استغاثة ابنها منحتها القوة للنجاة من الزلزال.. "ماما لا تتركيني"

استغاثة ابنها منحتها القوة للنجاة من الزلزال..

تقارير | 21 03 2023

إيمان حمراوي

لا شيء سوى الظلام ورائحة الغبار وجدران وأسقف منهارة فوق شذى وابنها عُدي (13 عاماً)، فجر السادس من شباط، وسط ساعات عصيبة قريبة من الموت انعدم فيها الأمل بالنجاة، مرت عليهما.


"بعد ساعة ونصف الساعة من غيابي عن الوعي فتحت عيناي، كل شيء مظلم…هدوء قطعه صوت ابني وهو يناديني: ماما مدي إيدك وطالعيني"، تصف شذى اللحظات الأولى بعد إدراكها لانهيار المنزل عليها مع ابنها في مدينة أنطاكيا التركية جراء الزلزال المدمّر.

كانت النجاة شبه مستحيلة، بالنسبة لشذى (36 عاماً)، فهي ليست قادرة على الحراك، ولم تدرك بعد ماذا جرى.

بينما كانت شذى وابنها نائمين، ضرب زلزال مدمّر في الساعة الرابعة و19 دقيقة فجراً، جنوبي تركيا، بما فيها أنطاكيا، بقوة 7.7 و7.6 درجة، تبعتهما آلاف الهزات الارتدادية العنيفة، راح ضحيتها أكثر من 50 ألف شخص، ودمار مادي ضخم، وفق هيئة الكوارث التركية "آفاد".

ثلاث ثوانٍ

لجأت شذى إلى تركيا عام 2015 بعدما استطاعت النجاة من القصف في سوريا، ليلاحقها الموت مجدداً يوم الزلزال، في مكان إقامتها بالطابق الثاني في منطقة "Akevler" بمدينة أنطاكيا.

لم يمر زلزال تركيا على شذى كبقية الناس، ما هي إلا ثوانٍ معدودة، لتصبح هي وابنها تحت أنقاض المنزل.

"الساعة الرابعة شعرتُ بشيء غير طبيعي، لم يكن عندي الوقت لأدرك ما حصل، كان عندي الزلزال لمدة 3 ثوانٍ، بينما أنا في غرفة وابني عُدي في غرفة أخرى".

وتصف شذى ما حدث لروزنة قائلة: "في الثانية الأولى مال المنزل إلى جهة اليمين ووقعت ساعة الحائط، شعرت حينها بالخطر… ومن ثم مال مرة أخرى إلى جهة اليسار، وضعت حينها الوسادة على رأسي، وفي الثانية الثالثة كنا تحت الأنقاض".

وتعتبر مدينة أنطاكيا التابعة لولاية هاتاي التركية، واحدة من أكثر المناطق تضرراً بالزلزال الذي ضرب كلاً من تركيا وسوريا، وإحدى المدن المنكوبة.

"انهار سقف المنزل على رأسي وغبت عن الوعي لمدة تقارب الساعة والنصف، استيقظت على صوت منبه الجوال في الخامسة والنصف، الدنيا أظلمت في عيني، عرفت حينها أنه زلزال مدمّر ومميت"، تشرح شذى.

وتتابع: "لا شيء سوى صوت عُدي وهو يناديني: يا ماما مدي إيدك وطالعيني"، بينما كانت النجاة شبه مستحيلة، وفق قولها، وهنا كانت عشرات المحاولات للخروج من تحت الردم.

وبلغ عدد الأبنية المهدّمة جراء الزلزال جنوبي تركيا 6444 مبنى، وفق ما ذكرت "هيئة الكوارث التركية" منتصف شباط الماضي.
 
السيدة شذى تروي قصة نجاتها وابنها

"فتحة صغيرة هي معجزة النجاة"

فتحة صغيرة لا يتجاوز قطرها عشرة سنتيمترات كانت قرب شذى، فتحت لها بارقة أمل للنجاة "انقطع الأوكسجين عني (…) في تلك اللحظات نطقتُ الشهادتين وقلتُ بيني وبين نفسي إنه اليوم الموعود".

قاطعت أفكاري استغاثة ابني بي: "ماما أبوس إيدك لا تتركيني".

وعندما طال الوقت دون حراك ودون أمل بوصول أي مساعدات، حاولت شذى بكل قوتها توسيع الحفرة، وفي كل مرة توسعها تأتي هزة ارتدادية وتطمر ما فتحته.

"بدأتُ بالاستغاثة، لم يسمعني أحد، لا أحد"، تقول شذى.

علقت شذى تحت ردم سقف المنزل والخزانة، لم تملك آنذاك سوى يديها المحررتين لاستخدامهما عساهما تكونان أداة النجاة لها وابنها "دفعت تراب الفتحة بما أملك من قوة، حينها سمعت صوت أحد قادم من الخارج، استغثت: أخرجوا ابني فقط واتركوني".

بقيت شذى عالقة تحت الأنقاض لمدة 3 ساعات، وعندما توسّعت الحفرة بما يكفي استغاثت مجدداً، كان هناك أحد ما، نعم ساعدها على الخروج.

خرجت السيدة من تحت الركام وركضت إلى الناس راجية منهم مساعدتها لإخراج ابني من تحت الأنقاض، لم يجبها أحد، كان الجميع مذهولون وعاجزون، "عدتُ إلى ابني لكي لا يبقى وحيداً".
 
منزل شذى المنهار "الدائرة الخضراء هي الفتحة التي كانت سبب نجاتها" كما تقول
 

مضت خمس ساعات على الكارثة، إنها التاسعة والنصف من صباح الإثنين، لمحت من بعيد رفاق زوجها "الموجود في النمسا" قادمين للبحث عنها وعن ابنها.

10 ساعات تحت الركام

 بقي عُدي لمدة 10 ساعات تحت الركام، كان من الصعب إخراجه، في تلك اللحظات كان يخاطبني: "ماما عطشان، ماما لا تتركيني أموت وحيداً، لا أريد الموت".

"وعدته بأني لن أتركه"، تتذكر شذى.

جاء العديد من الأشخاص وبدؤوا الحفر بأساليب بسيطة، وبعد مدة تجاوزت العشر ساعات أنقذوا عُدي: "لا أستطيع وصف فرحتي بخروجه حياً".

تصف شذى حالهم بعد الخروج من تحت الركام: "أخرجنا عُدي إلى ساحة بعيدة عن مركز المدينة  لحين عاد إلى وعيه، فيما الهزات الارتدادية مستمرة، والمطر يهطل مع درجات حرارة منخفضة".

قرّرت السيدة السورية السفر إلى مدينة أنقرة مع أصدقائها بسيارتهم، ذهبت في البداية إلى مستشفى للاطمئنان على حالة ابنها، "بعد التحاليل تبين أن كليتيه لا تعملان، لكن بعد أيام عادتا إلى وضعهما الطبيعي".

تختم شذى حديثها مع روزنة والتي تقيم حالياً في غرفة سكن جامعي: "هذا جزء مما عشناه وتعرضنا له، من المستحيل توثيق ما حصل معنا، لا شيء يعبر عن معاناتنا".

دمار هائل

وارتفع عدد ضحايا الزلزال المدمّر إلى 50 ألفاً و96 حالة وفاة، وإصابة 107 آلاف و204 أشخاص في تركيا، بحسب آخر إحصائية لـ"إدارة الكوارث والطوارئ التركية" أمس الإثنين.

ومن بين الوفيات 6 آلاف و660 أجنبياً، النسبة الكبرى منهم سوريون، وفق وزير الداخلية التركي سليمان صويلو.

 الزلزال دمّر كل شيء في أنطاكيا المدينة المنكوبة، المباني القديمة والحديثة والمساجد القديمة والكنائس والمعبد اليهودي، وحتى المحال التجارية والمطابخ والمطاعم، وانقطعت الكهرباء والمياه والوقود والغاز والاتصالات عن المدينة، وفق تقارير إعلامية.

ويبلغ عدد سكان ولاية هاتاي، مليوناً و670 ألف شخص تقريباً بحسب إحصائيات رسمية عام 2022، ويقطن أكثر من ربعهم في أنطاكيا، مركز الولاية.

 السوريون الموجودون في هاتاي يقدر عددهم بأكثر من 354 ألفاً، وهي رابع أكبر ولاية يتواجد فيها سوريون، بحسب موقع رئاسة إدارة الهجرة التركية، ما جعلهم يعانون من محنة جديدة إضافة إلى محنة لجوئهم،  فيما يعيش في تركيا 3 مليون و 453 ألفاً و497 لاجئ سوري. 

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

بودكاست

أرض سوريا المسمومة

أرض سوريا المسمومة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض