بعيداً عن مسقط رأسهم.. أين يدفن النازحون والمهجرون أمواتهم في إدلب؟

بعيداً عن مسقط رأسهم.. أين يدفن النازحون والمهجرون أمواتهم في إدلب؟

تقارير | 25 09 2023

نور الدين الإسماعيل

ازداد في أرياف إدلب وحلب، الضغط على مقابر بعض المناطق بعد موجات النزوح والتهجير المتكررة، والتي كان أكبرها خلال عامي 2019 و 2020، إذ زادت نسبة الكثافة السكانية، وسط اكتظاظ سكاني كبير فيها.


بعض مقابر القرى والبلدات استوعبت المتوفين النازحين، بينما ضاقت مقابر بلدات أخرى بأمواتها ولم تعد تستطيع استيعاب أعداد أكبر، فظهرت حالات اعتراض على نطاق ضيق في عدد من تلك القرى والبلدات، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي خلال العامين الماضيين.


شراء مقبرة خاصة 


خلال سنوات النزوح تشكلت تجمعات (غالباً على شكل مخيمات) لأهالي بعض المناطق المهجرة، في ريف إدلب الشمالي، حيث تضم تلك التجمعات أعداداً كبيرة من مهجري بلدة أو مدينة واحدة، كما هو الحال في مخيم باريشا الذي يضم المهجرين من مدينة كفرنبل.



صعوبة إيجاد مكان مخصص لدفن المتوفين من كفرنبل دفع بعض وجهائها للبحث عن حلول، فكان الحل الأنسب شراء أرض مخصصة للدفن بالقرب من التجمع الأكبر لمهجري المدينة في مخيم باريشا، وفق ما ذكر محمد العكل، المدير التنفيذي لجمعية "التعاون الخيرية".

يقول العكل في حديث لـ"روزنة" إن أهالي المدينة واجهوا صعوبات كثيرة في الفترة الأولى للتهجير، فالبعض كان يرحب بأمواتهم في مقابر المناطق التي تستقبلهم، والبعض الآخر كان يرفض.

ويوضح: "قررنا شراء أرض مخصصة لدفن الموتى من أهالي المدينة، كما نستقبل أي حالة وفاة من مناطق هُجر أهلها ولم يجدوا مكاناً للدفن، لأننا نعيش نفس المعاناة".


                                                                   مقبرة كفرنبل في باريشا حيث يبدو المخيم القريب من المقبرة - روزنة

واعتبر "العكل" أن هذه الخطوة حلّت مشكلة "كبيرة كان يواجهها الأهالي المهجرون، حيث لقيت ترحيباً منهم، فأصبحت المقبرة في باريشا هي المكان الذي يجمع أموات المدينة بعد التهجير، بغض النظر عن مكان إقامة أهل المتوفى".

وأشار إلى أن عملية الدفن مجانية بشكل كامل، تتكفل الجمعية بتكاليف الحفر والدفن، وفي بعض الأحيان النقل من مكان إقامة المتوفى إلى المقبرة في بلدة باريشا.

وأيّد أيمن الخطيب أحد قاطني المخيم ما قاله العكل، مؤكداً أنها وفّرت على أهل المتوفى الكثير من العناء والجهد والمال، فباتت تلك المقبرة "تجمع المتوفين المهجرين من المدينة، بعد أن فرقتهم حياة النزوح".


"محاولة لم تكتمل"


التوافق على شراء أرض واحدة مخصصة لأهل مدينة واحدة ليس بالأمر السهل في ظل توزع المهجرين على مختلف مناطق إدلب وحلب في شمالي غربي سوريا، وندرة وجود تجمعات كبيرة خاصة بأهل منطقة محددة، كما كان الحال في مخيم باريشا الخاص بأهالي كفرنبل.

اقرأ أيضاً: التين السوري في جبل الزاوية.. سمعة مهددة وخسائر غير متوقعة

وعن هذا، قال الصحفي عمر البم، من أبناء معرة النعمان: "حاول أهالي المعرة المهجرون شراء مقبرة واحدة مخصصة لأهالي المدينة، إلا أن عدد سكانها الكبير، وانتشارهم في مناطق واسعة وبعيدة عن بعضها، تسبب بعدم نجاح المحاولة، لأن البعض يقيمون في الباب وأعزاز وإدلب وعفرين".

وتابع: "أصبحت كل عائلة تدفن موتاها في المدينة أو المنطقة المتواجدين فيها".

وأضاف "البم" لروزنة، أن هناك مقبرة مخصصة لأهالي معرة النعمان القاطنين في مخيم "مشهد روحين" شمالي إدلب، وتعتبر مقبرة للمقيمين في المخيم ومدن الدانا وسرمدا والمناطق القريبة من المخيم فقط.

ونوه إلى أن عدداً من أهالي المدينة يفضلون الدفن في مدينة أريحا، "لأنها قريبة من معرة النعمان، ما يمكنهم من زيارة قبور موتاهم في حال عادوا إلى مدينتهم يوماً ما".


متبرعون بمقابر


في مدينة الدانا الواقعة بالقرب من الحدود مع تركيا، قدم أحد الأهالي الميسورين من أهل المدينة أرضاً مخصصة لدفن المتوفين من المهجرين، وفي تلك المقبرة دُفن الناشط السوري عبد الباسط الساروت.

لم تضطر سمر للبحث عن قبر لزوجها حين توفي نتيجة أزمة قلبية قبل سنتين، وهم مهجرون من مدينة حلب، حيث دفنته العائلة في المقبرة المخصصة للمهجرين في مدينة الدانا.

تقول سمر لروزنة:"في أوقات الوفاة والحزن يكون همّ البحث عن مكان للدفن عاملاً إضافياً للمعاناة والألم، والإحساس بالغربة أيضاً، إلا أن وجود مقبرة مخصصة لمثل هذه الحالات يخفف قليلاً من الألم، ويشكل عزاءً – نوعاً ما - لأهل المتوفى".

"يمكنني صباح كل عيد زيارة قبره مع الأطفال، ولا يمكن لي ذلك لو كان في منطقة بعيدة، بالأساس نحن مقيمون هنا، واشترينا المنزل في المدينة، وأصبحنا جزءاً منها"، أضافت سمر.


مدافن قريبة من خطوط التماس


يسعى بعض أهالي المدن والبلدات التي تسيطر عليها قوات النظام السوري إلى دفن أمواتهم في المناطق المحاذية لبلداتهم والخارجة عن سيطرته، ليتمكنوا من زيارة تلك القبور لاحقاً، في حال عادوا إلى مناطقهم.

يؤكد عبدو الحلاق من مدينة سراقب، أن متبرعين من أهالي المدينة اشتروا مقبرتين لأهلها، في كل من بلدة آفس وسرمين المحاذيتين لها، والقريبتين جداً منها، حيث يدفن الأموات فيهما.

وأوضح أن عائلة المتوفى تتحمل تكاليف الدفن، بينما يوجد المكان المخصص له، بشكل مجاني، ضمن الأرض التي اشتراها المتبرعون الميسورون من أهل المدينة.


لماذا لا يدفن في مسقط رأسه؟


يعيش في مناطق شمالي غربي سوريا الخارجة عن سيطرة النظام مهجرون من مختلف المحافظات والمدن، فيطرح سؤال حول عدم دفن المتوفين في مسقط رأسهم.

حاولت "روزنة" الوصول لإجابة على، إلا أنها لم تعثر على مهجر حاول دفن أقاربه في مسقط رأسه، فتوجهت بالسؤال إلى مهجرين توفي أقارب لهم في أماكن التهجير ودفنوهم في أماكن إقامتهم.

أجاب محمد (اسم مستعار)، وهو من بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي والتي تسيطر عليها قوات النظام، بأن البلدة غير مأهولة بعد السيطرة عليها.

وأشار: "جميع أهلها مهجرون، وعلى الرغم من أن عدداً قليلاً جداً من عائلاتها تعيش في مناطق سيطرة النظام إلا أن الغالبية العظمى يعيشون في مناطق إدلب وحلب الخارجة عن سيطرته".

وتابع محمد: "لا توجد طريقة يمكن بها دفن الميت في البلدة، حتى لو فكر الأهالي في ذلك، فالأمر مستحيل، ولا أحد يفكر فيه أساساً".

قد يهمّك: التين السوري في جبل الزاوية.. سمعة مهددة وخسائر غير متوقعة

بدوره، أوضح خيري وهو من مهجري مدينة حلب أن أحداً لم يفكر في الأمر، بسبب الصعوبات الكبيرة التي قد تتحول في بعض الأحيان إلى مستحيل، ما يدفعهم للدفن في مناطق إقامتهم.

وكشف خيري عن بعض تلك الصعوبات، بقوله: "الأحياء بحاجة إلى مدة زمنية من التنسيق والاتصالات للتمكن من العبور إلى مناطق سيطرة النظام، قد تستمر شهراً، فكيف يمكن لمتوفى خوض تلك الرحلة؟ ومن سيرافقه أساساً؟ قليلون الذين يجرؤون على ذلك خوفاً من الملاحقات الأمنية للذين يعيشون خارج تلك المنطقة".

وختم: "إكرام الميت دفنه، لا يمكن لأهل المتوفى الانتظار مدة طويلة، هذا غير التكاليف الباهظة، إذا لم نتحدث عن الخطورة الأمنية.. الأمر أشبه بمستحيل".


في مدينة إدلب الوضع مختلف


يدفن المتوفى في إدلب دون تعقيدات، فمكتب دفن الموتى هو من يتولى هذه المهمة، بعد الحصول على أجور الدفن.

تحدث لـ"روزنة" علاء من مدينة خان شيخون، قائلاً: "لا توجد مقبرة مخصصة لأهالي المدينة خارجها، وكل متوفى منها يدفن في المنطقة التي يقيم فيها، مثلاً في مدينة إدلب يتم الأمر عبر مكتب دفن الموتى الذي يتقاضى أجراً بقيمة 50 دولاراً، ويتكفل بمراسم الدفن، من آليات وثمن قبر".

ربما لا يعني الميت، بعد موته، المكان الذي يوارى فيه الثرى، إلا أن ذلك يعني، وبشكل كبير الأحياء، الذين يتركون وصيات بدفنهم في أماكن محددة، أو أقاربهم الذين يسعون إلى تأمين أماكن يمكن لهم زيارتها لاحقاً، وهو طقس متعارف عليه في الأعياد.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض