تقارير | 1 04 2023
إيمان حمراوي
مبانٍ عن بكرة أبيها دُمّرت وانهارت على رؤوس قاطنيها من دون أدنى أمل في إنقاذهم، بعد استهدافهم بكاسحات ألغام من قبل قوات النظام السوري، يروي شهود عيان لـ"المركز السوري للعدالة والمساءلة".
كان الأثر الارتجاجي الناجم عن الضربات شيء لم يعهده الناجون من قبل بحيث أضحت شوارع بأكملها أنقاضاً.
كاسحات مدمّرة
وثّق تحقيق أجراه "المركز السوري للعدالة والمساءلة"، استخدام قوات النظام لكاسحات الألغام المدمرة من طراز "UR-77" و"UR-83P" كأداة لقتل المدنيين وتدمير المباني المدنية والبنى التحتية، ما يشكل انتهاكاً صارخاً لقانون الحرب.
وقال المركز في التحقيق، إنّ قوات النظام استخدمت كاسحات الألغام ضد المدنيين في أكثر من 30 واقعة بين عامي 2014 و2019.
وذكر التحقيق الذي جاء تحت عنوان: "دمارٌ لم يُعهد من قبل": كيف استخدمت الحكومة السورية كاسحات الألغام ضد المدنيين" أن مقاطع الفيديو تظهر بشكل واضح أن كلاً من روسيا وسوريا استخدمتا هذه الأسلحة من أجل قتل المدنيين.
التقرير تحدّث عن أربع وقائع تنطوي على أدلة ملموسة تظهر أن قوات النظام استخدمت أسلحة إزالة الألغام بشكل عشوائي لقتل المدنيين وإجبارهم على النزوح قسراً من ضواحي دمشق.
تلك الأسلحة استخدمت في القابون، وجوبر، وحرستا، ومخيم اليرموك بهدف استعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وبعض المواقع مثل جوبر تعرّض للهجوم أكثر من مرة باستخدام نفس السلاح.
وأكّد تقرير نشرته وكالة أنباء "Ruptly" التابع للحكومة الروسية في أيار 2017 أن "الحرس الجمهوري" استخدم المركبة "UR-77" في منطقة القابون، التي سيطر عليها النظام في ذات التاريخ بعد تسوية هجّرت قسم كبير من القاطنين إلى الشمال السوري.
وجرى تعزيز التثبت من تفاصيل كل واقعة باستخدام أدوات تحديد المواقع الجغرافية، وصور الأقمار الصناعية، وإفادات الشهود الموثقة، ومقاطع الفيديو الترويجية من تصوير القوات المسلحة السورية بنفسها.
وتظهر الأدلة أنّ المدنيين كانوا في أغلب الأحيان موجودين في الأماكن التي استهدفتها قوات النظام، وفق التقرير.
دمار شامل وعدد الضحايا غير معروف
وروى الشهود كيف دُمرت مبان عن بكرة أبيها وانهارت على رؤوس قاطنيها من دون أدنى أمل في إنقاذهم، وكان الأثر الارتجاجي الناجم عن الضربات شيء لم يعهده الناجون من قبل بحيث أضحت شوارع بأكملها أنقاضاً.
وأشار التحقيق إلى أنه، كان من شبه المستحيل تحديد عدد الضحايا الذين قُتلوا جراء استخدام هذه الأسلحة بسبب الطبيعة العشوائية لتلك الهجمات، حيث استُخدمت هذه الأسلحة ضمن حملة واسعة النطاق لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، وإجبار الآلاف من السكان على النزوح قسراً.
وبعد مرور سنوات على تدمير أحياء بالكامل جراء استخدام تلك المركبات، لا يزال سكانها غير قادرين على العودة إلى تلك الأحياء التي لم تعد صالحة للسكن.
وأوضح فريق التحقيق أنهم تحققوا من المواقع المستهدفة في 15 واقعة باستخدام صور الأقمار الصناعية، وأدوات تحديد الموقع الجغرافي.
وخلص الفريق إلى أن كل واقعة من تلك الوقائع حصلت في حي سكني يقيم به مدنيون في الأراضي الواقعة تحت سيطرة قوات المعارضة، كما خلص إلى أن قوات النظام هي الجهة التي ارتكبت تلك الهجمات التي خلفت دماراً على نطاق واسع، وأوقعت قتلى في صفوف المدنيين.
اقرأ أيضاً: القانون رقم 10 يثير جدلاً بين مصادرة الأملاك وإعادة الإعمار
القانون الدولي
ولفت التحقيق أنّ "استمرار استخدام المركبات من طرازي UR-77، وUR-83P يشير إلى أي مدى ذهبت القوات السورية في اعتماد أساليب الجيش الروسي المحظورة وفق أحكام القانون الدولي الإنساني".
وينظّم القانون الدولي الإنساني استخدام الأسلحة، وتنص القاعدة 70 من قواعد هذا القانون التي نشرتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أنه "يحظَر استخدام وسائل وأساليب للقتال من شأنها إحداث إصابات أو آلام لا مبرر لها"، وتنص القاعدة 71 على أنه "يُحظَر استخدام الأسلحة عشوائية الطابع".
وتتفق الدول عامة على أنّ المعاناة التي ليس لها غرض عسكري هي انتهاك لهذه القاعدة.
الكثير من الدول تشير إلى أنّ القاعدة تتطلّب احتساب التوازن بين الضرورة العسكرية من جهة، والإصابات أو الآلام المتوقعة أن تنزل بشخص ما من جهة أخرى، وبالتالي فإنّ الإصابات أو الآلام المفرطة، أي تلك التي تزيد على التناسب مع الميزة العسكرية المتوخاة، هي انتهاك للقاعدة.
وعرّفت محكمة العدل الدولية الآلام التي لا مبرّر لها بأنها "ضرر أعظم مما لا يمكن تجنبه لتحقيق أهداف عسكرية شرعية".