تقارير | 17 06 2023
لجين حاج يوسف - محسن إبراهيم - إيمان حمراوي
وتسببت أسعار مبيع القمح، التي كانت دون المتوقع، بخسارة قاسية على المزارعين، الذين طالبوا بتنفيذ واقعي لوعود "الدعم" التي قدمتها لهم "حكومة الإنقاذ" طيلة العامين السابقين، في ظل تهديدات بالتوقّف عن زراعة "المحصول الاستراتيجي".
تسعيرة "صادمة"
سعّرت المؤسسات التابعة لـ"حكومة الإنقاذ" محاصيل القمح مقابل شرائها من المزارعين بأسعار وصفت بـ"الصادمة".
يقول الفلاح ماجد عبد القادر، بعد أن علم أنّ الطن الواحد من القمح تشتريه مؤسسات الحكومة بسعر 320 دولاراً: "إنها أسعار صادمة للجميع".
"تكاليف العناية بالأرض من أجل جني المحصول تفوق تسعيرة الشراء الحكومية" يضيف عبد القادر وهو يراجع بعد صدمته من الأسعار، ما كلفته العناية بالأرض من بذار وفلاحة وسماد ومبيدات وحصاد ونقل وما أنتجته من كميات "متواضعة" هذا العام، نتيجة قلة الأمطار.
يبحث عبد القادر عن خيارات أفضل من بيعه محصول القمح للحكومة وفق هذا السعر "المتدني".
يتابع عبد القادر: "الخيارات ضئيلة، أفكر بتجربة بيع محصول القمح كطحين لتعويض الخسارة في حال استطعت، وإن لم أفعل سأضطر لبيعه للحكومة".

وحددت حكومة الإنقاذ تلك التسعيرة بعد "جلسات مع عدد من التجار والمزارعين"، و"النظر للسوق العالمية"، حسب تصريح معاون وزير الاقتصاد والموارد لدى حكومة "الإنقاذ"، أحمد عبد الملك، لروزنة.
ووفقاً لأسعار البورصة العالمية فإن أسعار القمح شهدت انخفاضاً حاداً نهاية شهر أيار الماضي، حينما عقدت "الحكومة" جلساتها، إذ وصل سعر الطن إلى 233,5 دولاراً، بعدما كان بسعر يزيد عن 421 دولاراً في التاريخ ذاته من العام الماضي.
وأرجعت منظمة "الأمم المتحدة للغذاء والزراعة" (فاو) أسباب التراجع لوفرة الإمدادات والمنافسة بين المصدرين وتمديد مبادرة حبوب البحر الأسود، وذكرت بتقريرها أن الأسعار وصلت نهاية شهر أيار الماضي إلى 256.96 في بورصة الاتحاد الأوروبي، و273.91 في البورصة الأسترالية، و265 في البورصة الروسية.
السعر المتقلب عاود الارتفاع التدريجي في شهر حزيران ليصل إلى 257.65 دولاراً.
ودافع معاون وزير الاقتصاد عن التسعيرة بأنها تحددت "بعد دراسة كامل التكاليف التي يمكن أن يدفعها المزارع"، والتي قدرها بـ270 دولاراً، "مع إضافة هامش ربح لتشجيع المزارعين على الزراعة"، ذلك "التشجيع" كان السبب الرئيسي لـ"صدمة" المزارعين، الذين أجمعوا على أن التكاليف فاقت سعر المبيع بعد "الدعم الحكومي".
"قرض حسن" والواقع يشوبه السوء
حينما اتجه الفلاح، أبو حسين، لبيع القمح لـ"الحكومة" تفاجأ بتصنيف محصوله على أنه طري، وتحديد سعره بـ 295 دولاراً فقط، على الرغم من شرائه بذار القمح القاسي بسعر 510 دولارات للطن قبل أشهر قليلة.
يقول: "سابقاً كان تسليم البذار بسعر أقل وشراء القمح بسعر أعلى وهذه السنة العكس" موضحاً أنه في حيرة الآن "من أين سأستطيع تأدية القرض الحسن".
مشروع "القرض الحسن" أطلقته "حكومة الإنقاذ" في تشرين الأول عام 2021، ويشمل تسليم البذار والسماد والمبيدات والمحروقات للمزارعين خلال موسم الزراعة، على أن يتم التسديد بعد الحصاد بهدف "زيادة الإنتاجية"، حسبما أعلنت، وهذا العام وبعد أن سلمت البذار وفقاً للأسعار العالمية التي كانت مرتفعة، طالبت بالسداد حتى 15 تموز المقبل "تحت طائلة الملاحقة القانونية".
رئيس الجمعية الفلاحية في بلدة محمبل جنوبي إدلب، معتصم عبد العال، دعا للتمهل بالسداد إلى أن تصدر تسعيرة جديدة تراعي الواقع "الصعب" للمزارعين.
وأشار عبد العال إلى أن النسبة الأكبر من خسائر هذا العام سببها القرض ذاته، فإضافة إلى غلاء سعر البذار، التي لا يمكن تحديد نوعها إن كانت قاسية أو طرية، فقد بيع السماد بسعر 31 دولاراً للكيس، بينما كان سعره في السوق يبلغ 21 دولاراً فقط، "خسارتي بفروق أسعار البذار والسماد بلغت 1500 دولاراً... والآن تفاجأنا بتسعيرة الشراء" يقول لروزنة.
كيف ردّت الحكومة؟
مدير المديرية العامة للزراعة، المهندس تمام الحمود، لدى حكومة "الإنقاذ"، اعتبر أنه لا يمكن المقارنة بين القمح المعالج المخصّص للبذار والقمح الذي ينتجه المزارع "فمن الطبيعي أن يكون هناك تفاوت في الأسعار"، مشيراً إلى أن أصناف القمح المعدة للبذار تنتخب من نوعيات "تمتاز بإنتاجية جيدة ومقاومة للأمراض وملائمة للمناخ".
بتقدير خبير زراعي، رفض ذكر اسمه حفاظاً على وظيفته، فإن الأصناف المزروعة في حقول إدلب هي "خلائط ما بين الطري والقاسي، وليست أصنافاً مميزة"، مشيراً لعدم توزيع بذار من صنف محدّد من قبل مؤسسات "الحكومة".
وأضاف الخبير الزراعي: "على الرغم من أن سعر القمح يحدد عالمياً إلا أن الدول التي تستهدف دعم مزارعيها تقدم لهم أسعاراً خاصة للحفاظ على استمرار زراعة محاصيلها الهامة".

مراهنة على الاستمرار
تجاهلت "الإنقاذ" انتقادات المزارعين ومطالباتهم واستمر مسؤولوها بالإشارة إلى توسع رقعة زراعة القمح ما بين عام وآخر.
وقال معاون وزير الاقتصاد والموارد، أحمد عبد الملك، إن جميع أسعار المواد الأولية بما فيها الأسمدة والمبيدات الزراعية "انخفضت" و"ازداد" استثمار الأراضي الزراعية "وهذا يدل على سياسة حكومة الإنقاذ التي تسعى لتسريع وتطوير العجلة الزراعية لتأمين إنتاج محلي للمحرر".
ووفق الإحصائيات المنشورة على موقع حكومة "الإنقاذ" فإن المساحة المزروعة من القمح هذا العام زادت عن 32 ألفاً و850 هكتاراً مقارنة بـ29 ألفاً و800 العام الماضي، وبلغ الإنتاج هذا العام 100 ألف طن، مع توقع استلام 50 ألفاً منها مقارنة بـ23 ألفاً للعام الماضي وثمانية أطنان فقط للعام الذي سبقه.
المهندس الزراعي، موسى البكر، استبعد استبدال هذه المساحات الواسعة بزراعات أخرى، واعتبر أن الفلاحين رابحون إن حصلوا على رأس مالهم بلا ربح في حال كانوا مستأجرين لأراضيهم الزراعية.
الأمم المتحدة تقدّر الأضرار الزراعية
الوكالة الأممية "فاو" قدّمت صورة مختلفة في تقييمها للأضرار الزراعية التي لحقت المنطقة بعد زلزال شباط الماضي.
وفي تقريرها الصادر في 17 من أيار الماضي، قالت إنّ الدمار لحق بالحقول والمنشآت التحتية الخاصة بالري والبيوت البلاستيكية، كما أثرت موجات النزوح الجديدة والخسائر البشرية على القطاع الزراعي، إضافة إلى الجفاف وفيضان نهر العاصي، وارتفعت أسعار الغذاء عامة بسبب الكارثة.
وأجمع مزارعون استطلعت "روزنة" آراءهم على "قرار التخلي عن زراعة القمح واستنكار مزاعم الدعم".
أحد المزارعين، رفض ذكر اسمه لمخاوف أمنية، قال لروزنة، إن ابتعاد المنظمات الإنسانية عن تقديم المشاريع في منطقة سهل الروج، بحجة اقترابها من خطوط التماس، كان من أسباب الضغط على المزارعين الذين يبذلون جهدهم للاستمرار بعملهم في محاولة تأمين المعيشة.
وتحدث المزارعون عن زراعات "انقرضت" مسبقاً في المنطقة بسبب الخسارة الاقتصادية، مثل القطن والشوندر السكري والحمص ودوار الشمس والبندورة، ولهذا كله انعكاس على السوق المحلي.

أعلى الاحتياجات وأدنى نسب الاستجابة
خلال مؤتمر بروكسل السابع للمانحين، الذي انعقد في 14 و15 من حزيران الحالي، وصفت وكالات الأمم المتحدة الكلفة الإنسانية للأزمة السورية بـ"المهولة" مشيرين إلى أن الحرب دامت ضعف مدة الحرب العالمية الثانية، واليوم 70 بالمئة من السوريين، أي 15 مليون شخص، بحاجة للمساعدات الإنسانية، في حين يعاني 12 مليوناً من نقص الأمن الغذائي و2,8 مليون بخطر التعرض لذلك النقص.
ومع تقدم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بطلب 11,1 مليار دولار لتلبية الاحتياجات الإنسانية هذا العام، إلا أن نسبة تلبية التعهدات للعام الماضي لم تتجاوز 11 بالمئة.
وبدوره خفض برنامج الغذاء العالمي مساعداته لأكثر من النصف، مكتفياً بدعم 2.5 مليون شخص من أصل 5.5 مليوناً كانوا يحصلون على السلة الغذائية أسبوعياً، واضعاً في أولوياته من هم "غير قادرين على البقاء من أسبوع إلى آخر دون مساعدة غذائية".
وأتى ذلك بعد تخفيض تدريجي خلال الأعوام الماضية لحجم الحصص الغذائية حتى بلغت نصف الحجم الموصى به، وأشار برنامج الغذاء، بتقرير إلى أن معدلات سوء التغذية في أعلى مستوياتها على الإطلاق إذ تعاني واحدة من أربع أمهات حوامل ومرضعات من سوء التغذية الحاد ويعاني في بعض أجزاء البلاد طفل من كل أربعة من التقزم.
يعي مزارعو إدلب مخاطر التوقف عن الزراعة، لكنهم لا يستطيعون تحمل خسارات متتالية، "آثار تسعيرة القمح ستظهر العام المقبل وستكون كارثية على الناس"، حسبما توقع المزارع ماجد.
" منسوب القمح الوافر سيقل وسيتم الاستيراد الخارجي" برأي ماجد.
ويبذل المزارعون أقصى جهدهم للمقاومة والاستمرار بعملهم رغم مخاطر القصف ونقص الدعم والضغط الاقتصادي "في أرض لا تملك من مقومات الصمود شيئاً" بحسب رأي أحد المزارعين.