تقارير | 26 10 2023
روزنة - تحديث (2:56 بتوقيت دمشق)
على شرفة منزله في الحسكة، يجلس المهندس المتقاعد بشير حسن (72 عاماً) وحيداً، يشرب قهوة الصباح بيد مرتجفة، والحنين إلى الماضي يشغل تفكيره، عندما كان منزله يعج بأصوات الأبناء والأحفاد.
بقي بشير حسن وحيداً مع آلام جسده المتعب، بعدما هاجر أبناؤه إلى خارج البلاد، يقول لروزنة والحزن باد على تعابير وجهه:"الحرب في سوريا كانت ظالمة على المسنين".ويعيش غالبية المسنين السوريين أوضاعاً مأساوية بسبب تراجع مستوى الخدمات الصحية المقدمة لهم وصعوبة تأمين الأدوية الضرورية لعلاجهم، وسط موجة غلاء الأسعار و تدني القيمة الشرائية لليرة السورية.
كغيره من المسنين والمسنّات، يقارن "حسن" قائلاً: "رواتب المهندسين قبل 2011 كانت تعادل 820 دولاراً، أما اليوم لا تتجاوز الـ 15 دولاراً! لا تكفي لإطعامنا إلا أياماً معدودة، فكيف لنا بالدواء؟".
صعوبة الحصول على الدواء
خلال سنوات الحرب في سوريا، عانى المسنون، بشكل خاص، من صعوبة تأمين الأدوية العلاجية للأمراض المزمنة التي يعانون منها، إلى جانب ارتفاع تكلفتها وانقطاعها المتكرر.
يعاني حسن، من مرض السكري منذ أربعين عاماً، وهو بحاجة دائمة إلى حقن الأنسولين شهرياً.
قبل 2011، كانت الحقن تأتي من العاصمة دمشق إلى المراكز الصحية بالحسكة بشكل منتظم، لاحقاً ومع تبدل القوى المسيطرة، أصبحت تصل بشكل متقطّع وغير مضمون من حيث النوعية وكيفية تخزينها، فيضطر حسن لشراء أدويته من مستودعات الأدوية الخاصة في القامشلي.
خديجة أحمد ( 79 عاماً ) نازحة في مخيم بمدينة رأس العين (سري كانيه) في الحسكة، تعاني من مرض تلف الأعصاب وضعف الدورة الدموية بسببِ ارتفاع مستوى السكر في دمها، كما تعاني من التهاب جراحها رغم مرور أكثر من عام على بتر أجزاء من قدمها اليمنى.
تقول لروزنة إنها استنفدت كل ما لديها من المال من أجل العلاج خارج المخيم، وتدفع شهرياً أكثر من 200 ألف ليرة سورية، إذ تفتقر المراكز الصحية في المخيم إلى الأجهزة والاختصاصات الطبية والأدوية.
لا تستطيع خديجة السير على قدميها بسبب بتر إصبعين من إحدى القدمين، كما أثّر مرض السكري على رؤيتها.
وبلغ عدد الأشخاص المصابين بمرض الداء السكري من النمطين الأول والثاني المسجلين في "وزارة الصحة السورية" أكثر من 169 ألف مريض خلال عام 2021.
اقرأ أيضاً: الأطباء السوريون خسرتهم بلادهم ولم تكسبهم بلدان اللجوء
عناء الطريق من أجل العلاج
تتحمّل سميرة أحمد (66عاماً) والتي تعاني من مرض السرطان، مشقة الطريق والسفر من القامشلي إلى دمشق كل فترة، من أجل العلاج وأخذ جرعات كيماوية تزيد تكلفتها عن 200 دولار، لعدم وجود مركز للسرطان في القامشلي.
تشرح لنا: "جميع أولادي هاجروا إلى خارج البلاد وعند السفر إلى دمشق أكون مضطرة للبحث عن أحد من أقربائي لمرافقتي".

وكان الهلال الأحمر التابع لـ"الإدارة الذاتية" في مدينة القامشلي كشف شهر نيسان الفائت، عن قرب افتتاح مركز لعلاج مرضى السرطان، دون توفر أي إحصائية رسمية عن عدد المصابين بالمحافظة.
وعام 2020 افتتحت "الجمعية السورية لعلاج سرطان الأطفال، في مدينة الحسكة، وقالت رئيسة مجلس إدارة الجمعية، مزنة علبي، إن الجمعية ستفتتح فرعاً آخر لعلاج السرطان في المنطقة الصحية بمدينة القامشلي، وفق وكالة "سانا".
يشير الطبيب دانيش إبراهيم، اختصاصي الأورام لروزنة، أن سرطانات الرئة والثدي والقولون، هي الأكثر انتشاراً في مناطق شمالي شرقي البلاد.
وعن أسباب ذلك، يوضح: "نتيجة تلوث الهواء جراء تكرير النفط بطرق بدائية، وانتشار المولدات التي تعمل على المحروقات في المنطقة، وسوء التغذية جراء الوضع المعيشي وتوافر عوامل القلق والتوتر".
رعاية المسنين مقابل المال
مع الهجرة المستمرة خلال السنوات الماضية، بقي كثير من المسنين بدون أي معيل، يعيشون بمفردهم ، فظهرت مهنة "رعاية المسنين في منازلهم مقابل مردود مالي".
أمل سليمان، سيدة تعيش خارج سوريا، بينما والدتها (94 عاماً) تعيش بمفردها وتعاني من عدة أمراض كارتفاع الضغط ومرض القلب وفي الفترة الأخيرة أجرت عملية استئصال الثدي، إضافة لعدم قدرتها على السير.
تقول لنا إنها ترسل مع إخوتها شهرياً مبلغ مئة دولار لإحدى السيدات للاعتناء بوالدتهم وتأمين احتياجاتها اليومية والأدوية، إضافة إلى مرافقتها للمراكز والعيادات الطبية إن لزم الأمر.
قد يهمك: هرباً من الفقر.. سوريات يعملن كربّات منازل وبرعاية المسنين في العراق
الافتقار لمكان ترفيه المسنين
"يعاني المسن من الروتين مع وحدته ومن الاكتئاب"، يشرح المهندس المتقاعد بشير أنه "لا يوجد هناك مجال للتسلية ولا اجتماعات للمسنين مع بعضهم البعض، ولا أي مكان خاص للمسنين للترفيه عن أنفسهم".
ويضيف:"لولا مساعدة أبنائي في المهجر لما كنت قادراً على العيش في ظل الظروف الراهنة".
ويعاني أكثر من 90 بالمئة من السوريين من الفقر في ظل انخفاض قيمة الليرة السورية وارتفاع الأسعار بشكل مضاعف بين الحين والآخر، وفق تقارير أممية.
أسباب عدم وجود مشاريع خاصة بالمسنين
ويشير ناشطون في المجتمع المدني إلى أنّ المنظمات الدولية والإدارة في شمال شرقي سوريا، لا تبدي أي اهتمام للمشكلات التي تخص المسنين صحياً واقتصادياً واجتماعياً، إضافةإلى خلو المنطقة من مراكز خاصة لرعاية المحتاجين منهم.
يعتقد فواز أوسي، مدير البرامج في مركز "آشتي لبناء السلام" أن السبب ليس تقصيراً من منظمات المجتمع المدني اتجاه المسنين والمسنات، وإنما هو "نتيجة لسياسات المانحين في المنطقة، فالكثير من المشاريع تكتب حسب احتياجات المنطقة، ولكن لا تأخذ بعين الاعتبار وتهمش، ويأتي بدلاً منها مشاريع من اقتراح المانحين".
يقول أوسي لروزنة: "هناك ضعف في عمل منظمات المجتمع المدني، فهي لا تشكل ضغطاً ولا تؤثر بشكل كبير على قرارات المانحين، أما بالنسبة لمشاريع رعاية المسنين لم أسمع بها… يمكن أن تكون هناك مبادرات فردية فقط في الحسكة".

ويبلغ عدد مراكزِ إيواء المسنين والمسنات في سوريا 20 داراً مرخصاً واثنتين حكوميتين هما "دار الكرامة" بدمشق و"دار مبرة الأوقاف" في حلب، وفق "وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية".
وكان مدير دار الكرامة لرعاية المسنين، جورج سعدة، قال لإذاعة "ميلودي" إف إم المحلية، منتصف العام الفائت، إنّ نسبة عدد المقيمين في الدار ارتفعت بنسبة عشرة أضعاف عما قبل الحرب، مطالباً بضرورة إحداث دور حكومية بكافة المحافظات لتخفيف الضغط على دار الكرامة.
ومع استمرار الهجرة بقي المسنون والمسنات في سوريا أمام أزمات نفسية و تحديات حقيقية، وحدهم دون دعم، يتخبطون منتظرين المساعدة لعلاج ما، أو لملء فراغ قاتل تركه الأبناء والأقارب.