تقارير | 30 10 2022
نور الدين الإسماعيل
احتفالات "الهالوين" أحد أبرز الاحتفالات الدينية التي بدأت في أوروبا ومنها انتقلت إلى العالم، والذي يصادف هذه الأيام، تعرفت عليه بقية الشعوب، خصوصاً بعد عشرات الأفلام التي أنتجتها هوليوود عن "الهالوين"، وأشهرها فيلم Halloween، عبر شخصية مايكل مايرز الشهيرة.
من أين جاءت فكرة "الهالوين" وكيف تطورت؟
في "الهالوين"، يُحكى بأن الأرواح الشريرة للأموات تعود للحياة في اليوم الأول من تشرين الثاني، فيقوم المحتفلون بالتنكر حتى لا تتعرف عليهم تلك الأرواح الشريرة.
اقرأ أيضاً: من سوريا إلى قبرص.. مهاجرون سوريون بمواجهة الرصاص والغرق
ويعتقد بأن "الهالوين" بدأ كمهرجان وثني باسم "ساهوين"، واحتفلت به شعوب "الكلت" (Celtic) في أيرلندا وإنكلترة، في اليوم الأول من تشرين الثاني، واعتبروه بداية العام الجديد وبداية الشتاء وموسم الظلمة، فقد كان عامهم ينقسم إلى موسميّ نور وظلمة. وهناك رأي يربط بين "الهالوين" والحصاد، ففي هذا الوقت من السنة تجدد عقود الأراضي وتعود القطعان من المراعي.
كما اعتقدوا بأن هناك حاجزاً بين عالم الأحياء والأموات يزول في تلك الليلة، حيث تكون أرواح الميتين خلال السنة عالقة، حتى تتمكن من مغادرة الحياة إلى الموت في تلك الليلة، إضافة إلى عودة الأرواح الميتة لزيارة أهلها.
وبعد انتشار المسيحية في أوروبا والغزو الروماني لتلك المناطق تم دمج "عيد القديسين" المسيحي الذي كان يقام الاحتفال به في 13 أيار بعيد "الهالوين" الوثني الذي يصادف الأول من تشرين الثاني، لينال صبغة دينية في الثقافة المسيحية، مع الحفاظ على بعض الموروث الثقافي من الاحتفال الوثني، ويستمر طيلة ثلاثة أيام.
"الهالوين" العالمي
في هذه الأيام لم يعد الاحتفال بـ"الهالوين" أمراً مقتصراً على فئة أو شعب أو دولة، فبات الاحتفال بهذا اليوم متاحاً لجميع الشعوب في كل مكان، حتى أن صورة تداولها رواد منصات وسائل التواصل الاجتماعي، أمس، تظهر أشخاصاً قيل بأنهم في المملكة العربية السعودية يرتدون الثوب والشماغ العربي، يضعون أقنعة مخيفة ويحتفلون بـ"الهالوين".

كما أن الصينيين اليوم باتوا يحتفلون فيه مع وضع صور الأموات الراحلين على موائد الطعام، في رمزية لافتقادهم وأنهم مازالوا يعيشون في الذاكرة. وذلك بعد قرون من الاحتفال في الولايات المتحدة وكندا وأيرلندا والمملكة المتحدة وأستراليا.

واقع "الهالوين" السوري
عاش السوريون واقعاً مرعباً تحت حكم دولة أمنية قمعية استمرّ عقوداً، لكن زادت حالة الرعب بعد انطلاق الثورة السورية، وما قابلها من قمع واعتقال وقصف وتهجير واجه به النظام السوري ذلك الحراك الشعبي، فبات واقع السوريين أكثر رعباً، وبكل المقاييس، فلم يعودوا بحاجة إلى احتفال للرعب.
كما لم يعودوا قادرين على طرد الأرواح الشريرة التي غزت المجتمع السوري بعد عشر سنوات في كل مكان من سوريا، فباتت تخرج لهم من فوهات الأسلحة، ووراء طاولات السياسيين، وداخل أقبية المخابرات، وخلف قضبان المعتقلات، وعبر شاشات التلفزة، وفي الحقول، وحوانيت التجار، وأروقة وقرارات الحكومات المختلفة، وحتى في أحلامهم، عبر كوابيس تمنعهم من الإحساس بالقليل من الأمن والاستقرار والسلام.
كما لم تعد تلك الأرواح الشريرة المنتشرة على الجغرافيا السورية تأبه لأقنعة اليقطين التي يرتديها المتنكرون حتى تهرب، بل هرب المحتفلون بعد أن أصبحت تواجههم بكل أدوات القمع الإرهاب، تاركين مسرح الحفلة للأرواح الشريرة تعبث كيفما شاءت داخل الحدود.
فمنهم من التهمته أمواج البحار وهم في طريقهم نحو بلاد "الهالوين" الآمنة، وآخرون زُجّ بهم في موسم ظلام المعتقلات التي لا تعرف نهاية إلا في موسم النور الذي مازال بعيداً عن مئات الآلاف منهم، والملايين باتوا مشردين إما في مخيمات النزوح، أو خارج حدود البلاد تاركين وراءهم أملاكاً وبيوتاً والكثير من الذكريات الجميلة أو المؤلمة.
قد يهمك: سوريون شرّدتهم نيران التهمت خيامهم في عرسال
واليوم تعود الأرواح الشريرة لملاحقة الهاربين منها، لكن هذه المرة بإعادة الهاربين الحالمين بنورٍ يبدد ظلمتهم الطويلة إلى قبضة تلك الأرواح، الهاربين الذين تحملوا قسوة العيش في مخيمات عرسال طيلة عشر سنوات، على أمل انتهاء الحفلة وانجلاء الظلام، وهذا ما لم يحدث، بل زادت ظلمة ليلهم، وزاد رعبهم حين أجبروا على العودة إلى مناطق سيطرة النظام السوري مكرهين، وبدون أي تدخل أو إشراف من الأمم المتحدة.
مع محاولات شعوب العالم تجسيد الأساطير وروايات الخيال، بواقع يضفي الفرح والبهجة، واضطرارهم لارتداء الأقنعة المخيفة، وتزيين منازلهم بأشكال اليقطين المختلفة، تبقى احتفالات السوريين على أرض الواقع مصبوغة بلون الدم، حالكة السواد، لا نور يبدد ظلمتهم في ذلك النفق الذي يبدو طويلاً، وطويلاً جداً.