سوريا التي تحولت إلى "جمهورية الكبتاغون"

حبوب كبتاغون مخدرة - مصدر الصورة من الإنترنت
حبوب كبتاغون مخدرة - مصدر الصورة من الإنترنت

سياسي | 07 نوفمبر 2022 | روزنة

كميات كبيرة من مخدر الكبتاغون ضبطتها دول عدة في أوروبا والخليج العربي خلال السنوات الأخيرة الماضية، كان القاسم المشترك فيها جميعاً، هو أن مصدرها النظام السوري، إما عبر مرافئه البحرية، أو حدوده البرية. 


تقرير موسّع نشرته وكالة الصحافة الفرنسية (AFB)، قبل أيام، عن تصنيع وتجارة مخدر الكبتاغون في سوريا، وعمليات التهريب إلى باقي البلدان.

اقرأ أيضاً: تحقيق صحفي يكشف تورط ماهر الأسد في عمليات تهريب الكبتاغون 



واعتمد التقرير على شهادات حصلت عليها الوكالة "من 30 شخصاً، من مهربين ومسؤولين أمنيين حاليين وسابقين في سوريا ودول أخرى، فضلاً عن ناشطين ومسؤولين محليين على دراية بصناعة الكبتاغون، وطلب معظمهم عدم الكشف عن أسمائهم".

وأكد التقرير أن سوريا باتت مركزاً أساسياً لشبكة تمتد بين سوريا والعراق والأردن وتركيا، وصولاً إلى دول الخليج مروراً بدول أفريقية وأوروبية، معتبراً أن "السعودية السوق الأول للكبتاغون".


تجارة مؤكدة الربح


يشير التقرير إلى أن شحنةً واحدةً ميزانيتها عشرة ملايين دولار تغطّي المواد الأولية وطرق التهريب التي تُعرف بـ"السكة"، و"الرشاوى"، وتعود بربح قدره 180 مليون دولار، يتقاسمها أربعة أو خمسة تجار.

ونقل عن أحد الوسطاء اللبنانيين الذين يعملون في هذا المجال قوله عن هؤلاء التجار، إنهم "إذا خسروا أول عشرة ملايين، وثاني عشرة ملايين، وحتى ثالث عشرة، بمجرّد أن تنجح شحنة واحدة في المرور، يكون التاجر رابحاً"، ويضيف "رأسمالها خفيف وأرباحها كبيرة". 

ويؤكد الوسيط أن أواصر قرابة عشائرية تجمع غالبية التجار والمهربين المنتشرين في عدة دول، منها سوريا ولبنان والعراق والأردن والسعودية، ما يسهل تنقلهم وعمليات التهريب التي يشرفون عليها.

وبحسب مسؤولين أمنيين فإنه، مقابل كل شحنة يتمّ ضبطها، تصل تسع شحنات أخرى إلى وجهتها. ويتراوح سعر حبة الكبتاغون بين دولار و25 دولاراً.

وإذا احتُسب سعر الحبة بخمس دولارات، ووصلت أربع من أصل خمس شحنات إلى وجهتها، تتخطّى قيمة تجارة الكبتاغون السنوية عشرة مليارات دولار. ويّعد ذلك أقل تقدير لتلك التجارة الضخمة.

وبما أن ثمانين في المئة من تلك التجارة مركزها سوريا، وفق مسؤولين أمنيين، يكون الكبتاغون أبرز صادرات تلك الدولة، ويعود عليها بأرباح تفوق حجم ميزانيتها بثلاثة أضعاف.


إشراف مباشر من النظام


ويقول مستشار سابق في حكومة النظام لوكالة فرانس برس من خارج سوريا "لا توجد محرّمات في الحروب، والبلاد كانت ولا تزال في حاجة ماسة للنقد الأجنبي من أجل رفد اقتصاد الدولة".

وتتورّط أجهزة أمنية وعسكرية سورية عدة في تلك التجارة، قد تكون أبرزها الفرقة الرابعة التي تتبع ماهر الأسد، شقيق الرئيس السوري، وفق ما أفادت مصادر عدة بينها أمنيون سابقون في سوريا ومهربون وخبراء.

قد يهمّك: مجلس النواب الأميركي يقر قانوناَ لمكافحة "مخدرات الأسد"



وتتحدث كارولين روز، من معهد نيولاينز الذي نشر تحقيقاً حول صناعة الكبتاغون قبل أشهر، "لعبت الفرقة الرابعة دوراً أساسياً في حماية وتسهيل وتهريب الكبتاغون في حمص واللاذقية، وفي نقل الشحنات إلى مرفأي طرطوس واللاذقية".

ويعد الجنوب السوري، وتحديداً محافظتا السويداء ودرعا، معقل طرق تهريب أساسية لحبوب الكبتاغون نحو الأردن، وفق ناشطين وأمنيين سابقين من المنطقة.

ونقلاً عن المتحدث الرسمي لحركة "رجال الكرامة" في السويداء، أبو تيمور، فإن "السويداء منطقة تهريب وتخزين" للحبوب، مشيراً إلى أن أفراد عشائر في البادية المجاورة ينقلون البضائع إلى السويداء، حيث يجري تخزينها ثم تهريبها غالباً عبر الحدود الأردنية بالتعاون مع "أكثر من مئة عصابة مسلحة".

كما دخلت صناعة الكبتاغون وتهريبه مناطق سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا في شمالي سوريا.

ويقول مهرّب في تلك المناطق لفرانس برس "أعمل مع أشخاص في حمص ودمشق يأتون بالحبوب من مستودعات الفرقة الرابعة"، مضيفاً "نوزّع الحبوب هنا أو نرسلها إلى تركيا بالتنسيق مع الفصائل (...) السوق التركي يعتمد علينا كثيراً، نحن بوابة لهم".

ويبيع المهرب، وفق قوله، أيضاً الحبوب لمسؤولين في "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر على حوالي نصف محافظة إدلب المجاورة.

يقول موظّف في معمل أدوية في سوريا لفرانس برس من خارج سوريا، إن بعض مصانع الأدوية متورطة كونها قادرة على استيراد المواد الأولية لتلك الصناعة "غير المعقدة التي يمكن أن تتم في أي معمل أدوية خاص".

وبرغم أن النظام السوري يعلن بين الحين والآخر عن مصادرة شحنات أو مداهمة مستودعات، يقول الموظف إن ذلك ليس سوى "مسرحيات".

وأشارت مصادر عدة إلى أن النائب عامر خيتي الذي تفرض عليه واشنطن عقوبات اقتصادية، شخصية رئيسية في مجال تهريب الكبتاغون.

ويقول موظف يعمل لديه لفرانس برس من خارج سوريا، إنه شاهد على شحنات كبتاغون نُقلت إلى أحد مستودعات خيتي قرب دمشق.


دور لبنان


في لبنان، أطلقت وسائل إعلام محلية لقب "ملك الكبتاغون" على رجل الأعمال حسن دقو المتهم بإدارة إمبراطورية ضخمة من منطقة البقاع في شرق لبنان، مستفيداً من علاقات جيدة مع مسؤولين لبنانيين وسوريين.

لكن وبحسب أحد المسؤولين الأمنيين في لبنان، فإن نفوذ دقو تراجع مؤخراً، بسبب صعود أسماء جديدة في المنطقة، سيطرت على الساحة.

واعتقلت القوى الأمنية اللبنانية دقو في نيسان/أبريل من العام الماضي بتهمة تهريب حبوب الكبتاغون، الأمر الذي نفاه تماماً، مؤكداً أنه يعمل لصالح الأمن العسكري السوري والفرقة الرابعة، وفق مستندات قضائية اطلعت عليها فرانس برس.

مسؤول أبحاث سوريا في مركز التحليلات العملياتية والأبحاث (كور) إيان لارسون، يقول: "تحوّلت سوريا إلى المركز العالمي لصناعة الكبتاغون عن إدراك"، مشيراً إلى أنه لم يعد أمام دمشق سوى خيارات تجارية محدودة جراء اقتصاد الحرب والعقوبات القاسية.

وتتوزّع دولارات الكبتاغون بين مسؤولين سوريين كبار وأصحاب ثروات وتجار وصولاً إلى شبان يعانون البطالة أو سكان ولاجئين يرزحون تحت عبء الفقر يعملون في تصنيع تلك الحبوب وتهريبها.

في أيلول/سبتمبر 2020، أقرّ مجلس النواب الأميركي قانون مكافحة اتجار الأسد بالمخدرات وتخزينها (Countering Assad's Proliferation Trafficking And Garnering Of Narcotics Act)، ويختصر اسم القانون باللغة الإنكليزية بـ"CAPTAGON"، إلا أن الحبوب بحدّ ذاتها لم تلق حتى الآن اهتماماً واسعاً في دوائر صنع القرار في الدول الغربية.

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة. موافق