في "يوم الحزن الشركسي"..  هل عمّقت غربة اللجوء جراحهم؟

في

تقارير | 21 05 2021

أحمد حاج حمدو

في مثل هذا اليوم من عام 1864 بدأ الشركس هجرتهم الجماعية من شمال القوقاز، بعد انتهاء حرب المئة عام وعام مع روسيا، والتي أدّت إلى تهجير مئات الآلاف من الشركس في دول جديدة، فيما عُرف بعدها بـ "يوم الحزن الشركسي". 


ولكن مقابل استقرار غالبية الشركس في المواطن التي هاجروا إليها، إلّا أن الشركس السوريون لا ينسحب عليهم هذا الحال، حيث عانوا من تهجيرٍ ثانٍ من الجولان، وثالث خلال الحرب في سوريا.

ومرّت أكثر من خمس سنوات على أولى موجات اللجوء السوري نحو أوروبا، غادر خلالها سوريون من مختلف الطوائف والقوميات، وكان من ضمنها قوميات "شركس سوريا" الذين لم يكن يزيد عددهم عن 100 ألف قبل الحرب في سوريا.

ولكن مقابل "النجاة بالحياة" التي وفّرها اللجوء، خلق هوّة بين الشركس داخل سوريا وخارجها، فضلًا عن فقدان اللاجئين الشركس السوريين، الكثير من "المحفّزات" التي كانت تساعدهم على الاستمرار في ممارسة طقوسهم وتداول موروثهم إلى الأبناء.

تتمثّل أبرز مصاعب الشركس السوريين بعد اللجوء إلى دول بعيدة، في تفرقة العائلات بعد أن كانت تعيش في مدن واحدة، فضلًا عن صعوبة الاهتمام بتعلّم اللغة بسبب فرض لغة البلد المستضيف عليهم كمدخل للاندماج، وخاصةً بالنسبة للأطفال والمواليد الجدد الذين يُولدون في الدول الأوروبية. عدا عن عدم وجود شريك للحياة من ذات القومية والمناسب في نفس الوقت أصبح تحد كبير.

فقدان اللغة والطقوس

تعيش الشابّة الشركسية السورية عفّت في ألمانيا منذ أكثر من خمسة سنوات، وصلت مع عائلتها إلى بلد اللجوء قادمةً من العاصمة دمشق، بعد سوء الوضع الأمني وعدم قدرتها على ممارسة حياتها اليومية بشكلٍ آمن، رغم أنّها كانت تحاول بناء حياتها العملية بعد تخرّجها من كلية الإعلام في جامعة دمشق.

تقول عفّت: "في بداية الوصول إلى ألمانيا كان الأمر صعبًا لأنّني فقدت كل حياتي الاجتماعية في سوريا، ولكن ما خفّف عني أنّ لي أقارب ألمان كانوا بجانبي في الفترة الأولى".

وترى الشابة الثلاثينية أن العرب الذين يأتون إلى ألمانيا، يواجهون صعوبة في المحافظة على لغتهم مع أولادهم، وبالتالي فإن الأمر سوف يكون أصعب على الشركس كونها قومية صغيرة الحجم، كما أن عدد المتحدّثين فيها من السوريين قليل.

                                                                               صورة من لقاء برلين لـ "الشركس في أوروبا"

وتقول: "في سوريا كنت أمارس اللغة الشركسية من خلال الحديث مع أسرتي وأقاربي، حيث كان والدي حريص على التحدّث بها داخل المنزل لذلك تبقى اللغة مسموعة في أذني، كما أنه كان في سوريا الكثير من الجمعيات التي تعلّم اللغة والرقص والتراث، لكنّني الآن فقدت كل ذلك، فلم أعد أمارس اللغة بسبب عدم وجود أقارب ومعارف من الشركس في محيطي، وندرة الجمعيات المتخصّصة، ما أدّى في نهاية المطاف إلى فقداني أكثر من ٦٠ بالمئة من مهاراتي اللغوية".

تواجه عفّت بين الحين والأخرى أسئلة من محيطها من قبيل "ما معنى أذن أو عين باللغة الشركسية" ما يجعلها تراجع نفسها بسبب عدم قدرتها على الإجابة، لافتةً إلى أنّها خلال السنوات التي سبقت لجوئها كانت تشعر أن الاهتمام بتعلّم اللغة كان يتضائل من جيل إلى جيل.
 
ترغب عفّت في نقل اللغة إلى أولادها في المستقبل، غير أنّها تعترف بصعوبة المهمّة "سوف أحاول تعليم اولادي اللغة الشركسي لأنّها مرتبطة بطفولتي، لكنّني لا أعتقد أن أنجح، لأنّني لست متمكّنة من اللغة بما فيه الكفاية، كما أن الطفل من الممكن أن يتجاوب مع اللغة حتّى الذهاب إلى الروضة، وبعدها سوف يحتك مع الألمان ويتعلّم لغتهم" غير أنّها متمسّكة على الأقل في تعريف أولادها على قوميتهم وتاريخهم واطلاعهم على المناسبات والرقصات الشركسية ونقل الحقائق التاريخية لهم.

قد يهمك: نحو 150 عام من التهجير والشركس متخوفون ضياع قوميتهم في بلدان اللجوء

خلال وجودها في ألمانيا، تزوّجت عفّت من شاب عربي، وتقول إن قرارها كان "شخصي" وتعرّضت لضغوطات بسببه: "عائلتي لم تكن تفضّل أن أتزوج من شاب غير شركسي، ونحو ٨٠ بالمئة من الشركس يحملون هذه الفكرة، فالبعض قد يتوقّف عن التواصل معي وقد يرضى بعد فترة أو يستمر في مقاطعتي".

تعلم عفّت أنه في حال إقدام كل الشركس السوريين على خطوة الزواج من قوميات أخرى لن يبقى شراكس سوريين، ولكنّه ترد على هذه النقطة: "من يريد مني الزواج من شركسي يجب أن يضعني في بيئة شركسية، لو كنت أعيش في احدى الجمهوريات الشركسية مثلًا سوف أقبل اللوم من زواجي بغير شركسي، ولكنّني في مكان يحتوي على أعراق وقوميات مختلفة".

عن مستقبل الشركس السوريين ترى عفّت أن الاهتمام بالتراث القومي واللغة يتراجع مع السنوات، وزاد من ذلك أنه لم تعد تجمّعات الشركس السوريين متاحة، موضحةً أن الأولاد الذين سوف يخلقوا في دول اللجوء، قد لا يكونوا متمسّكين بالتراث واللغة لأن التنشئة في سوريا التي حصل عليها آبائهم غير موجوة هنا، باستثناء الشركس السوريين الذين هاجروا إلى سوريا وهؤلاء زاد تمسّكهم بقوميتهم والبعض منهم تعلم اللغة هناك بعد أن غادر سوريا.

الحفاظ على الهوية بالتقرّب من الوطن الأم

اقتصرت الحياة الاجتماعية للشاب الشركسي السوري يحيى (34 عامًا) على العالم الافتراضي، منذ وصوله إلى ألمانيا، لذلك يفتقد الشاب للحياة الاجتماعية التي كان يعيشها في سوريا، لأن المناسبات الشركسية محدودة للغاية في ألمانيا "ولا تتجاوز أصابع اليدين" حسب قوله.

يعتبر يحيى أن لجوء الشركس السوريين إلى الدول الأوروبية حمل إيجابيات مثل العيش بأمان مقابل سلبيات تتمثّل في تشتّتهم، حتّى أن العائلة والواحدة بات مشتّتة، وهذا قد يعرّضهم للانصهار ضمن المجتمع الأكبر الذي يعيشون فيه مع الوقت.

اقرأ أيضاً: جريمة إبادة ارتكبت بحقهم ..ماذا تعرف عن يوم الحداد الشركسي؟

بسبب هذا التشتّت، يوضح يحيى أن تعلّم اللغة الشركسية والاهتمام بها تراجع، حيث لم يعد هناك تواصل بين أفراد المجتمع الشركسي، وخصوصًا أن عددهم أصلًا قليل، بما في ذلك من بقوا في سوريا.

ولكن بالمقابل يرى يحيى أن الانترنت وفّر طرقًا بديلة للمهتمّين بتعلّم اللغة وأصبح الأمر متاحًا للجميع، ولكن الاهتمام بالتعلّم هو من أولوية مقارنة بتعلم لغة البلد الجديد التي بدونها من الصعب إيجاد فرص عمل او دراسة أو حتى تأمين الاحتياجات اليومية حسب يحيى.

وقال: "للأسف، اللغة الشركسية للسوريين مهددة، وخاصة مع تراجع عدد المتحدّثين فيها لأن استخدام هذه اللغة بدأ بالانحسار قبل اللجوء اصلاً، والكثير من الأسر تدّعي الانشغال في مصاعب الحياة ولا تعلم اطفالها اللغة الشركسية، كذلك يكون تعليم اللغة الشركسية للأطفال عادة صعبا للأهل، إذا لم يكن كلا الوالدين يجيدان اللغة".


وأضاف يحيى متحدّثًا عن اللغة أيضًا: "في سوريا لم تكن اللغة الشركسية ضمن المناهج الدراسية، وفي ألمانيا من الصعب توفير هذا النوع من المدارس بسبب عدم تجمع الشركس في أماكن قريبة من بعضها".

لا يجد يحيى فرقًا بين الشركس الذين نشأوا في سوريا وألمانيا إلّا أنه يوضّح أن الانصهار في المجتمع أصبح أكثر احتمالا ولكن زيارة الوطن الأم وتعزيز علاقة الشركسة بوطنهم الأم أصبح أكثر سهولة تماشيا مع الجنسيات الجديدة التي سيحصلون عليها وهذا أمر سيكون له وقع إيجابي إذا قام به أغلب الشركسة في دول اللجوء الجديدة.

أما عن زواج الشركس السوريين في دول اللجوء، فيتابع يحيى: "غالبية الذكور أصبحوا خارج سورية والفتيات داخلها، في حين أن استقدام الزوجة من داخل سورية ليس بالأمر اليسير تماشيا مع الشروط المطلوبة لذلك" مشيرًا إلى أن الزواج مسألة شخصية، ولكنّه يحبّذ أن يتزوّج من شركسية حيث سيكون التفاهم أفضل كما أنّه يفضّل إحياء عاداته ولغته الأم وينقلها لأطفاله.

وأكمل حديثه: "الدافع من زواج الشركس من بعضهم البعض كان ولازال هو عدم الانصهار والذوبان وليس من دافع عنصري كما يفسر ذلك البعض، مبيّنًا أن الشركس السوريين أمامهم تحدّيات كبيرة على المستوى القومي والثقافي في ظل صعوبة اللقاءات والتعارف والعلاقات الاجتماعية وأهم التحديات هي الهوية الثقافية للشراكسة حيث بدون لغة وعادات لن يبقى الكثير من هذه القومية، وأن الأكثر صعوبة هو التعامل مع الجيل الذي سيولد مستقبًا، لافتًا إلى أن أبرز الحلول هو اتجاه الشركس السوريين لزيارة وطنهم الأم وتعزيز الترابط معه من خلال قضاء العطل. 

صحوة قومية؟

منذ سنوات، يعيش الدكتور جباغ قابلو مع أسرته في ألمانيا، ويعمل محاضرًا في كلية التاريخ في جامعة مدينة يينا الألمانية، وكان لديه وجهة نظر مختلفة حول أثر اللجوء والتشتّت على العائلات الشركسية السورية.

وقال قابلو: "هناك نوع من ردّ الفعل تجاه تعلّم اللغة الشركسية، حيث أصبح الكثير من الشباب متحمّسين لنشر دروس اللغة وهذا يزيد عدد المتحدّثين فيها، حيث أصبح لدى المهتم بتعلّم اللغة الشركسية الكثير من الوسائل عبر الإنترنت وحتّى عن طريق شركس القفقاس الذين يبادرون بتعليم اللغة عبر الانترنت، فأنا أعرف أشخاصًا يزيد عمرهم عن 40 عامًا بدأوا من جديد بتعلّمها عبر الانترنت".

"الهوية تتوضّح أكثر في الغربة" هذا ما يراه الدكتور قابلو، لافتًا إلى أن الأمر يعود إلى كل عائلة بحد ذاتها إذا كانت مهتمة بنقل لغتها وتراثها أم لا.

ويرى قابلو أن الأقلية الشركسية في أوروبا تشتّت حتّى داخل الأقلية السورية، وهذا خلق مخاوف من فقدان الهوية لم يكن موجودًا في سوريا، وهو ما حفّز البعض على البحث عن هويته أكثر والحفاظ عليها، من خلال إنشاء مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي خاص بالشركس السوريين، وأخرى بتعلّم اللغة وثالثة في نشر التراث والتاريخ الشركسي، حتّى أن الدكتور قابلو لديه صفحة من هذا النوع على موقع "فيسبوك" ينشر من خلالها معلومات عن القومية الشركسية.

لدى عائلة الدكتور قابلو ثلاثة أولاد، اثنين منهم كبار ويدرسون الشهادة الثانوية حاليًا، ولمس والدهم رغبة كبيرة منهم بتعلّم اللغة، وفي هذا الإطار يحاول رب الأسرة الإبقاء على فتح نقاشات مع أفراد عائلته عن الموضوع السوري وموضوع الهوية الثقافية الشركسية خلال اجتماعهم على الموائد وفي السهرات، وفي بعض الأحيان يبادر الأولاد في السؤال لتوضيح بعض الأمور المبهمة لديهم.

ويقول الدكتور قابلو: "في ألمانيا تستطيع أن تعيش طقوس قوميته دون أي مشاكل، المسألة فقط فيما إذا كان الشخص يرغب بذلك أم لا".

الزواج من قومية غير شركسية ليس تابوه 

ولا يصنّف قابلو الزواج من قومية أخرى على أنّه "تابّو" ولكنّه يؤيّد زواج الشركس السوريين من بعضهم البعض للحفاظ على القومية وليس من دافع عنصري، وفي هذا السياق يطرح عدّة حلول، منها الزواج من الفتيات الشركسيات في سوريا واستقدامهنَّ إلى دول اللجوء ضمن الشروط المعمول بها.

و يتطلّب هذا النوع من الزواج لقاء العروسين في دولة ثالثة وتثبيت عقد زواج ثم يعود اللاجئ إلى مكان إقامته ويقدّم طلب لم الشمل بعد استيفاء شروط مثل اللغة امتلاك عقد عمل ودفع الضرائب ووجود منزل للزواج.

وفي هذا الإطار يشير الدكتور قابلو إلى أنّه شهد على قدوم العديد من الفتيات من سوريا والأردن ودول أخرى بهذه الطريقة، ومن ضمن الحلول أيضًا الزواج من فتيات الشركس في القفقاس، وهذه الحالات حصلت مع شركس سوريين في ألمانيا حسب الدكتور قابلو.

و يؤكد قابلو إلى أنه لا يؤيد الزيجات المختلطة و لا يحبذها، و يقول: "الآن الكثيرون ممن يقبلون بهذه الزيجات يقبلونها مكرهين إلا ما ندر، و هؤلاء ينطلقون أحيانا من خلفيات دينية". و يفسر كلامه بأن هناك بعض الأسر الملتزمة دينياً لا ترى مانعاً من تزويج بناتها و أبناءها من مجموعات عرقية أخرى، و المسألة القومية عند هؤلاء لا اعتبار لها. 

رغم أن اللجوء زاد الضغوط على الشركس السوريين، إلى أن الدكتور قابلو يرى أنّه زاد من الإحساس بالواجب القومي، وخلق "صحوة قومية" كنوع من الاستجابة للأزمات، داعيًا إلى "تعاون أكبر" في مجال لقاء الشركس بين بعضهم البعض في أوروبا، وتوحيد الرؤية على أن تكون هذه التجمّعات ليست للترفيه فقط بل للقيام بنشاطات ثقافية وتوعوية.

ونوّه قابلو في نهاية حديثه إلى أن اللاجئين الشركس السوريين ما زالوا في مرحلة عدم استقرار كلّي ويتلمّسون طريقهم، قائلًا: من الممكن بعد عشر سنوات تنتهي هذه الفترة الانتقالية، ويكون لدينا مجال أكبر للاهتمام في هويتنا القومية ونقلها إلى الأجيال الأخرى". 

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

بودكاست

سمعني سبورت

سمعني سبورت، يقدم لك أبرز الأحداث الرياضية في سوريا والعالم من الدوري المحلي إلى البطولات العالمية، ومن آراء الجماهير إلى حصاد المراكز، ننقل لك كل ما يجري خلف الأرقام والنتائج، بأسلوب شيق وسريع الإيقاع.

سمعني سبورت

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل الإجراءات الحكومية كافية لمنع تكرار أضرار ارتفاع منسوب الفرات؟

نعم
لا
لا أعرف
close icon