تقارير | 15 02 2023
مهند اليماني - زين علي
عامل مياومة توجه للمتطوعين، وتبرع بـ 10 آلاف ليرة سورية، وهي نصف أجره اليومي، وسيدة ستينية في الرقة لم تكن تسمح لأحد بالاقتراب من "نضيدتها" أبداً، قررت التبرع بنصفها تقريباً.

و"النضيدة" طاولة يكاد لا يخلو منها بيت في شرقي سوريا، توضع عليها الأغطية والوسائد والفرش بشكل منسق وجميل، وهي شيء ثمين بالنسبة للمرأة الفراتية، تأتي مع مهر زواجها، ولا تتخلى عنها بسهولة.
كان أبو علي المتطوع بجمع التبرعات في قرية بدير الزور، يتوقع إقبالاً من الميسورين مادياً والتجار والمغتربين على التبرع لصالح حملة إغاثة المناطق المنكوبة، ولكنه فوجئ بأن شرائح متنوعة ساهمت في ذلك، الفقراء والطبقة المتوسطة والأغنياء، الرجال والنساء، البالغين واليافعين.
قبول الفزعات ورفض المساعدات..
مع الأيام الأولى لكارثة الزلزال، أطلقت منظمات مجتمع مدني ونشطاء ووجوه عشائر ورجال دين في شمال شرق سوريا، حملات إغاثية لجمع التبرعات المالية والعينية لإرسالها للمناطق المنكوبة من الزلزال.
وخلال أيام قليلة جمعت أطنان من المساعدات، تتضمن أفرشة وأغطية ومواد غذائية وأدوية وخيام، بالإضافة للمبالغ النقدية، أبرز الحملات كانت فزعة العشائر في دير الزور، والفزعة الرقاوية، بالإضافة لحملات نفذتها منظمات، مثل حملة فزعة الفرات التي أطلقتها منظمة ماري للتنمية، وحملة هنا سوريا لتحالف منظمات المجتمع المدني في شمال شرق سوريا.
ووفقاً لما قاله علي العليص لـ روزنة وهو أحد المنسقين لحملة هنا سوريا، فقد وصل عدد شاحنات الإغاثة التي دخلت للمناطق المنكوبة شمال غرب البلاد إلى 82 شاحنة تحمل تبرعات عينية من مختلف مناطق شمال شرق سوريا.
وأكد "عليص" أنه تم السماح بدخول القافلة المقدمة من الأهالي بدءاً من أول أمس الاثنين، بينما ذكر ياسر سليمان نائب رئاسة "المجلس العام في الإدارة الذاتية"، أن "الحكومة السوري المؤقتة" رفضت إدخال المساعدات المقدمة من الأهالي.
وأشار ياسر في تصريح خاص لـ روزنة إلى إن الإدارة حاولت إدخال مادة المحروقات للمناطق المنكوبة، سواء تلك التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" أو النظام السوري، ولكن تم رفض إيصالها للمتضررين من الزلزال من كلا الجانبين.
وأضاف أنهم خصصوا 130 صهريج محمل بالمحروقات، وما تزال الصهاريج تقف على معبري التايهة مع النظام، وأم جلود مع المعارضة، بانتظار الموافقات، ويتابع: "بالإضافة للمحروقات لدينا سيارتي إسعاف مقدمة من الهلال الأحمر الكردي، وعدة شاحنات تحمل مواد إغاثية، ومستلزمات وأدوية طبية".
ولفت النائب في الإدارة الذاتية إلى أن النظام حاول أن يستحوذ على 80% من المساعدات المقدمة، ويرسل 20% للمناطق المتضررة وأسر الضحايا "أما بالنسبة لفصائل الشمال حاولنا معهم عن طريق وسطاء مدنيون ولكن تعرضوا لتهديدات منهم، وحاول ناشطون التواصل مع مسؤولين الائتلاف ولكن لم يتلقوا رد".
وبخصوص الحديث عن شروط للإدارة الذاتية لإدخال المساعدات، نفى ياسر سليمان ذلك وقال: "ليست لدينا أي شروط، نحن نريد فقط إيصال هذه المساعدات المقدمة من السوريين للسوريين المنكوبين بمختلف مكوناتهم، والثروة الباطنية في مناطق الإدارة لكل السوريين".
من جانبها نشرت "الحكومة المؤقتة" تصريحاً صحفياً في الثاني عشر من شباط الحالي، ذكرت فيه أنها ستقوم بتلبية نداء الأهالي والعشائر في المناطق الشرقية واستقبال شاحنات المساعدات المقدمة من قبلهم، فيما لم يأتي التصريح على ذكر شيء بخصوص المساعدات المقدمة من الإدارة الذاتية.
سبق ذلك بيان من "المؤقتة" يتهم فيه "قوات سوريا الديمقراطية" الاستثمار بآلام السوريين لتحقيق مكاسب سياسية واعتماد مناطقها كـ"متنفس للمناطق المحررة".
بالمقابل قال مسؤولون بـ"الإدارة الذاتية" إن النظام والجهات المسيطرة في غربي سوريا، تسيس الملف الإنساني، محملين إياها مسؤولية عدم إيصال المساعدات بشكل فوري، لمنعها دخول صهاريج النفط والمساعدات وجعلها تنتظر على المعابر الداخلية.
فزعات الأهالي والمنظمات
معظم الحملات الشعبية أو التي نظمتها المنظمات المحلية حملت شعار "فزعة"، والفزعة مصطلح معروف في شرق سوريا، يأتي بمعنى الإغاثة أو النجدة.
منظمة ماري التي أطلقت حملة فزعة الفرات ذكر ياسر الخلف المنسق الميداني فيها أنها بدأت بتاريخ 7 شباط الجاري، وشملت جمع التبرعات العينية باستقبالها في مكاتب المنظمة بريف دير الزور ومدينتي الحسكة والرقة، واستقبال التبرعات المالية بإيصالات رسمية.
وحول الحملة، يشرح ياسر: "أطلقنا شعار منك ليرة ومنا ليرة، أو منك دولار ومنا دولار، أي أن المبالغ المالية التي تم جمعها من الأهالي، سيتم التبرع بمثلها من قبل المنظمة والعاملين فيها".
وذكر ياسر أن تعاطي الأهالي مع الحملة كان إيجابياً، وأنهم نسقوا مع منظمات شريكة في شمالي غربي البلاد لإيصال المساعدات لهم لتوزيعها على المتضررين من الزلزال.
من جهته بيّن الناشط عيسى السطم أحد المشرفين على حملة الفزعة الرقاوية، أنهم اكتفوا بجمع التبرعات المالية فقط، لإرسالها لأشخاص من أبناء الرقة يقيمون في المناطق المنكوبة لتوزيعها على المتضررين، وقال عيسى: "في الأيام الأولى كانت هناك صعوبة بإدخال المساعدات العينية، لذلك قررنا تحويل مبالغ نقدية".
ولفت عيسى إلى أنهم جمعوا ما يقارب 25 ألف دولار أمريكي، وأن حملتهم شملت مدينة الرقة، وتم تقسيم المبلغ وتوزيع 100 دولار أمريكي للعائلة الواحدة، وذكر أن الحملة هي تنسيق بين عدة مبادرات خيرية، وهي صنائع المعروف، ومشروع إفطار صائم، والرقة بعيون أهلها، وفريق بشائر، وفريق أبشر بالخير، وصندوق أهل الخير.
وشهدت صور حملات "الفزعات" القادمة من دير الزور والرقة والحسكة ومنبج، تفاعلاً واسعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ذهب بعضهم للمقارنة بين ما قدمه أهالي "الجزيرة والفرات" مع ما قدمته الأمم المتحدة، مؤكدين أن أهالي شرقي سوريا أكدوا أن "ليس للسوري إلا السوري".
وفي آخر تحديث نشرته "الإدارة الذاتية" عبر صفحتها اليوم، قالت إن 145 شاحنة دخلت بتسهيلات منها إلى المناطق المنكوبة من معبري أم جلود وعون الدادات، فيما لم تحصل قافلة "الهلال الأحمر الكردي" والإدارة على موافقة النظام لدخول مناطق سيطرته.
آلاف السوريين فقدوا أقاربهم وأصدقائهم وبيوتهم في الزلزال، لتضاف نكبة جديدة في تاريخ الشعب السوري، الذي لم يخرج بعد من آثار الحرب المدمرة، ليكمل الزلزال مسلسل التدمير.