تقارير | 27 01 2022
ترك زوجته وأطفاله جياعاً لأيام مقابل شراء حبوب المسكنات، بعد بيع معظم أثاث منزله واستنزاف مدخراته .. هكذا يصف هشام حالته مع إدمان الأدوية المسكنة.
استغل هشام حنان أمه كي تعطيه المال لشراء ما يروي إدمانه، وعن ذلك يقول "كل حياتي لم أزعج أمي بكلمة واحدة، لكن بعد إدماني على المسكنات بدأت أتشاجر معها، وأوجه لها كلمات سيئة عندما ترفض إعطائي المال".
وقع هشام في فخ إدمان الأدوية المسكنة منذ نحو سنة ونصف بعد تعرضه لحادث سير تسبب بـ 13 كسراً في عظام ساقه.
اقرأ أيضاً: 5 جهات يُسمح لها باستيراد وتصدير المواد المخدّرة في سوريا
وتدرج خلال علاجه من مسكنات الألم العادية وصولاً إلى إدمان الأدوية المسكنة المركزية، أي التي تحتوي على الأفيون المخدر وتعمل على مستقبلات نوعية تتوضع في الجملة العصبية المركزية.
سوق سوداء للأدوية المسكنة
كمال، ممرض يعمل في أحد مستودعات الأدوية شمالي سوريا، بدأ تزويد هشام بأنواع متعددة من المسكنات الممنوع بيعها إلا بوصفة طبية.
وعن ذلك يقول هشام إن كمال كان يستغل حاجته للأدوية المسكنة، ويبيعه مسكنات يحصل عليها من المستودع بطرق غير شرعية، بأسعار مرتفعة تصل إلى 20 ضعف ما هي عليه في الصيدلية.

وتنتشر في شمال غربي سوريا، مستودعات أدوية لا تلتزم بالتحذيرات الطبية، وليس من الصعب شراء الأدوية منها من دون وصفة طبية وبخاصة الأدوية المسكنة، لكسب أرباح طائلة، ويصف أهالي أصحاب تلك المستودعات بأنهم "تجار أدوية".
ويعود تفاقم مشكلة تعاطي الأدوية المسكنة وإدمانها إلى ضعف الرقابة على مستودعات الأدوية والصيدليات شمالي سوريا، وتركيز الهيئات الطبية على الحالات المرضية الإسعافية وبخاصة ضحايا القصف والعمليات العسكرية خلال سنوات الحرب، بحسب ما أجمع عليه أطباء وصيادلة يعملون شمال غربي سوريا.
إدمان الأدوية المسكنة .. راحة قصيرة تتبعها عواقب وخيمة
أسعد (اسم مستعار) مقاتل يعيش في شمالي سوريا، فضل عدم ذكر اسمه واسم الفصيل المنتمي إليه لأسباب أمنية، يعاني من إصابة في العمود الفقري والقدم سببها قصف جوي قبل 4 سنوات.
وتابع "ما أزال أعاني آلاماً شديدة بسبب الإصابة، وأضطر إلى شراء الأدوية المسكنة التي أدمن عليها، من السوق السوداء في حال لم أستطع الحصول عليها بوصفة من طبيب".
وعندما ينتهي تأثير الدواء المسكن في جسمه، كان يعاني من تعب عام وحالات اختلاج قد تستمر لـ 24 ساعة، فضلاً عن انقطاع الشهية والدوار.

في حين، نجح هشام بالإقلاع عن إدمان الأدوية المسكنة بمساعدة أحد الأطباء بعد محاولات عدة كان نصيبها الإخفاق.
وبعد تجربته مع الإدمان يحذر الحالات المشابهة لحالته من الانزلاق في فخ إدمان الأدوية المسكنة، كما يوجه نصيحة لكل مريض بعدم تعاطي تلك الأدوية إلا بقدر يحدده الطبيب، لأنها راحة قصيرة تتبعها أوجاع عظيمة، وعواقب نفسية وجسدية ومالية.
أما أسعد فلا يزال يحاول التخلي عن إدمان الأدوية المسكنة، عبر التخفيف من الجرعات والاستماع لنصائح الأطباء.
وينصح المصابين وبخاصة (الإصابات العظمية) بالتوقف عن تناول المسكنات حين شفاء الإصابة، كي لا يتحول إلى الإدمان وتداعياته الخطيرة.
ويتمنى على الأطباء مساعدة المصابين في الحصول على أدوية مسكنة تخفف آلامهم بطريقة علمية تبعدهم عن الإدمان.
لا مصحات ومراكز لعلاج الإدمان شمالي سوريا!
بشر حاج حسين، أحد العاملين في اتحاد منظمات الإغاثة والرعاية الطبية (ussom) أكد أنه "لا يوجد مراكز تأهيل مدمنين مخدرات و مسيئي استخدام المواد الطبية في شمال سوريا".
ويوجد فقط في تلك المناطق مستشفيات متخصصة بالصحة النفسية تستقبل حالات إدمان بشكل مؤقت من 16 يوماً إلى شهر، وتقتصر على استقبال الحالات المصحوبة بأعراض ذهانية، أي الاضطرابات العقلية، بحسب حاج حسين.
وعن أسباب غياب مصحات العلاج من الإدمان، قال الطبيب النفسي في وحدة الأمراض العقلية والنفسية في سرمدا بريف إدلب أحمد عثمان، إن قلة الكوادر المتخصصة يحول دون إنشاء مثل تلك المصحات.
في حين يعود غياب مصحات العلاج من الإدمان بشكل رئيس، بحسب الطبيب، إلى صعوبة تأمين الأدوية المعالجة للإدمان، وعلى دخولها إلى سوريا من تركيا خطوطاً حمر وتعقيدات كبيرة".

وكشف الطبيب النفسي موفق عموري وكان مديراً في مصح "إنقاذ الروح" في إدلب، الذي أغلق مؤخراً بسبب توقف الدعم، إن هناك متابعة حالياً لعدد من حالات الإدمان في المنازل، دون أن يعطي رقماً لعدد تلك الحالات.
وعن التعامل مع إدمان الأدوية المسكنة في شمالي سوريا في ظل غياب المصحات، قال حاج حسين إن "الاستجابة تقتصر على المستوى الوقائي من خلال حملات توعية من أضرار سوء استخدام المواد الطبية".
ونظمت هيئات طبية وتعليمية في شمال غربي سوريا ورشات ومؤتمرات بهدف نشر التوعية بالآثار السلبية لإدمان المسكنات، لكن لا يمكن التأكد من مدى فاعليتها، بخاصة أنها تقف عند حدود التوعية.
اقرأ أيضاً: تعرف إلى مراحل العلاج من إدمان المخدرات
ولا توجد إحصائيات رسمية لعدد المدمنين في شمالي سوريا، لأسباب عدة منها عدم وجود سلطة واحدة، وحالة الحرب التي تعيشها المنطقة، وعدم وجود مستشفيات متخصصة بالإدمان.
طريقتان للتعامل القانوني مع جرائم المخدرات بحسب الحكومة!
المحامي حسام سرحان، أشار إلى أن المحاكم في مناطق الحكومة السورية المؤقتة بريف حلب شمالي سوريا، تطبق قانون المخدرات السوري لعام 1993 للتعامل مع حالات التعاطي والاتجار وجرائم المخدرات.
بدوره، لفت المحامي محمد خير أيوب، الذي يمارس المحاماة في مناطق الحكومة المؤقتة شمالي سوريا، إلى أن التعامل قضائياً مع جرائم المخدرات ومنها التعاطي يقتصر على الجانب الجزائي لغياب وجود مصحات لعلاج مدمني المخدرات.
ولا يوجد في قانون المخدرات السوري، نص آمر يقضي بإحالة متعاطي المخدرات إلى مصح للعلاج، لكن ما قبل 2011 كانت أكثر من 90 في المئة من حالات التعاطي والإدمان تحال من القضاء إلى مصحات علاجية، بحسب أيوب.
وحذر المحامي أيوب من تفشي ظاهرة تعاطي وترويج اتجار المخدرات شمالي سوريا، موضحاً أن المخدرات باتت في متناول اليد في تلك المناطق وهذا أمر "خطير جداً"، وفق وصفه.
أما في مناطق "حكومة الإنقاذ" فإن عقوبة تعاطي المخدرات التي تصدرها المحاكم تتراوح بين شهر إلى ثلاثة أشهر إضافة لدورة إعداد شرعية إجبارية يتبعها المتعاطي.
ويحاكم بجرم الإتجار بالمواد المخدرة بالحبس حتى خمس سنوات مع غرامة مالية يحددها القاضي.
ويبقى أفضل ما يمكن تطبيقه على المتعاطين هو العلاج، وتوفير مراكز صحية لتخليصهم من الإدمان، وتأهيلهم لإعادة دمجهم في المجتمع من جديد.
*أُنجِزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا وفلسطين/غزة واليمن والسودان، من تنظيم "أوان" وبدعم من منظمة "دعم الإعلام الدولي (International Media Support)".