تقارير | 5 12 2022
محمود أبو راس
لم يشترِ عمار عفيف، وهو مدني يقطن في ريف إدلب الشمالي، مواد التدفئة لهذا العام، نتيجة ارتفاع أسعارها بشكل كبير في المنطقة مقارنةً بأسعار العام الماضي، فهو يعتمد على مادة الحطب في التدفئة، لكن هذه المادة شهدت ارتفاعاً كبيراً مع بداية فصل الشتاء.
اقرأ أيضاً: إدلب .. مخيمات الساحل تستقبل الشتاء
ولم تقتصر شكوى الأهالي ومعاناتهم على غرق المخيمات فقط، ولا في الحرائق التي تشهدها الخيام والمنازل نتيجة رداءة مواد التدفئة وعدم تحقيقها لشروط الأمان، وليست فقط في البرد الذي ينخر عظاماً لا يقيها قماش متآكل ولا مدافئ مشتعلة.
فالغالبية ممن كانوا قادرين على توفير مواد التدفئة، أصبحوا اليوم عاجزين عن شرائها، بسبب الارتفاع الكبير وغير المسبوق في أسعار مواد التدفئة هذا العام، والبعض منها ارتفعت لأضعاف مضاعفة، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة انخفاضاً في مستوى الدخل لدى السكان، وقلة فرص العمل.
أسعار صادمة
الارتفاع غير المتوقع في الأسعار لهذا العام، صدم جميع سكان المنطقة، وباتوا حائرين في كيفية تأمين مواد التدفئة لهذا الشتاء، البعض اتجه نحو تغيير الصنف الذي كان يعتمد عليه، والبعض الآخر يخطط لتخفيض الكمية التي يشتريها في كل عام.
مصطفى جيلو، من قرية رأس الحصن في ريف إدلب الشمالي، عمل هذا العام على تخفيض كمية الحطب التي يرصدها كل عام لتدفئة عائلته المكونة من 12 فرداً، وذلك لعدم قدرته على شرائها بسعرها الجديد، علماً أنه يقيم في منطقة جبلية مرتفعة شديدة البرودة،
يقول: "كل عام نشتري أربعة أطنان من الحطب مع بداية الشتاء، لكن هذا العام اشتريت طنين و700 كيلوغرام فقط، لأن الأسعار هذا العام مرتفعة بشكل كبير، ولست قادراً على شراء الكميات التي نحتاجها، إلا بالدين".

فوجئ أبو عبد مدير مخيم حرش الزيدية في منطقة عفرين شمالي حلب، بارتفاع أسعار مواد التدفئة، خلال ذهابه لشرائها، حيث تتكون عائلته من 7 أفراد، يقول: "يتراوح سعر الطن من 180 إلى 200 دولار أمريكي، وأنا عامل، يوميتي لا تكفيني لشراء الطعام لعائلتي، فلم أجد بديلاً سوى إرسال أطفالي لجمع المواد الكرتونية والبلاستيكية، وقمت بتفصيل موقد صغير يعمل على كافة المواد، يمكن أن نستفيد منه بطهي الطعام".
في حين يخطط علي أبو أحمد أحد سكان مدينة عفرين للتدفئة هذا العام أيضاً على المواد البلاستيكية، كما فعل في العام الماضي، نتيجة ارتفاع أسعار مواد التدفئة وعجزه عن شرائها، يقول: "ارتفعت الأسعار بشكل مضاعف، ولا حل سوى شراء المواد البلاستيكية أو الاعتماد على الفحم على الرغم من خطورته على صحة الأطفال والأمراض التي يسببها".
عبد الرحمن عبد الرحيم نازح في منطقة عفرين يحمل الحكومة السورية المؤقتة المسؤولية عن ضبط الأسعار، بعد ارتفاعها الكبير، واختلاف السعر من بائع لبائع، يقول: "الارتفاع غير منطقي، وغير معقول، فالعائلة التي يبلغ عدد أفرادها 5 أشخاص تحتاج لأربعين ليرة تركية خبز يومياً، وأقل طبخة تكلف من 75 لـ 100 ليرة، في الوقت الذي لا يتجاوز دخل العام الـ 50 ليرة، فبهذه الحالة كيف سيستطيع تأمين ثمن مواد التدفئة".

ويرى بأنه لا يوجد حلّ لدى الناس سوى اللجوء إلى حاويات النفايات وجمع المواد البلاستيكية من أجل التدفئة عليها، يضيف: "المسؤول الأول عن الموضوع هو الحكومة السورية المؤقتة العاجزة عن ضبط أسعار مواد التدفئة، وتأمين فرص عمل لسكان المنطقة".
إقبال ضعيف
الارتفاع الكبير في أسعار مواد التدفئة لهذا العام أدى إلى ضعف إقبال السكان على شرائها بكميات كبيرة، كما كان معتاداً خلال السنوات الماضية، ما تسبب بضعف الحركة الشرائية لدى محال بيع مواد التدفئة.
جمال أبو أحمد، صاحب محل بيع مواد تدفئة في منطقة رأس الحصن بريف إدلب الشمالي يتحدث لـ "روزنة" عن الحالة الشرائية وإقبال الناس عليه: "الإقبال ضعيف جداً هذا العام من قبل السكان على شراء مواد التدفئة، نتيجة ارتفاع أسعارها بشكل كبير، مقارنةً بالعام الماضي".
ويبرر أبو أحمد الارتفاع بأن: "المشكلة في أن هذه المواد باتت قليلة مقارنةً بالسنوات الماضية، ومعظمها مستوردة من الخارج، وسعرها يكون مرتفعاً من المصدر، يضاف إليه تكاليف النقل، فتصل إلينا بسعر كبير، نضطر لبيعها بسعر يعتبره الناس غير مقبول".

اختلاف في الأسعار
تختلف أسعار مواد التدفئة في شمال غرب سوريا ما بين مناطق محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة "حكومة الإنقاذ" ومناطق شمال حلب الخاضعة لسيطرة "الحكومة السورية المؤقتة"، علماً بأن كلا المنطقتين تستورد عدّة أصناف من مواد التدفئة عبر تركيا.
خلال إعداد هذا التقرير أجرينا مقارنة ما بين أسعار مواد التدفئة في كلا المنطقتين، حيث يتراوح سعر طن الحطب لهذا العام من 140 لـ 205 دولار أمريكي في مناطق إدلب، ومن 135 لـ 160 دولار في مناطق شمال حلب.
أما أسعار القشور (الفستق، البندق، المشمش) من 240 لـ 270 دولار في إدلب، ومن 260 لـ 290 شمال حلب، وبالنسبة للفحم الحجري فسعره من 165 لـ 175 دولار في إدلب، ومن 138 لـ 142 في شمال حلب.

الاختلاف في الأسعار لا يتوقف عند المناطق المختلفة السيطرة في شمال غرب سوريا فقط، إنما يصل للاختلاف في كل منطقة ضمن هذه المناطق، في الوقت الذي تحدث وزير المالية في الحكومة السورية المؤقتة، عبد الحكيم المصري لـ "روزنة" عن عدم وجود احتكار في مواد التدفئة، وأن الاختلاف في الأسعار ناجم عن المنافسة الموجودة بين جميع المستوردين، الذين يعملون على استيراد مواد التدفئة من تركيا، مؤكداً إلغاء الحكومة المؤقتة للضريبة الجمركية على هذه المواد الداخلة لسوريا، ومرجعاً سبب الارتفاع هذا العام لارتفاع أسعار النفط عالمياً.
جهود لتدفئة المخيمات
مع بداية كل فصل شتاء تسعى المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة لإطلاق حملات إغاثية لإمداد النازحين في المخيمات، وحتى في المدن والبلدات، تؤمّن من خلالها مواد التدفئة لقسم من العائلات.
فريق ملهم التطوعي العامل في المنطقة، قرر هذا العام الابتعاد عن موضوع توزيع مواد تدفئة نتيجة عدم قدرته على تحديد الصنف الذي تحتاجه العائلة المستفيدة، فلجأ إلى حل آخر، عبر توزيع مبالغ مالية لكل عائلة، محمد الشيخ، منسق ميداني في الفريق، يقول: "لدينا حملة موسمية اسمها خيرك دفا، تنطلق كل عام مع بداية فصل الشتاء، هذا العام سنقوم بتوزيع مبالغ مالية لكل عائلة، ليشتروا مواد تدفئة من خلالها".
كما تعمل جمعية الأيادي البيضاء في كل شتاء من خلال حملتها السنوية "دفء" لتلبية احتياجات النازحين والمقيمين في الشمال السوري واللاجئين في تركيا، من خلال استبدال الخيام التالفة وتأمين المدافئ ووقود التدفئة وتوزيع الكسوة الشتوية.
قد يهمّك: شمالي سوريا.. خيام مهترئة تواجه عواصف الشتاء
في هذا العام وضمن حملة دفء 10 قامت الجمعية باستبدال 380 خيمة بوحدات سكنية، وتخديمها بالبنية التحتية وتأمين مياه الشرب، من خلال بناء خزان مركزي للمياه في مخيمات الطيبة والمنزلة بريف إدلب.
وخلال الأيام القليلة القادمة ستقوم بتوزيع وقود وفحم للتدفئة وكسوة شتوية على النازحين في المنطقة، بحسب المسؤول الإعلامي في الجمعية، علي أبو كريم.
ارتفاع أسعار مواد التدفئة لهذا العام يزيد من معاناة السوريين في شمال غرب سوريا، وبالأخص القابعين في مخيمات النزوح، في ظل غياب مصادر الدخل والفقر الكبير الذي تشهده المنطقة.