شتاء سوريا.. الميسور دافئ والفقير له روث الأبقار

 حطب للتدفئة - مصدر الصورة: روزنة
حطب للتدفئة - مصدر الصورة: روزنة

خدمي | 11 أكتوبر 2022 | علياء أحمد

بأس الحياة التي يعيشها السوريون في مناطق سيطرة النظام اليوم، الذين بدؤوا هماً جديداً بدخول فصل الشتاء، حيث لا سبيل للحصول على بعض الدفء، مع تقنين المازوت (الديزل) الذي بدأ توزيعه بمعدل 50 ليتراً لكل عائلة، لا تكفي أكثر من 3 أيام في المناطق الباردة، وقد يتم تقنينها حتى أسبوع في المناطق الأقل برودة.


مع توافر المازوت بكثافة، ووفرة في السوق السوداء لكن بمبالغ خيالية تصل إلى سعر 120 ألف ليرة لكل 20 ليتراً قابلة للزيادة مع تقدم فصل الشتاء، لا يعاني الميسورون وأمراء الحرب الذين لا يكترثون بإحراق عدة ملايين من الليرات ليحظوا وعائلاتهم بالدفء، الذي يحرم منه الفقراء من سواد الشعب السوري.

اقرأ أيضاً: " لا أعرف كيف سأدفئ بناتي"...أهالي المخيمات متخوفون من تكرار الفيضانات 


العودة للطرق القديمة


بدأ البعض بالعودة إلى الطرق القديمة بالتدفئة، كاستخدام تمز الزيتون (البيرين) الناتج عن بقايا الثمرة بعد عصرها، كذلك روث الأبقار بعد تجفيفه، إضافة للحطب في حال تمكن البعض من الحصول عليه بعيداً عن أعين الرقابة، وأخيراً طريقة مبتكرة جديدة تكمن في استخدام زيت السيارات المستعمل.


روث الأبقار


أكثر المعتمدين على هذه الطريقة يتواجدون في السويداء وحماة وحمص تحديداً في المناطق الريفية حيث تنتشر تربية الأبقار، حيث يتم جمع روث الأبقار طيلة فصل الصيف، وتشكيلها بأقراص كبيرة، ثم تجفيفها تحت أشعة الشمس، وتخزينها لفصل الشتاء، ويطلق عليها "الجلة".

قبل نحو عامين عادت نزهة 70 عاماً من قرى الشريط الحدودي مع لبنان بريف حمص، إلى العادة القديمة مستفيدة مما تعلمته حين كانت يافعة تقوم بإعداد "الجلة" مع والدتها.

تقول المرأة السبعينية إنه ومع بداية الصيف تتوقف عن بيع روث الأبقار الـ3 التي تمتلكها العائلة، حيث تجمعها ومن ثم تخلطها مع قش الأوراق اليابسة، وتقوم بتشكيلها تبعاً لأحجام معينة تسمح بإدخالها بفتحة المدفأة، بعد انتهاء هذه العملية تعرّض الأقراص الناتجة للشمس حتى تجف تماماً، ويعاد تجميعها وتخزينها لفصل الشتاء.

قد يهمك: نصائح لتفادي أضرار العواصف الثلجية



تؤكد نزهة على ضرورة تجفيف الأقراص جيداً، حيث وقبل العودة لهذه الطريقة القديمة قاموا بالاستفسار عن أضرارها، وتم إخبارهم من قبل الوحدة الإرشادية في القرية بأهمية تعريض الأقراص للشمس لوقت طويل، حتى التأكد من جفافها بشكل كامل، حتى لا تؤدي إلى مخاطر على الصحة عند احتراقها.

يقول مهندس زراعي فضل عدم الكشف عن اسمه، إن هذه الطريقة بالتدفئة لم تعد صحية، ففي السابق كانت منازل الأجداد مفتوحة وذات تهوية جيدة بخلاف منازل اليوم البيتونية التي تفتقد للتهوية الجيدة، وينصح بتجفيف الأقراص جيداً.

أيهم 62 عاماً (اسم مستعار) طبيب أمراض تنفسية يقيم في دمشق، أكد أن هذه الطريقة غير صحية على الإطلاق ولا ينصح بها، لكن تبعاً للظروف الحالية والحاجة لها، يؤكد على اتباع إجراءات معينة.

وتشمل تلك الإجراءات التأكد من إغلاق باب المدفأة بإحكام بعد وضع الروث الحيواني مباشرة، وترك الشباك مفتوحاً بشكل جزئي طيلة اليوم حتى بعد إطفاء المدفأة، ويضيف أنه لا يجوز تحت أي ظرف النوم في نفس الغرفة التي تتواجد فيها المدفأة، وإبعاد الأطفال عنها وعدم السماح لهم بالجلوس طويلاً في الغرفة.

وفي حال لم يتم الانتباه إلى تلك الإجراءات أو تجاهلها فإن المخاطر ستكون كبيرة، كحدوث التهابات تنفسية وأخرى في منطقة العين، وستزيد من معاناة مرضى الأمراض التنفسية مثل الربو وفي بعض الحالات قد يصل الأمر لدرجة الموت، والحال ينطبق على استخدام الحطب بالتدفئة، حيث يجب اتباع ذات الإرشادات الوقائية المذكورة أعلاه.

وسبق أن ذكرت وكالة "سانا" التابعة للنظام عام 2015، وفاة ثلاث أطفال أعمارهم تتراوح بين 14 إلى 18 عاماً في حي بستان الدور بالعاصمة دمشق، بسبب نومهم في الغرفة ذاتها مع مدفأة الحطب دون فتح النوافذ ما أدى لاختناقهم ووفاتهم.

كما تحدث رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن عدة وفيات مشابهة جرت في محافظات اللاذقية طرطوس وحمص، العام الفائت دون توثيق رسمي أو إصدار بيانات خاصة حول تلك الأخبار.


تفل الزيتون (البيرين)


تنتشر هذه الطريقة من التدفئة في المحافظات التي تمتلك محاصيل الزيتون مثل الساحل السوري بالدرجة الأولى. وتكون بديلاً مقبولاً يمكن الاعتماد عليه لتأمين تدفئة للمنازل، خاصة أنه جيّد الاشتعال بسبب نسبة الزيت الموجودة فيه.

محمود 39 عاماً موظف حكومي من ريف طرطوس، قال إنهم وبعد عصر الزيتون في المعاصر يحصلون على بقايا العصر التي تسمى محلياً "تمز" وتعرف في باقي المحافظات بالبيرين، وتتألف من القشرة ونواة الحبات بالإضافة إلى تواجد بقايا زيت فيها.

في السابق لم يكن محمود يأبه لهذه البقايا، لكن اليوم ومع فقدان كل وسائل التدفئة التقليدية المعتادة بات الرجوع إلى وسائل القدماء أمر ضروري، حيث يشكل التمز على شكل أقراص ويعرض للهواء حتى يجف ثم يحفظ بانتظار استخدامه شتاء.

مؤخراً بدأت بعض المحلات بيع تمز الزيتون لأهالي المدن الذين قد لا يملكون أراضي زراعية تحوي الزيتون وأيضاً لا يملكون أية وسيلة تدفئة بالمحروقات أو الكهرباء.

العام الفائت اشترت بلسم (29 عاماً) والتي تعيش في مدينة اللاذقية، التمز وجربته لأول مرة، وكان سعر القالب 1500 ليرة سورية، ويكفي نحو 5 ساعات تدفئة، وتفكر هذا العام بإعادة التجربة، خصوصاً أنه أوفر بكثير من شراء المازوت أو الغاز، وتضيف: "لم نعرف أسعاره هذه العام بعد، لكن أخبرني البائع أن سعر القالب سيتراوح بين 3 إلى 4 آلاف ليرة وهم بانتظار انتهاء المعاصر ليحددوا السعر".

وبحسب الطبيب أيهم (اسم مستعار) فإن مخاطر التمز أخف قليلاً من مخاطر الحطب وروث الأبقار، إلا أنها موجودة ويجب اتباع النصائح ذاتها عند استخدامه.
 

الحطب خارج الحسابات


لم تعد التدفئة بالحطب متاحة للفقراء، حيث يتراوح سعر الطن الواحد منه بين 450 إلى 650 ألف ليرة، حسب نوعه كما أنه قابل للارتفاع كلما تقدمنا زمنياً باتجاه فصل الشتاء، علماً أن الطن الواحد لا يكفي العائلة أكثر من شهر واحد، مهما بلغت نسبة التوفير.

يرجع حسام (45 عاماً) وأحد العاملين بالتحطيب في ريف طرطوس السبب، إلى زيادة الطلب على الحطب من قبل أصحاب الفيلات والمزارع سواء من اللاذقية أو من خارجها، والذين يمتلكون موقداً (شيمنيه) يحتاج إلى حطب كثير ليبقى يعمل، لذا فإن الحطب خرج من حسابات الفقراء.
 

زيت السيارات


طريقة جديدة بدأ البعض في المدن باستخدامها، حيث يشترون زيت السيارات المستعمل من مغاسل السيارات، ويضعونه في المدفأة عوضاً من المازوت، ويقول نديم 34 عاماً إنه جرب هذه الطريقة العام الفائت، وحصل على الزيت بشكل مجاني من قبل صديقه في المرة الأولى، وبعد نجاح التجربة عاد ليشتري الكيلو الواحد بسعر 1500 ليرة وهو بديل رائع عن المازوت برأيه، إلا أنه يتسبب باهتراء المدفأة سريعاً، ويؤكد أن سيعيد التجربة هذا العام.

البعض الآخر يعتمد على أكياس المياه الساخنة، والحرامات الصوفية، وارتداء المزيد من الملابس، ولا يوجد الكثير من الخيارات بحثاً عن الدفء بالنسبة لغالبية السوريين هذا الشتاء الذي لا يبدو أنه سيكون أرحم من سابقه.

الواقع السابق وهو نقطة صغيرة مما يعانيه السوريون اليوم، ربما يجيب على سؤال: لماذا يخرج السوريون في قوارب الموت بحثاً عن الهجرة، فالحياة والموت تساويا بالنسبة لهم تماماً.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق