رحلوا كلهم وبقيتُ وحدي.. معاناة كبار السن في سوريا

رحلوا كلهم وبقيتُ وحدي.. معاناة كبار السن في سوريا

تقارير | 30 09 2022

بقلم لجينة حاج يوسف وميس قات تحرير وفاء البدري

عكازة وموبايل حديث، تلك هي ثروة السبعيني أبو محمد، العكازة ليتمكن من الوصول إلى الحديقة القريبة من منزله في دمشق، والموبايل ليتواصل مع أبنائه وأحفاده الذين فروا من البلاد قبل بضعة أعوام.


أبو محمد فقد رفيقة دربه قبل أقل من عام ونصف، وبات وحيداً تماماً في منزله الواسع، حيث لا يقوى جسده على تحمل أعباء العمل بقصد التسلية على الأقل، كما أنه لم ينجح بالتأقلم مع أي جليس من الأشخاص الثلاثة الذين تناوبوا على العمل لديه على مدى عام واحد.

يقول أبو محمد عن أولاده: "رحلوا كلهم وبقيت وحدي حتى من دون مذياعي، الذي تركته بعد أن فشلت تعلّم كيفية توصيله على البطارية كلما انقطعت الكهرباء، لقد رحلوا وأسسوا حياتهم هناك وأنجبوا لي أحفاداً لم أراهم إلا من خلف شاشة، لكني لست حزيناً، لقد فروا بجلدهم من هذا الجحيم وهذا كل ما يعزيني في وحدتي، والآن بانتظار الموت".

لحسن حظ أبو محمد أنه لا يعاني الفقر، على الأقل يمتلك ثمن الطعام والدواء وهذا ترف لا يحصل عليه كل كبار السن في سوريا، التي يعاني أهلها من أزمة اقتصادية بالغة الحدة.

ويعاني المسنون في سوريا من مشكلات مختلفة، ولا سيما بسبب ابتعاد أبنائهم عنهم إما بسبب الهجرة أو الزواج، وسط حاجتهم للعناية والرعاية الخاصة، وفي ظل الفقر الذي أصاب أكثر من 90 بالمئة من السوريين.

اقرأ أيضاَ: عاملو توصيل وبناء.. لا تقاعد لكبار السن في سوريا!

أخجل من طلب دوائي

تخجل حليمة (73 عاماً) من طلب دوائها من أبنائها، فهي تدرك أن رواتبهم وأجورهم لا تكفي حتى طعام أسرهم، تقول: "إن أحضروها أخذتها وإن تأخروا بها أدرك أنهم لا يمتلكون ثمنها فلا أضغط عليهم، لا أريد أن أشعر بأني عبء عليهم".

تعيش  حليمة في إحدى قرى ريف حمص، لا تمتلك سوى راتب زوجها التقاعدي الذي لا يتجاوز الـ80 ألف ليرة سورية، تحتاج 50 ألف ليرة منها ثمن دواء فقط، حيث تعاني من ارتفاع الضغط والسكري.

لدى السيدة السبعينية ستة أبناء (4 أبناء وابنتان)، كلهم متزوجون، وما يخفّف عنها وحدتها، وفق قولها، ابنتها الكبرى التي تعيش بالقرب منها حيث تواظب على زيارتها والاعتناء بها.

"عم ناكل ونشرب ومستورة"، تختم حليمة حديثها روزنة، وتتمنى قضاء آخر أيام حياتها في إحدى دور المسنين، حيث من الممكن هناك ألا تنام ليلتها على هم تأمين طعام ودواء اليوم التالي.

جيراني يسعفونني بالخبز

منذ بدء أزمة "البطاقة الذكية" في سوريا، والجد عبد الله 81 عاماً من مدينة حماة، يعاني في الحصول على الخبز.

 جسده المثقل بالأمراض وعمره المتقدّم لا يسمحان له بالوقوف طويلاً بانتظار عدة أرغفة، يحصل عليهم في النهاية بمساعدة الجيران الذين يوفّرون عليه عناء الوصول إلى الفرن وشراء الخبز.

واعتمدت وزارة التجارة الداخلية لدى حكومة النظام في تموز عام 2021 آلية جديدة لتوزيع الخبز المدعوم حدّدت بموجبها عدد الأرغفة المستحقة للشخص الواحد حسب شرائح، حيث تم تقسيم الأسر إلى شرائح حسب عدد الأفراد فيها، وحسب القرار يحق للشخص الواحد ربطة واحدة كل 3 أيام (الربطة 7 أرغفة)، وبمعدل رغيفين وثلث الرغيف يومياً.

لدى عبد الله 3 شباب، أحدهم يعمل في لبنان والآخر في دمشق والثالث لا يعلم عنه شيئاً منذ قرر الهجرة إلى أوروبا عام 2015، يضيف: "ماتت أمه في حسرته، لكني أؤمن أنه حي".

اقرأ أيضاً: في سوريا.. "بيجي الضيف وبجيب خبزاته معه"

خدمات مأجورة

مع ازدياد عدد الشبان المهاجرين سواء كانوا رجالاً أو نساء، يجد الآباء والأمهات أنفسهم وحيدين تماماً، من دون أي سند لهم يعاونهم على قساوة الحياة، وهو ما أدى لظهور مهنة جديدة لرعاية كبار السن وتأمين احتياجاتهم مقابل مردود مالي.

غالباً ما يقوم بهذه المهنة أحد الجيران الموثوقين، الذين يطلب إليهم الأبناء في الخارج العناية بذويهم وتأمين الخبز والغاز والمازوت وكافة الخدمات لهم مقابل راتب شهري يتراوح بين 400 ألف ليرة إلى مليون ليرة سورية شهرياً، (بين 85 دولاراً  وحتى 208  دولارات تقريباً).

في مدينة اللاذقية تعيش ماتيلدا وهي في أواخر العقد السابع من العمر،  سافر أبناؤها الثلاثة في الفترة ما بين 2011 و2013، وبقيت لوحدها في منزلها الكبير.

في البداية لم يكن الأمر صعباً حيث كان عمرها يسمح لها بالتنقل والحصول على حاجياتها كما أن الظروف لم تكن صعبة كاليوم، كما تقول.

ومع تقدمها في السن وزيادة الأوضاع الأمنية سوءاً عانت كثيراً حتى وجدت جليسة أمينة تقيم معها في المنزل، وتراعي احتياجاتها وتحرص على إعطائها الدواء والطعام ومشاركتها الأحاديث والنشاطات اليومية.

تحصل الجليسة على راتب شهري يبلغ 600 ألف ليرة، (125 دولاراً)، إلا أنها لا تستطيع القيام بكل الأعباء من الأعمال المنزلية وشراء الاحتياجات، وهو ما دفع الأبناء المهاجرين للبحث عن مساعدة أخرى.

وقع الخيار على أحد الجيران، الذي يقوم بإحضار أسطوانة الغاز، والخبز، وشراء كافة احتياجات المنزل، والإشراف على أي عطل فيه، مقابل 200 دولار شهرياً.

ويعمل العديد من الأشخاص كمساعدين للمسنين، يقدمون لهم خدمات مأجورة يدفعها الأولاد في المغترب، ويعتبرونها كعمل ثان يساعدهم على تدبير أمور الحياة، وتشمل تلك الأعمال، شراء الدواء أعمال الصيانة في المنزل، شراء الاحتياجات المختلفة، والإسعاف إن اقتضى الأمر كذلك توصيلهم في حال أرادوا القيام بأي نشاط في الخارج والعديد من الخدمات المشابهة.

اقرأ أيضاً: الرز بالكاسة والسمنة بالملعقة.. أسلوب شرائي جديد في سوريا

لا حلول للمسنين الفقراء

ورغم حالة الوحدة وفقدان الأبناء التي يعانيها المسنون الذين سافر أبنائهم للخارج، إلا أن معاناة المسنين الذين ليس لديهم أبناء في الخارج مضاعفة جداً، فهم لا يمتلكون ثمن الأدوية وحتى المتقاعدين منهم راتبهم لا يكفي حتى ثمن علبتي دواء شهرياً.

 نجوى (73 عاماً) متقاعدة من وظيفتها في مؤسسة المياه والصرف الصحي في دمشق، تحتاج شهرياً لعلبتي دواء لعلاجها من مرض الذئبة الحمراء، ثمن العلبتين 80 ألف ليرة وأحياناً تصلان إلى 100 ألف في حال كان الدواء مقطوعاً، بينما راتبها لا يتجاوز الـ100 ألف ليرة.

مرض الذئبة الحمراء هو مرض التهابي مزمن، ويصيب العديد من أعضاء الجسم، مثل: الجلد، والمفاصل، والقلب، والرئتين، والكلى، وخلايا الدم.

الظروف المعيشية واستمرار تدهور الاقتصاد الذي تقف الحكومة أمامه عاجزة، حرمت المتقاعدين من فرص الراحة، وألزمتهم بالبحث عن فرص عمل أخرى.

مثل نجوى الكثير من المسنين والمسنات اللواتي لجأن إلى العمل بأي مهنة متوفرة، حتى لو كان تجهيز المؤونة أو العمل في المنازل أو على البسطات.

 كما يحاول مسنون تقنين دوائهم بما يتماشى مع النقود التي يحصلون عليها شهرياً سواء من أبنائهم أو عملهم.

حتى المسنون الأصحاء ينالهم من الحرمان جانب، لناحية الطعام اليومي الذي يقتصر على مكونات بسيطة مثل الحبوب كالبرغل أو الخضروات مثل البندورة والبطاطا، كذلك الموسمية التي تعتبر رخيصة الثمن في موسمها، بينما تغيب اللحوم والفواكه والدجاج عن طعامهم اليومي، وبعض العوائل لم تدخل تلك الأنواع إلى منزلها منذ سنوات أو أشهر في أحسن الأحوال.

ورغم ذلك وكل المعاناة السابقة، فإن النصيب الأكبر فيها هي للمسنين المنسيين الذين يفترشون الشوارع، وتستطيعون مشاهدتهم على امتداد الأراضي السورية، حيث يجلسون في أحد الزوايا وأمامهم علب الدواء لا يريدون شيئاً سوى ثمن الأدوية وبعض الطعام، ثم يهدونك عبارة: "الله يديم عليك النعمة والصحة".

في سوريا لا إحصائيات حديثة حول أعداد المسنين فيها، وآخرها كان عن مصدر في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عام 2013 ،  قال لصحيفة "الوطن" المحلية آنذاك، إن عدد المسنين والمسنات تجاوز المليونين.

وفي شهر أيار الفائت، قال مدير دار الكرامة لرعاية المسنين في دمشق، جورج سعدة، إن عدد طلبات اللجوء إلى الدار ارتفع بأكثر من 10 أضعاف عما كان عليه قبل الحرب، حيث كان بمعدل 40 طلباً بينما وصل اليوم إلى 500 طلب، مرجعاً السبب إلى الظروف الاقتصادية السائدة.

المشكلة الأبرز التي يعاني منها المسنون في دار الكرامة،  الانقطاع الأسري فضلاً عن الخلافات الأسرية التي غالباً ما تتعلق بأمور الورثة، وفق سعدة.

ويعيش أكثر من 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر وفق الأمم المتحدة، وبلغ عدد المحتاجين فيها 14.6 مليون في عام 2021 بزيادة 1.2 مليون عن عام 2020.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض