تقارير | 1 09 2022
بقلم لجينة حاج يوسف وميس قات تحرير وفاء البدري
"عدم القدرة على استقلال المصعد دائماً، اللحاق أو الصعود إلى الحافلة، الحرمان من التعليم.. " هي مشكلات تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة في سوريا، زادت حدّتها خلال الحرب، مع تفاقم تردي الوضع الاقتصادي للسوريين.
"يركضون وراء ميكروباص ربما يقف لهم في النهاية، أنا لا أستطيع الركض لذا توقفت عن المحاولة، توقفت حتى عن الخروج من منزلي"، تقول الشابة العشرينية نها، التي يمتنع السائقون في أحيان كثيرة عن التوقف لها فقط لأنها على كرسي متحرك.
من سخرية القدر، أن تحسد الناس فقط لأنهم يمتلكون القدرة على الركض خلف الميكروباص، إلا أنها بالفعل تعيش هذا الإحساس فوق كرسيها المتحرّك.
تقول نها المقيمة في العاصمة دمشق لروزنة: "في السابق كنت أخرج مع شقيقي أو أمي ونستخدم سيارة الأجرة، لكن مع ارتفاع سعر البنزين والأجرة بت محرجة، وحتى لو أردت لا مال كافٍ لذا ألتزم منزلي منذ أكثر من 5 أشهر، كان أبعد مشوار فيها إلى شرفة المنزل الصغيرة".
فكرت نها بالخضوع لدورات تدريبية تتعلّم خلالها مهنة "جل الأظافر" لتحقّق دخلاً لها، إلا أن صعوبة الوصول إلى الدورة التدريبية ألغى الفكرة: "أشعر بأنّي عالة على أسرتي، أحياناً أتمنى الموت لكنه لا يأتي".
وفي ردها على سؤال حول المعاناة من التنمر، ضحكت نها وردت: "التنمّر ترف لا نحصل عليه، ليته أكبر مصائبنا".
ربما ليس من المبالغة القول بأن ذوي الإعاقة هم من أكثر الفئات هشاشة في سوريا، ومع تراجع الخدمات وتدهور الأوضاع الاقتصادية عموماً باتت معاناتهم مضاعفة.
وتقدّر منظمة الصحة العالمية والمنظمة الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة، أن 3 مليون شخص هم من الأشخاص الذين يعيشون مع إصابات وإعاقات على اختلافها في سوريا، وفق تقرير صادر عنها في أواخر عام 2017.
اقرأ أيضاً: الأنشطة الصيفية للأطفال.. سوريون عاجزون عن تأمينها
عدم وجود الأطفال نعمة
على عكازين يصل عبد الواحد إلى عمله الحكومي في مدينة بانياس بمحافظة طرطوس، لكن الرجل الأربعيني لا يمتلك أي فرصة للحصول على عمل إضافي ليكفي احتياجات منزله خصوصاً أن راتبه البالغ نحو مئة وثمانية آلاف ليرة لا يكفي حتى ثمن طعام عدة أيام في الشهر.
يقول عبد الواحد: "لم يرزقني الله أطفالاً، في الماضي كنت أتحسر لكن اليوم أحمد الله في سري، لو كان لدي أطفال لكانوا جاعوا كما أجوع مع زوجتي في أيام كثيرة".
ولا تتجاوز رواتب السوريين العاملين لدى المؤسسات الحكومية في مناطق النظام السوري الـ 200 ألف ليرة سورية (أي نحو 45 دولاراً أميركياً) في أحسن أحوالها، ووسطياً لا تتجاوز الـ 120 ألف ليرة.
جرّب عبد الواحد الذي لم يكمل تعليمه العمل كبائع في محل تجاري فترة المساء، وكان كل شيء يسير على ما يرام حتى نهاية عام 2020 حيث بدأ ركود الأسواق يتضاعف ومدخول المحل يقل، ما دفع صاحبه للاستغناء عن عمل عبد الواحد لتوفير أجرته الشهرية، التي لم تزد حينها عن 50 ألف ليرة.
ومنذ ذلك الوقت وعبد الواحد يبحث عن عمل لكنه لا يجد من يوظفه، وهو الذي لا يستطيع المشي دون استخدام العكازين، ما دفع زوجته للعمل في المنازل وإعداد المؤونة في مواسمها للحصول على أموال تكفي على الأقل طعامها وطعام زوجها.
ويتضمن قانون العاملين الأساسي في الدولة، بنداً يتعلق بتوظيف ذوي الإعاقة، على أن تبلغ نسبة توظيف هذه الفئة 4 في المئة من عدد الموظفين في أي مؤسسة حكومية.
وما يزال البعض يحتال على الأمر من خلال الحصول على "بطاقة إعاقة" عن طريق دفع الرشاوى، وهو ما حرم الكثير من ذوي االإعاقة من حق التوظيف، وحتى من نجح بالحصول عليه فإنه يحصل على راتب لا يسد حتى أبسط احتياجاته الأساسية.
المصعد لا يعمل
خفّف ذوي الإعاقة الذين يعانون من مشكلات بالقدمين، من تحركاتهم وتنقلاتهم إلا للضرورة القصوى، كما حدث مع عادل 38 عاماً.
اضطر الشاب الثلاثيني لزيارة مديرية المالية في دمشق لإتمام معاملة، إلا أن حضوره تزامن مع انقطاع الكهرباء وعدم تشغيل المصعد الكهربائي لينتظر على كرسيه المدولب عدة ساعات حتى تأتي الكهرباء ويستخدم المصعد.
قد يهمك: أصابه الشلل.. فصنع دراجة لتسهيل تنقلاته
الصغار يدفعون الثمن
إن كانت معاناة ذوي الإعاقة من الشباب عميقة إلى هذا الحد، فإن معاناة الأطفال منهم أشد ألماً، وغالبيتهم لا يمتلكون فرصة التعلم.
لعدة سنوات كانت ندى 44 عاماً تصطحب طفلتها الصغيرة التي تعاني من التوحد إلى أحد المراكز التعليمية الخاصة في مدينة جبلة بمحافظة اللاذقية، لكنها توقفت مع بداية العام الحالي حين وصل القسط إلى أكثر من 800 ألف ليرة سنوياً، يضاف إليه أجور النقل والمواصلات والجهد الكبير في العثور على باص يقلهما من القرية التي تبعد نحو 30 كيلو متراً عن المدينة.
تقول ندى إن طفلتها كانت تبدي استجابة جيدة لكن للأسف اليوم لا تمتلك أي أمل، حتى المدرسة الحكومية في القرية رفضت تسجيل الطفلة بها كونها تحتاج إلى تعليم خاص.
حال ندى وطفلتها ينطبق على الكثير من الحالات الأخرى، التي لا تمتلك المال الكافي لتقديم المساعدة للأطفال من ذوي الإعاقة في المجتمع السوري.
ويعيش أكثر من 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة، يعجزون عن تأمين المستلزمات الرئيسية المعيشية مثل الطعام والشراب، جراء تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، حيث أصبح يعادل الدولار الواحد أكثر من 4400 ليرة سورية.
وبلغ عدد المراكز والجمعيات والمعاهد التي تعنى بذوي الإعاقة في البلاد، نحو 42 مؤسسة، كان لدمشق النصيب الأكبر منها بـ18 مؤسسة، لكن اليوم لا يوجد إحصائية عن عدد المراكز الخاصة بتعليم هذه الفئة من السوريين، إلا أنها عموماً قليلة ونادرة الوجود وتتركز في مراكز المدن بينما تغيب عن الأرياف بشكل كامل، رغم الحاجة الكبيرة لها في الوقت الحالي الذي يشهد زيادة في أعداد حالات ذوي الإعاقة بسبب الحرب.
وحذرت منظمة "يونيسيف" في تقرير لها شهر آذار عام 2018، من تعرض الأطفال ذوي الإعاقة لخطر الإقصاء والنسيان في ظل غياب نهاية قريبة للحرب في سوريا، لافتة إلى أن النزاع أصبح الآن هو المسبب الأول للوفاة بين اليافعين في البلاد.
ويعتبر "الأطفال ذوو الإعاقة من أكثر الفئات هشاشة في حالات النزاع" وفق المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خيرت كابالاري، وهم معرّضون أكثر من غيرهم لمخاطر العنف ويواجهون صعوبات في الحصول على الخدمات الأساسية بما في ذلك الصحة والتعليم.
وإذا لم يحصل أولئك الأطفال على الخدمات والمدارس ووسائل المساعدة مثل الكراسي المتحركة، فإن العديد منهم يواجهون خطراً حقيقياً بالإقصاء والإهمال والوصم مع استمرار هذا النزاع الذي لا ينتهي.