوية في مناطق سيطرة النظام السوري بنسبة وصلت إلى 50 بالمئة، بعد مطالبات من أصحاب مصانع الدواء خلال الشهور الماضية برفع الأسعار إلى 100 بالمئة، بذريعة ارتفاع كلفة المواد الأولية اللازمة للصناعة.
قبل صدور قرار رفع أسعار الأدوية بثلاث أيام، طالب أصحاب معامل الأدوية الخاصة برفع أسعار جميع الزمر الدوائية بنسبة 100بالمئة، ورفعوا مقترحاً بذلك إلى وزارة الصحة بدمشق، أسوة بالقطاع الدوائي العام الذي عدّل أسعار منتجاته عقب رفع سعر صرف الدولار الرسمي.
مديرية الشؤون الصيدلانية في وزارة الصحة، ردت من جانبها بأن اللجنة الفنية العليا للدواء قررت في جلستها يوم أمس الخميس تعديل أسعار الدواء، وارفقت قوائم تضم 11819 صنفا دوائيا رُفعت أسعارها.
وبات توريد المستحضرات الصيدلانية في عملية الإنتاج، مقيد بسبب "قيصر" و تأثيره على استيراد ونقل السلع "ذات الاستخدام المزدوج"، حيث تبلغ الحاجة للاستيراد في هذا القطاع إلى ما نسبته 60 بالمئة من كمية المواد الأولية اللازمة، فضلا عن تعرقل عمليات تحويل الأموال، وتأمين قطع الغيار والصيانة لآلات المصانع، وفق تقارير صحفية.
مصاعب متعددة!
كذلك هناك صعوبات محليّة تبرز من خلال التدهور المستمر في سعر صرف الليرة، فمصانع الأدوية تستورد المواد الأولية وملحقاتها اللازمة في عملية الإنتاج بالدولار الأمريكي، وفق سعر صرف السوق الموازي، في حين تفرض وزارة الصحة التسعيرة وفق سعر صرف الحوالات الرسمية، ما كان يؤدي خلال الفترة الماضية إلى خسائر ونقص من الزمر الدوائية في الأسواق.
ووفق الباحث الاقتصادي، كرم شعار، فإن ارتفاع أسعار الأدوية بالنظر إلى آلية التسعير بالمقارنة مع تكلفة الإنتاج هو أمر طبيعي. مستبعداً حدوث عزوف عن شراء الأدوية بعد ارتفاع سعرها بسبب الحاجة الكبيرة لها.
وتابع خلال حديثه لـ "روزنة" أن مرونة الطلب على الأدوية تماما كالطلب على مواد أساسية كالخبز "وبالتالي سينخفض استهلاك الناس على سلع معينة أقل أهمية من الأدوية من أجل تعويض ارتفاع الأسعار وحاجة الناس للسلع الدوائية".

الباحث الاقتصادي، يحيى السيد عمر، قال بأن تحديد ارتفاع تكاليف الإنتاج في سوريا له حالة خاصة معقدة، في ظل وجود عدة أسعار صرف للدولار.
وأشار خلال حديثه لـ "روزنة" أن الخطير في ارتفاع أسعار الأدوية هو عدم تناسب الأسعار الجديدة للدواء وللسلع الأخرى مع مستوى الدخل السائد.
وتابع "عند رفع الأسعار يجب أخذ مستوى الدخل بعين الاعتبار، لذلك كان من الأنسب دعم حكومة النظام لمصانع الدواء من أجل تخفيف تكاليف إنتاجها عوضاً عن رفع سعر المبيع. ارتفاع الأسعار ينذر بضغوط اقتصادية جديدة في المستقبل".
ما تأثيرات قانون قيصر؟
تضاربت تصريحات المسؤولين في دمشق حول الصناعة الدوائية، بين من قال بتأثرها من عقوبات "قانون قيصر" لا سيما عدم توفر المواد الأولية اللازمة، وبين من أكد حسن سير الأوضاع في عملية التصنيع المحلي.
مطلع العام الجاري، تحدثت المؤسسة العامة للتجارة الخارجية على لسان مديرها شادي جوهرة، عن تأمين 80 بالمئة من الاحتياجات الدوائية للخطة الموضوعة من قبل وزارة الصحة، والتي بلغت في عام 2020 ما يفوق 75 مليون يورو، مع استمرار التوريدات لتنفيذ الخطط الحكومية القادمة، ما يوحي بتحسّن ونمو مضطرد في تأمين الدواء وصناعته محلياً.
إلا أن الأرقام المتعلقة بالإنتاج المحلي تكشف عن وضع غير مستقر للصناعة الدوائية، ابتداء من تأمين المواد الأولية، ووصولاً إلى طرحه للناس بأسعار تتناسب مع الأوضاع الاقتصادية المتردية في مناطق سيطرة النظام.
قد يهمك: 3 أسباب وراء تدهور الاقتصاد السوري
يوجد نقص مؤثر في عدد الأصناف الدوائية، وبخاصة الأدوية النوعية، كأدوية السرطان وزرع الكلية والتهاب الكبد، وفق نقيب صيادلة دمشق علياء الأسد، والتي صرّحت مؤخراً لإذاعة "نينار إف إم" المحلية، أنّ بعض الأصناف الدوائية غير متوفرة رغم نزولها ضمن قوائم أسعار وزارة الصحة.
في تقرير لصحيفة "العرب" اللندنية (شباط 2021) أشارت من خلاله إلى محاولة قطاع الصناعة الدوائية في سوريا إيجاد سبل للتغلب على عقوبات "قانون قيصر". وفي أحدث خطوة لإنقاذ القطاع، أعلنت هيئة الاستثمار السورية مؤخراً، عن طرح فرص استثمارية جديدة في الصناعات الدوائية لاستخراج وتصنيع الملح الدوائي، وذلك في محافظة حمص بطاقة إنتاجية قدّرت بنحو 11 ألف طن سنويا.
تحتاج معامل الأدوية السورية إلى استيراد المواد الأولية اللازمة لصناعة الدواء من الخارج (الهند أو الصين) وفق تصريحات نقيب صيادلة دمشق، إلا أن تأثير العقوبات الأميركية والأوروبية زاد بشكل كبير خلال العام الماضي.

كرم شعار أشار إلى أن هناك استثناء للقطاع الصحي/الدوائي من العقوبات، إلا أن هناك تأثير غير مباشر على المواد المستثناة من العقوبات وبسببها ترتفع أسعار المواد التي يفترض أنها خارج إطار العقوبات، بحسب شعار.
ويفند أسباب ارتفاع المواد الأولية للصناعات الدوائية بالقول "حينما يتم تصدير هذه المواد إلى سوريا المعاقبة فيجب على شركات التصدير أن تثبت بأن المواد المرسلة مستثناة من العقوبات، وهذا أمر له تكلفته".
بينما أشار إلى أن السبب الثاني يبرز من خلال بعض الجهات المصدرة التي لا تريد التعامل مع بلد عليه عقوبات سواء كانت المواد المصدرة ضمن أو خارج إطار العقوبات، ما يضيق على الصناعة الدوائية الاستيراد لمواد مختلفة ومن جهات متعددة.
بينما اعتبر يحيى السيد عمر من ناحيته أن "قانون قيصر" ورغم أنه لا يستهدف قطاع الدواء، إلا أنه يؤثر عليه بشكل غير مباشر، فتعطل القطاع المصرفي من شأنه التأثير على كل قطاع الاستيراد والتصدير، لذلك على حكومة النظام البحث عن بدائل لدعم عملية الإنتاج، بحسب وصفه.
أسباب أخرى؟
الصيدلاني، أيمن خسرف، أوضح خلال حديثه لـ "روزنة" بوجود أسباب أخرى لارتفاع أسعار الدواء غير المتعلقة بأسعار الصرف و "قانون قيصر"، مبيناً علاقة تفشي فيروس "كورونا" وتأثيره خلال السنة الماضية على العملية الإنتاجية من خلال نقص تأمين المواد الأولية، إضافة إلى ضعف السلسلة اللوجستية لتأمين المواد الأولية.
وإلى جانب الوضع الاقتصادي في سوريا، أشار خسرف إلى تأثير ضعف السوق الداخلية من ناحية الإنتاج والعائدات وتأثيرها على ضعف الموارد، حيث كانت هناك عمليات تصدير كبيرة للدواء السوري إلى الخارج قبل عام 2011، في حين لم يعد الآن تحصل أي شحنة تصدير واحدة، بحسب قوله.
وبخصوص عجز تأمين المواد الأولية محلياً أو عربياً، بيّن الخبير الصيدلاني أن هناك شركات قليلة جدا في العالم تتوافر لديها المواد الأولية للصناعات الدوائية، وهذا ما يؤثر سلباً على بلد بوضع سوريا.
اقرأ أيضاً: مبادرات اجتماعية سورية لمواجهة أزمة فقدان الدواء
في سياق آخر اعتبر أن اللجوء للطب البديل كخيار وحيد متاح عوضاً عن الأدوية الكيميائية قد تم خلال الفترة الماضية، غير أنه استبعد أن يغطي كل الحاجات الطبية، "لا يوجد في الوقت الحالي الخبرة العلمية الكافية لاستخلاص المواد الفعالة من النباتات".
وقبل عام 2011، ووفق تقديرات لمؤسسات مالية دولية، كانت الصناعات الصيدلانية في سوريا تغطي 93 في المئة من حاجة السوق المحلية وتصدّر منتجاتها إلى 54 دولة عربية وأجنبية، كما كانت سوريا ضمن كبار منتجي الأدوية في المنطقة، حيث كانت في المرتبة الثانية بعد مصر في تغطية الطلب المحلي، بحسب ما أفاد به تقرير لصحيفة "العرب" اللندنية.