"مليت من تيابي" ملجأ سيدات لاقتناء الألبسة بعيداً عن الغلاء

تقارير | 11 11 2023

إيمان حمراوي

تراقب سما (25 عاماً)  محال الألبسة في دمشق بنظرات متحسّرة، كما لو أنّ عينيها عيني طفل، تتمنى لو تستطيع امتلاك بنطال أو جاكيت جديد مما تعرضه واجهات المحال التجارية البرّاقة، "شراء الألبسة بات حلماً لدي، أنا شابة وبحاجة ملحة لأن أرضي نفسي وألبس ما تشتهي، لكن الوضع لا يسمح".


منذ أن ارتفعت الأسعار، وبات الصرف اليومي ضمن خطّة محكمة لا يمكن الانزياح عنها، استسلمت سما للأمر الواقع، وحاولت نسيان شراء الملابس الجديدة.

تقيم سما مع والدتها في منزل بدمشق، وتعمل كسكرتيرة براتب بسيط لا يكاد يكفيها شيئاً، إضافة لعمل شقيقها لجني لقمة العيش.

"الحاجة أم الاختراع"

"ثيابي أصبحت قديمة، وكان عليّ تجديدها، ولم يكن لدي خيارات، وبخاصة أني شابة عندي أصدقاء وعمل، وأحتاج لتجديد نفسيتي" تقول سما.

وتشير إلى أنه "منذ أربع سنوات نشأت مجموعة على فيسبوك بعنوان (مليت من تيابي) بفعل الحاجة، انضممت إليها في البداية بدافع الفضول لرؤية ما ينشر، لكن في وقت لاحق وعندما أصبحت الرواتب لا تكفي فكرت بالمشاركة فيها".

في ظل غلاء أسعار الألبسة الجديدة، ابتكر سوريون وبشكل خاص الشابات والسيدات مجموعات على فيسبوك، لبيع الألبسة بأسعار زهيدة أوتبديلها، كسوق افتراضي بديل عن أسواق المدينة ذات الأسعار غير المتناسبة مع الدخل المعيشي، منها مجموعات "مليت من تيابي" التي اتخذت من كل محافظة اسماً مثل "مليت من تيابي باللاذقية".

هنا في هذا السوق الافتراضي تجد ملابس متنوعة، بعضها بـ15  أو 20 ألف ليرة سورية، حقائب وأحذية، ثم أدوات منزلية بسيطة، عالم آخر مختلف، قد تبدو معه بعض المعروضات، أحلاماً ممكنة.
 

قبل 4 سنوات كانت الجاكيت الشتوي يعادل نصف راتب سما، بقيمة 26 ألف ليرة سورية، ولم يكن باستطاعتها شراؤه، في وقت تحتاج فيها لشراء الطعام والشراب وإعالة المنزل مع شقيقها.

تقول: "وجدت النساء تبيع ثيابها أو تبادلها مع أشخاص آخرين، عبر نشر الصور في المجموعة.. أيضاً إحدى قريباتي كانت تبيع ثيابها وهو ما شجعني على المشاركة في ظل الحاجة لتجديد الملابس".

طبقات مختلفة والأسعار رمزية

تحمّست سما للفكرة وبدأت بنبش ثيابها القديمة التي صغرت عليها والتي لم تعد تستعملها، صورتها وعرضت بيعها على المجموعة، "بأسعار رخيصة" كما تقول.

"مليت من تيابي" هي عالم كبير يحتوي على كل الطبقات الاجتماعية، لكنها ملجأ مناسب للطبقة الفقيرة والمتوسطة بشكل أكبر، تقول سما: "مثلا أبيع ثلاثة بنطلونات بسعر رمزي مقابل خمسة آلاف ليرة، الناس المحتاجة تدعو لي، وأنا بدأت بتجميع المبلغ الذي أحتاجه لشراء الجاكيت".

كانت سما تغسل الثياب وتكويها ومن ثم تبيعها، كذلك نفس الأمر عندما تشتري شيئاً من أحد كانت تغسله مباشرة.

"استطعت شراء جاكيت جديد مقابل بيع ثيابي القديمة… إنها خطة جيدة، ولا زلت إلى اليوم أشارك في المجموعة كلما احتجت لذلك، وأحياناً أشتري من غيري" تضيف.

خفّفت المجموعة عبء مصاريف كبيرة على سما وأختها وكثيرات من السيدات، ولا تشترط تلك المجموعات سوى أن يكون المشارك فيها سيدة أو فتاة، إضافة لشرط عدم نشر شيء سوى فيما يخص الألبسة.

اقرأ أيضاً: أسعار خرافية لألبسة العيد.. و ثياب البالة حل غير مرغوب

حتى البالة أصبحت حلماً

في بالات دمشق سعر الجاكيت أو المعطف ما بين 350 و650 ألف ليرة سورية، أما الحذاء، قد يصل إلى 400 ألف، والكنزة الشتوية 150 ألف، أما البنطال يصل إلى 120 ألف، وهي أسعار مرتفعة مقارنة براتب موظف حكومي لا يتجاوز 300 ألف ليرة سورية.

في المقابل يصل سعر الجاكيت الجديد في السوق ذو النوعية المتوسطة أكثر من 600 ألف ليرة، والكنزة الشتوية الجديدة أكثر من 250 ألف ليرة.

صفاء، 32 عاماً،  تحاول تجميع مبلغ لشراء ثياب من البالة، لكن في كل مرة تخرج أمامها احتياجات أساسية كالطعام والشراب، تجعل أمر الثياب ليس ثانوياً فقط، بل آخر الاحتياجات.

راتب زوجها لا يتجاوز الـ500 ألف ليرة سورية، وهي بالكاد قادرة على إدارة منزلها الصغير مع طفلين، تقول لروزنة: "أصبحت الملابس مجرّد أحلام لي،  بالمناسبات أشتري لأطفالي، وأبقى أنا من دون ملابس جديدة، أفكّر مستقبلاً في شراء بيجامة شتوية، هو مجرّد حلم لا أكثر".

تضيق الحياة على السوريين كل يوم أكثر، الهم الأكبر هو اللحاق بلقمة العيش، ولا مجال لأي مصاريف متعلقة بشيء ما كالملابس.

وسجلت البالة في طرطوس أرقاماً قياسية في الأسعار وباتت في سباق مع محال الألبسة الجديدة، حيث بلغ سعر الجاكيت الشتوي في  بين150 - 350  ألف ليرة و البلوزة بين 50 - 80 ألفاً، والبنطال بين 70 و80  ألفاً، وفق تقرير لصحيفة "تشرين".

ووفق مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في طرطوس، نديم علوش، فأن محال البالات مخالفة للقانون ولا رقابة على أسعارها، لأنها مجهولة المصدر.

ويعاني أكثر من 90 بالمئة من السوريين من خط الفقر، في ظل انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل الدولار في السوق السوداء إلى نحو 14 ألف ليرة سورية في السوق السوداء.

وبحسب تقرير لـ"البنك الدولي" في تشرين الأول عام 2022، فقد انكمش  إجمالي الناتج المحلي في سوريا بأكثر من النصف بين عامي 2010 و2020، ودفع الانخفاض الكبير في نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي البنك الدولي إلى إعادة تصنيف سوريا كبلد منخفض الدخل منذ عام 2018.

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض