تقارير | 27 12 2022
سلوى عبد الرحمن
تعمل ميساء (اسم مستعار) بمهنة التمريض في أحد مستشفيات مدينة الرقة شمالي شرقي سوريا، وتتقاضى أجراً لا يتناسب مع ما تقدمه من جهد، ولا يكاد يكفيها لتأمين احتياجاتها الأساسية، فتناوب 24 ساعة كل ثلاثة أيام.
اقرأ أيضاً: إنفلونزا تنتشر بين الأطفال في الرقة توقف الدوام المدرسي
تعاني الممرضات العاملات في المراكز الطبية العامة والخاصة من تدني كبير في الأجور، على عكس الممرضات العاملات ضمن المراكز المدعومة من قبل المنظمات الدولية، اللواتي يتقاضين أجوراً جيدة بالدولار الأمريكي.
عمل شاق وأجور قليلة
ساعات العمل الطويلة التي تقضيها الممرضات ضمن المراكز الطبية لا تتناسب أبداً مع الأجور، فمعظم المراكز الطبية غير المدعومة من قبل المنظمات، تمنح الممرضات رواتب بالليرة السورية، مقابل ساعات عمل طويلة، ولا يتم مراعاة فرق سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأمريكي، والغلاء المستمر في أسعار المواد المعيشية الأساسية.
تصف ميساء ما يتعرض له الممرضون والممرضات في الرقة بعملية الاستغلال، من قبل القائمين على المنشآت الصحية المختلفة في الرقة، نتيجة عدم مراعاة زيادة أجورهن عند انخفاض سعر الليرة السورية، وعدم مراعاة ظروفهن المعيشية، في الوقت الذي يحتجن فيه للعمل، فتقول: "الراتب الذي نأخذه لا يكاد يكفي لتأمين ثمن الطعام والشراب وأجور المواصلات، يعني نعمل بتعبنا فقط".
تواجه الممرضات ضغطاً نفسياً كبيراً، إلى جانب الضغط الجسدي وإرهاق العمل، فهن مضطرات إلى تحمّل الإساءات التي تصدر عن بعض المرضى أو المرافقين لهم، وإدارة المنشآت الطبية تفرض عليهن تحمل هذه الضغوط مقابل الحصول على المال، كما تفرض الإدارة عليهن في حال تعرضت إحداهن لمرض وقررت الغياب عن الدوام أن تؤمّن بديلاً عنها، أو يتم تسجيلها غائبة، والاقتطاع من راتبها الشهري، الذي لا يتجاوز الـ 300 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل الـ 50 دولار أمريكي، مقابل ثلاثة أيام مناوبة على مدار الـ 24 ساعة في الأسبوع بحسب كلام ميساء.
وتتساءل عن الأسباب التي تدفع أصحاب القرار في المنشآت الطبية لعدم زيادة رواتبهن، بقولها: "نحن من نقوم بكل أعمال المستشفى، ومجبرات على تحمل كل شيء، فما هو السبب الذي يمنعهم من رفع رواتبنا قليلاً".
اختلاف الأجور
تختلف ظروف الممرضات بحسب المكان الذي يعملن فيه وبحسب الشهادة الحاصلة عليها الممرضة، فالممرضات في المستشفيات والمستوصفات المدعومة من قبل منظمات دولية تتراوح رواتبهن الشهرية بين 300 و600 دولار أمريكي، والممرضات في المستشفيات والعيادات الخاصة والمستشفيات التابعة للإدارة الذاتية أجورهن بالليرة السورية وتعادل حوالي 50 دولاراً.
كما تختلف الأجور ما بين الممرضات المتخرجات من مدرسة التمريض، والممرضات الحاصلات على الخبرة من خلال دورات مهنية وممارسة طويلة لمهنة التمريض، فأجورهن تكون أقل بمئة ألف ليرة عن الخريجات من مدرسة التمريض.
تستغرب سهى (اسم مستعار)، وهي ممرضة متدربة غير حاصلة على شهادة تمريض، من اختلاف راتبها عن راتب الممرضات الخريجات، مع أنهن يعملن نفس العمل، فتقول: "نداوم ونبذل نفس الجهد الذي تبذله الممرضة الحاصلة على شهادة، وعند تقاضينا لرواتبنا يكون الراتب أقل، هل أصبحت الشهادة أهم من العمل؟ ناهيك عن عدم كفاية الراتب لأي شيء، فقسم كبير منه يذهب لشراء الطعام واحتياجاتنا خلال مناوباتنا في المستشفى".
كما تواجه الممرضات المتدربات مشكلة عدم وجود عقود عمل لهن في المنشآت الطبية، وعدم وتأمين صحي أو بدل طعام ومواصلات، ففي حال مرضت إحداهن أو احتاجت لخدمة علاجية في المركز الطبي الذي تعمل فيه، فإنها مجبرة على دفع الأجور مقابل هذه الخدمة.
والأصعب من ذلك عمل الممرضات في العيادات الخاصة لدى الأطباء، لأن الأجور تكون متدنية جداً، فالراتب الشهري للممرضة يعادل عشر معاينات لدى الطبيب، من أصل عشرين معاينة يجريها في اليوم الواحد.
فريدة (اسم مستعار) ممرضة تعمل في عيادة خاصة لدى أحد الأطباء في مدينة الرقة، يبدأ عملها في الساعة 8.30 صباحاً وينتهي الساعة 4 مساءً، تتحدث عن مشكلتها، "وجبة الغداء وأجور النقل على حسابي، أتقاضى في الأسبوع 25 ألف ليرة سورية، أي مئة ألف بالشهر، وأنا يومياً أنفق ما بين 2500 ليرة لـ 3000 مصاريف نقل، فالأجور التي أتقاضاها لا تكفيني لأي شيء".
قد يهمّك: كيف علّق مدير مستشفى حماة الوطني على ضرب أحد الأطباء؟
هل هنالك حل للمشكلة؟
حاول اتحاد المهن الطبية في المنطقة العمل على إيجاد حلول للمشكلة التي يعاني منها الممرضون والممرضات، من خلال مطالبة المراكز الطبية والعيادات الخاصة برفع الأجور، لكن لم يكن هناك استجابة.
يدافع اتحاد المهن الطبية عن الممرضات والممرضين المسجلين في قيوده، وهو مسؤول عن حمايتهم من الاعتداءات ويعمل على توكيل محامين لهم، بحسب ما قال رضوان العلي، رئيس الاتحاد، ويضيف: "أما عن موضوع انخفاض الأجور حاولنا وناقشنا مع المستشفيات الخاصة، لكن للأسف كان الرد أنهم يمنحون أجوراً للممرضات كالأجور التي تمنحها الإدارة الذاتية".
ويؤكد العلي أنه لا يجوز تشغيل الممرض أكثر من 48 ساعة في الأسبوع، إلا أن بعض الممرضات يفضلن الدوام الإداري بمعدل 8 ساعات خلال 6 أيام من الأسبوع، وأخريات يفضلن نظام المناوبة الكاملة بمعدل يومين في الأسبوع.
أما الناشطة بشاير الشواخ، ترى أن الحل الوحيد لتحسين ظروف عمل وحياة الممرضات في المنطقة يكون بإصدار قانون من قبل الإدارة الذاتية يحدد أجور العاملين في القطاع الصحي، تقول: "الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه الممرض أو الممرضة والأجور المتدنية هذه لا تكفيهم لتأمين مستلزمات حياتهم، في الوقت الذي يكون لديهم مسؤولية إعالة أسرهن، لذلك لا يوجد حل سوى المطالبة بإصدار قرار من قبل الإدارة الذاتية يحدد الحد الأدنى للأجور ضمن المنشآت الطبية".
يبلغ عدد الممرضات والممرضين المسجلين في اتحاد المهن الطبية بالرقة 670 ممرضاً، نصفهم تقريباً من الإناث، كما أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير باعتبار أن الاتحاد لا يقبل بعضوية الممرضات والممرضين المتدربين.
قمنا بإخفاء هوية الشاهدات حفاظاً على استمرارهن في أعمالهن، خشية أن يتم فصلهنّ.
يمكنكم الاستماع لحلقة "ملائكة الرحمة" من بودكاست شو الحل، عبر الضغط هنا .