عن "مخازن التهريب" الليبية.. رحلة سوري: عذاب وانتظار للموت!

تقارير | 20 06 2023

إيمان حمراوي

"تجّار بشر ما بخافوا الله، نحن بنظرهم دولارات فقط"، بتأثر بالغ، يروي الشاب السوري سعيد لروزنة عن ثمانية أشهر قضاها في ليبيا، بهدف المخاطرة برحلة بحرية غير شرعية إلى إيطاليا، لتدفعه لاحقاً معاملة عصابات مهرّبي البشر، لإنهاء الرحلة بالعودة إلى درعا.


يصف سعيد، بمراسلات صوتية معنا، الظروف التي عاشها في ما يصطلح عليه المهاجرون "مخازن التهريب" الليبية، قائلاً: "لا قيمة لنا أبداً لدى المهربين. مرض وجوع وتعذيب وانتظار للموت، ليس لي فقط، بل لمئات الأشخاص في ليبيا".

يأتي نبش سعيد لذكرياته المؤلمة، في ظل مأساة غرق قارب صيد متهالك قبالة السواحل اليونانية، الأسبوع الفائت، قادما من طبرق الليبية وعلى متنه نحو 750 شخصاً، انتشلت جثامين 81 منهم ونجا 104 بينهم سوريون، ويبقى غالبيتهم في عداد المفقودين حتى لحظة نشر التقرير.

يشبه سعيد (30 عاماً)، هذه المخازن بـ"زريبة الحيوانات"، معتبراً أن تجربته في ليبيا كانت بمثابة "انتظار للموت، لما عاينه من تصرفات المهربين الليبيين والسوريين هناك.


اقرأ أيضاً: فيديو جديد من آخر ساعات "قارب الموت".. وأدلة تشكك برواية اليونان


من سوريا إلى ليبيا

في أواخر آذار عام 2022 خرج سعيد من مطار دمشق إلى ليبيا جواً، بتكلفة وصلت إلى 1600 دولار، وذلك "بعدما أصدرت حكومة النظام السوري قراراً بمنح الشباب في المنطقة الجنوبية تأجيل الخدمة العسكرية لمدة عام".

ترك سعيد وراءه زوجة وطفلين، بهدف تأمين مستقبل أفضل، وفق قوله، وذلك بعد حديثه مع أكثر من مهرّب في ليبيا موزعين بعدة مناطق في طبرق وبنغازي وطرابلس وأجدابيا.

واتفق في النهاية مع مهرّب من مدينة نوى في درعا، يعمل هو وعدد من المهرّبين السوريين على "تجميع الشباب" ومن ثم تسليمهم إلى شخص ليبي، هو المسؤول عن وضعهم في أماكن مخصصة للمهاجرين تسمى "المخازن"، والتي بسببها أصابه مرض التهاب الكبد وسوء التغذية والفطريات، قبل أن يعود إلى سوريا.
 


ما هي المخازن؟

المخازن وفق سعيد: "عبارة عن غرف مهجورة أو حظيرة حيوانات، طولها وعرضها أربعة أمتار، يجمع المهرّبون فيها الراغبين بالهجرة عبر البحر، ويصل العدد بين الـ 40 و50 مهاجراً".

"كان الاتفاق من ليبيا إلى إيطاليا 3500 دولار أميركي"، يوضح سعيد.

يشرح ما جرى معه أول وصوله إلى ليبيا: "استقبلني شخص من مطار بنغازي، من طرف المهرّب من أجل إيصالي إلى مدينة طبرق، وضعني في شقة مستأجرة، مع 15 شخصاً من جنسيات مختلفة".

وتستمر أنشطة شبكات التهريب في ليبيا بالاعتماد على مهاجرين من دول تشهد نزاعات وحروب، في وقت تعتبر فيه "المنظمة الدولية للهجرة" أن "ليبيا ليست مكاناً آمناً للمهاجرين".

رحلة المخازن "انتظار الموت"

خلال الشهور الثمانية تنقّل سعيد بين الكثير من المخازن والتي جلس فيها عشرات الأيام وأحياناً شهور، بهدف الخروج في رحلة بحرية، فشلت عدة مرات "بسبب عدم اتفاق بين المهربين"، وفق قوله.

اللحظات التي قضاها في المخزن كانت في غاية الصعوبة، يستذكر: "القعدة في المخازن كانت عبارة عن انتظار الموت، كنا كل اليوم نعيش على قطعة خبز صغيرة مع مثلث جبنة، وصل الأمر فينا أننا شربنا من المياه المتجمعة على الأرض".

في إحدى المرات حاول شابان مصريان الفرار من المخزن، لكن فشلت المحاولة، وقبض عليهما من قبل المهرّب الذي أعادهما إلى المخزن، وقام بتعذيبهما وضربهما بأشرطة الكهرباء والعصا حتى خرج الدم من جسميهما، "بحياتي ما شفت هيك تعذيب"، وذلك بحجة "أنهما بعد محاولتهما الفرار سيخبران الحكومة الليبية عن مكان المخزن".

خرج سعيد ومن معه من المخزن إلى الشقة "مرض وجوع وكأنك طالع من الموت" يصف حالهم هناك، ويضيف: "كانوا يأخذون منا الهواتف الجوالة بحجة خوفهم من إخبارنا للحكومة عنهم".

قضى سعيد تلك الشهور الثمانية بين ذهاب وإياب من مخزن إلى آخر، في ظل وعود مستمرة من قبل المهربين بوجود رحلة بحرية.

قد يهمك: فيديو جديد من آخر ساعات "قارب الموت".. وأدلة تشكك برواية اليونان

مخازن أجدابيا

بعد فترة شهرين ونصف من الجلوس في المخازن، قرّر المهربون نقل سعيد ومن معه من الراغبين بالهجرة إلى مدينة أجدابيا شرقي ليبيا، "وافقنا على ذلك لأننا نريد الخلاص مما نحن فيه".

نقل المهربون المهاجرين إلى مدينة أجدابيا ووصل عدد المهاجرين إلى أكثر من 500، أخذوهم إلى الصحراء "مافي خيمة ولا بيت، نخلة بس نواري حالنا بظلها".

هدّد المهربون المهاجرون وهم وسط الصحراء إما بدفع الـ 3500 دولار، أو إلغاء الرحلة البحرية، رغم أنّ الاتفاق كان دفع الأموال بعد الوصول إلى إيطاليا "دفعنا الأموال ماذا عسانا نفعل" يوضح سعيد.

ولاحقاً يئس المهاجرون من الانتظار المستمر وهم في قلب الصحراء، وأخبروا المهربين بتراجعهم عن السفر بحراً، لتأتي السلطات الليبية وتلقي القبض على 73 شخصاً من أصل 300، سعيد من بينهم.

نقلت الشرطة الجنائية الليبية سعيد والمهاجرين إلى مركز مدينة أجدابيا ومن ثم حولتهم إلى مركز الهجرة في مدينة بنغازي، ولم يخرجوا إلى بكفالة مدفوعة بعد إجراء تحاليل معينة، عرف سعيد من خلالها أنه يعاني من مرض التهاب الكبد، وسوء تغذية "دفعت في النهاية 1500 دولار حتى خرجت من السجن".

رحلة تهريب جديدة

لم ييأس سعيد مما حصل معه، واتفق مع مهرب آخر، وعاد إلى المخازن لمدة استمرت شهرين ونصف، وبرر ذلك بقوله: "من أجل الخلاص من التعب والقهر والذل".

مشاجرة بين المهربين بالأسلحة والقنابل دفعته إلى إلغاء مشروع الهجرة البحرية، واضطر للعودة إلى سوريا بعد كل تلك الأحداث خلال ثمانية شهور.

ويختم بقوله لروزنة: "ناس قعدت يوم بالمخازن سافرت وأصبحت في أوروبا، ناس غرقت، ناس في ليبيا إلى اليوم، وناس عادت إلى سوريا مثلي".

وتصنف "المنظمة الدولية للهجرة وسط البحر الأبيض المتوسط، كأخطر طريق للهجرة في العالم. 

وكان جهاز المباحث الجنائية الليبية، قال في أيار عام 2022 إنهم داهموا أوكاراً كانت معدة لتهريب البشر، وهي مساكن تحتوي على مهاجرين غير شرعيين، تفتقر إلى أقل سبل الحياة، وبعد أخذ أقوال المهاجرين غير الشرعيين عن ملكية هذه المخازن أو المساكن، تم إحالتهم إلى جهات الاختصاص".

ومطلع كانون الأول الماضي، ذكرت صحيفة "التايمز" البريطانية، أن إيطاليا تشكو من زيادة أعداد المهاجرين السريين من شرقي ليبيا، وقالت إنّ "المهربون يهرّبون مهاجرين من الجنسية المصرية من خلجان مخفية بالقرب من طبرق باتجاه إيطاليا".

 
سعيد يروي قصة رحلة التهريب 

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل الإجراءات الحكومية كافية لمنع تكرار أضرار ارتفاع منسوب الفرات؟

نعم
لا
لا أعرف
close icon