تقارير | 16 12 2021
إيمان حمراوي
"قدّك المياس يا عمري يا غصين البان كاليسر" و "هالأسمر اللون هالأسمراني تعبان يا قلب خيو هواه رماني" من القدود الحلبية التي وصلت شهرتها إلى العالمية، وأدرجتها منظمة "اليونيسكو" على لائحة التراث العالمي.
القدود الحلبية كانت جزءاً أساسياً من الطقوس الحلبية اليومية، مثلها مثل الموالد الدينية والحلقات الصوفية التي شكّلت أهم رافد من روافد الغناء في حلب.
? BREAKING
— UNESCO ?️ #Education #Sciences #Culture ??? (@UNESCO) December 15, 2021
Al-Qudoud al-Halabiya has just been inscribed on the #IntangibleHeritage list.
Congratulations #Syria ??! ?
ℹ️ https://t.co/yhkwj5iZsq #LivingHeritage pic.twitter.com/LHj6QnCGRo
ترتبط القدود ارتباطاً وثيقاً بمدينة حلب مع أصوات مطربيها الجميلة من أمثال صباح فخري وصبري مدلل وأبو هدى الصيادي وأمين الجندي ومحمد الدرويش وشادي جميل وغيرهم.
ومن القدود الحلبية المشهورة "يا مال الشام" و "تحت هودجها" و "يا غزالي كيف عني أبعدوك شتتوا شملي وهجري عودوك".
ما هي القدود الحلبية؟
هي نوع من الفنون الموسيقية التي اشتهرت بها مدينة حلب، وهي منظومات غنائية أنشئت على أعاريض وألحان دينية أومدينة، أي أنها بنيت على قد، أي على قدر أغنية شائعة، حيث تستفيد من شيوعها لتحقق حضورها ومن هنا جاء اسم القد.
الأديب والناقد الفني، عبد الفتاح قلعجي من حلب، قال إنّ القدود الحلبية هي منظومات غنائية أنشئت على عروض وألحان منظومات غنائية شعبية ذات صيرورة، بحيث يتم المحافظة على الوزن والإيقاع الموسيقي، مع استبدال الشاعر للنص الشعبي القديم المكتوب غالباً بالعامية بنص جديد مكتوب غالباً بالفصحى.
أنشودة "عليك صلى الله يا خير خلق الله" نُظم عليها الأغنية الشعبية المشهورة "هالأسمر اللون"، و"يا إمام الرسل يا سندي" نُظم عليها "قدك المياس يا عمري".
ويضيف قلعجي: "كلمة القد تعني المقاس، فالألحان الدينية كانت تخرج من الزوايا الصوفية لتبحث عن كلمات فيها الغزل والقضايا الاجتماعية، فيبقى اللحن الذي كان أساساً أنشودة دينية وتصوغ وفقه كلمات تدخل في الحياة اليومية فهذه على قد تلك ومن هنا نشأ القد".
ولا يعتبر القد قالباً موسيقياً، وإنما يأخذ قالب اللحن الأصلي ويعمل على أساسه، فإذا كان المقطع موشحاً صار القد موشحاً، وإن كان أغنية صار أغنية.
يقول قلعجي: "القدود اشتهرت بأسماء مؤلفيها وليس بأسماء ملحنيها المجهولين غالباً، فالذين ألّفوا القدود هم شعراء لكنهم يمتلكون ذائقة موسيقية جيدة ومنهم من كان موسيقياً أيضاً".
وفي فترة من الفترات انتشر أن تعريف القد مأخوذ عن قد المرأة من حيث الرشاقة والجمال، وهو ما نفاه معظم الباحثين.
اقرأ أيضاً: وفاة الفنان صباح فخري أيقونة الطرب العربي الأصيل
كيف نشأت القدود؟
مع ضعف السلطنة العثمانية تنامت حركات تحررية وتنويرية عديدة وازدادت وتيرة الوعي القومي وبدأت مرحلة نهضوية شاملة عملت على التخلص من الهيمنة الثقافية التركية، وتنادى المفكرون والأدباء والشعراء إلى التأليف والتعريب لتأكيد الهوية العربية المفقودة، وأغلب الظن أن القدود عرفت بشكل جلي خلال تلك الفترة، منتصف القرن الثامن عشر، بحسب الموسيقي السوري عيسى فياض.
ونشأ القد من عدة مصادر وهي: الموشحات والأناشيد الدينية، والأغاني والموشحات الأعجمية كالتركية والفارسية، والأغاني الشعبية والتراثية، إذ لاحظ الشعراء والموسيقيون أن بعضها يتمتع بألحان جميلة يجب الحفاظ عليها وتداولها لكي يتمكنوا من غنائها في مجالسهم.
روّاد القدود
ويصعب إيجاد حصر دقيق للقدود ومؤلفيها نظراً لعدم وجود توثيق وتحقيق لها، لكن منهم ذكروا في بعض الكتب مثل الشيخ أبو بكر الهلالي ( 1183 هـ) ومحمد أبو الوفا الرفاعي
( 1761-1845 م ) ومن قدوده الشهيرة "وجه محبوبي تجلى بالبها والحسن يجلى".
كذلك اشتهر بغناء القدود الشيخ محمد الوراق (1828-1910 م) ومن قدوده "أن تواصل أو تزرني أيها الظبي النفور"، وعبد الهادي الوفائي ( 1843 - 1904 م ) ومحمد خالد الشبلي ( 1867-1926م ) وأبو الخير الجندي (1867- 1939) .
أما الشيخ أمين الجندي (1766-1841م) الشخصية الشعرية الأهم في جميع أنحاء بلاد الشام خلال القرن الثامن عشر، بحسب الكاتب جرجي زيدان، ألّف 182 ألف قداً نشرت في الباب الثالث من ديوانه المطبوع عام 1900 م، واشتهر عدد كبير منها ولا يزال يغنى إلى الآن مثل ""يا غزالي كيف عني أبعدوك شتتوا شملي وهجري عودوك"، و"يا صاح الصبر وهي مني وشقيق الروح نأى عني" و"هيمتني تيمتني عن سواها أشغلتني و "طاب وقتي وانمحى غيني وجلا الأكواب أحور العين".
ويُروى عن الشيخ أمين الجندي أنه كان يسير بأحد شوارع حمص أوحلب وسمع أطفالاً يرددون "جوجحتني مرجحتني دوختني دللتني" فأعجبه لحنها، فارتجل مباشرة القد الشهير: "هيمتني تيمتني عن سواها أشغلتني"، وبدأ ينظم القصائد والمنظومات الشعرية على قدر أي وزن الألحان الشعبية المتداولة.
سبب ارتباط القدود بحلب!
وترتبط القدود بحلب لسببين، أحدهما احتضان حلب للعديد من الفنون الموسيقية الوافدة إليها بسبب موقعها التجاري المهم.
أما السبب الأبرز فهو وجود إذاعة حلب التي نشأت عام 1949، ما ساعد على توثيق وتسجيل العديد من القدود ضمن وصلات الغناء التراثية بأصوات عدد من المطربين الحلبيين الكبار الذين اشتهروا بغناء هذا اللون مثل صباح فخري ومحمد خيري ومصطفى ماهر، ومها الجابري، لتصبح القدود جزءاً ضمن الوصلة الغنائية الحلبية.
يشار إلى أنّ العديد من الموشحات والأدوار والطقاطيق لعدد من الفنانين العرب تدرج تحت مسمى القدود مثل: "موشح حبي دعاني للوصال – طقطوقة سيبوني يا ناس – طقطوقة حرج علي بابا) لسيد درويش (طقطوقة يا مسعد الصبحية، أغنية يا مال الشام ، أغنية يا طيرة طيري يا حمامة).