تقارير | 19 07 2021
روزنة
احتلت سوريا المرتبة الأولى كواحدة من أبرز منتجي النفط والغاز في منطقة البحر الأبيض المتوسط الساحلية.
وفي ذلك الوقت، كانت عائدات النفط والغاز في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، تمثل جزءا كبيرا من إجمالي الناتج المحلي لسوريا.
في الواقع، من الصعب المبالغة في الأهمية الاستراتيجية لقطاع الطاقة في البلاد بالنسبة لاستقرار البلاد. ومن الناحية النسبية، في السياق الأوسع لمنتجي الشرق الأوسط، تُعتبر سوريا واحدة من أصغر مصدري النفط والغاز، وتشكّل الإيرادات التي تدُرّها المواقع التي تديرها شركة البترول السورية ما يقدر بنحو 25 في المئة من إجمالي الإيرادات الميزانية السورية قبل سنة 2011.
تسيطر حكومة النظام السوري على إنتاج وتصدير النفط والغاز والمعادن، وتضع الشركة العامة للبترول السورية استراتيجية للتنقيب والتطوير وتُشرف على الشركات الوطنية التابعة، بما في ذلك الشركة السورية للنفط والشركة السورية للغاز.
كما هو الحال في العديد من البلدان النامية الأخرى، يعتمد قطاع الطاقة المؤمّم في سوريا بشكل كبير على الدعم الخارجي من الشركات الأجنبية للاستثمار التمهيدي في مجال التنقيب والتطوير.
كنتيجة لذلك، تعمل الشركة السورية للنفط من خلال اتفاقيات تقاسم الإنتاج تدار من خلال العديد من الشركات الفرعية، بما في ذلك شركة حيان للبترول وشركة الفرات للبترول وشركة دير الزور للبترول.
خلال العقد الذي سبق اندلاع انتفاضات الربيع العربي في سوريا في سنة 2011، سعى نظام السوري جاهدا لجذب الاستثمارات الأجنبية في صناعة إنتاج الطاقة.
وفي سنة 2000، كان إنتاج النفط السوري خلال مرحلة ما بعد "الاتحاد السوفيتي" في مرحلة من الاستثمار الروسي المكثف في قطاع الطاقة السوري، وصدّرت الشركات السورية التابعة للشركة السورية للنفط حوالي 581 ألف برميل يومياً من النفط الخام الحامض الثقيل.
كانت معظم الصادرات من هذه المرافق مخصصة للأسواق الأوروبية. في ذلك الوقت، كان خط أنابيب بانياس يُنتج حوالي 150 ألف إلى 250 ألف برميل في اليوم، ومعظمها جاء من حقول النفط في كركوك التي كانت لا تزال تدار في ذلك الوقت في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء التابع للأمم المتحدة.
اقرأ أيضاً: عمليات مجموعة فاغنر الروسية في حقل غاز الشاعر بحمص
في حين أن شركات النفط الأمريكية والأوروبية الكبرى مثل شركة "كونوكو فيليبس" و"شل" و"توتال" باعت النفط الذي يُضخّ من خط الأنابيب في السوق المفتوحة في ما بدا أنه انتهاك صارخ للعقوبات، أنشأت الشركات الروسية المدعومة من الدولة سوقا رمادية بديلة واستفادت أيضا بشكل كبير من مبيعات النفط من خط أنابيب بانياس.
مع ذلك، أدت سنوات من سوء الإدارة الحكومية والعزلة السياسية الناجمة إلى حد كبير عن عداوتها لإسرائيل، ودعم حركة حماس وحزب الله، وتطوير الأسلحة الكيماوية، أدت إلى تعقيد آفاق الاستثمار الأجنبي طويل الأجل لقطاع الطاقة السوري.
وازداد الوضع سوءاً بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على النظام السوري لتورطه في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني، رفيق الحريري، في سنة 2005.
وتزامنت العزلة الاقتصادية المتزايدة لسوريا مع بداية طفرة نفطية عالمية كبرى أدت إلى تعزيز قوة الاقتصاد الروسي المُثقل بالمديونية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والذي أدى بدوره إلى تغيير علاقات موسكو مع عدد من الأنظمة العربية.
بعد فترة طويلة من العمل المتقطع في مطلع القرن الحادي والعشرين، أخذ الاستثمار الأجنبي في قطاع الطاقة السوري في الارتفاع، مع زيادة ملحوظة في الاستثمار الروسي في قطاع الغاز تزامنت مع نضوج الاستثمارات الأولية السابقة في قطاع النفط والغاز في سوريا.
وكانت شركات الطاقة التي تعود أغلب ملكيتها لدولة روسيا، مثل "غازبروم"، و"سويوزنيفتاغاز"، و"ستروي ترانس غاز" من بين الشركات الأجنبية الرائدة التي استفادت من هذه النقلة، حيث اكتسبت كل منها حصة أكبر في السوق مع ازدياد انعزال المجتمع الدولي ضد الأسد.
تعدّ الدولة الروسية صاحبة أغلبية الأسهم في تكتلات الطاقة الثلاث التي كان يترأسها أشخاص مقربون من فلاديمير بوتين عملوا إلى جانبه في مراحل مختلفة، إما خلال فترة عمله في جهاز الاستخبارات السوفيتية "كيه جي بي"، أو بحكومة سانت بطرسبرغ، أو لاحقًا كجزء من حاشيته الرئاسية.
خلال هذه السنوات، أدى اعتماد سوريا المتزايد على الاستثمار الأجنبي في قطاع الطاقة إلى ترسيخ العيوب الهيكلية الشائعة في العديد من الدول النفطية.
في النهاية، أسفرت الصناعة المؤمّمة في البلاد والاعتماد على الشركات الأجنبية عن أرباح ضعيفة، حيث قوبل صافي الدخل من صادرات النفط بالأتاوات المدفوعة للشركات المنتجة الدولية.
وفقا لما أشار له الباحث ديفيد باتر، قلّلت إعانات المنتجات البترولية للسوق المحلية السورية من إمكانات الأرباح بشكل أكبر، وغذّت نمو مبيعات تصدير السوق الرمادية للوقود المدعوم بأسعار أعلى بكثير في البلدان المجاورة؛ لبنان وتركيا والأردن.
ونظراً لأن الأجهزة الأمنية والجيش والقوات الجوية على وجه الخصوص، كانت من بين أكبر مشتري الوقود المدعوم، برز بطبيعة الحال كبار المسؤولين في قطاع الأمن كسماسرة رئيسيين في قطاع تصدير الطاقة في البلاد.
وانطوى على ذلك أيضا بروز المسؤولين السوريين الذين تربطهم صلات قوية بالأجهزة الأمنية في البلاد كشخصيات أساسية في السمسرة في صفقات قطاع الطاقة مع الشركات الروسية المدعومة من الدولة.
في العقدين اللذان سبقا الربيع العربي، تولّى أفراد عائلة الأسد والحلفاء المقربون من النخب الحكومية ذات الأغلبية إدارة صادرات الحكومة من النفط الخام إلى أوروبا، التي كانت تاريخيّا سوقا أساسيا للدرجة الخاصة التي يتّسم بها الخام السوري الثقيل عالي الكبريت.
خلال الفترة نفسها، أصبحت شركات الطاقة الروسية تهيمن على جزء كبير من قطاع الطاقة في أوروبا. وبرزت شركة "ستروي ترانس غاز"، التي كانت تتبع لشركة "غازبروم" الروسية فيما سبق، ومملوكة في الوقت الراهن لمجموعة "فولغا"، من بين أنشط الشركات في تطوير الطاقة الإنتاجية للغاز والنفط في سوريا خلال هذه الفترة.
كيف يتوزع قطاع النفط في سوريا؟
يقع جزء كبير من إنتاج النفط والغاز وتطويره في تلك المنطقة ضمن نطاق ما يسمى بمنطقة حيان لحقول الهيدروكربون. ووفقاً للدوريّات المعنية بصناعة الطاقة، وسجلات الشركة، والتقارير الإعلامية، أدارت شركة حيان للنفط، إلى جانب شريكها التشغيلي، شركة "إينا" الكرواتية لصناعة النفط، بإدارة حقول النفط والغاز التابعة لمنطقة حيان التي شملت حقول جزال وجهار والمهر، بموجب اتفاقية استكشاف يعود تاريخها إلى أواخر التسعينيات.
علاوة على ذلك، تشير إحدى الدراسات الاستقصائية والبحوث في صناعة النفط والغاز التي أجراها علماء جيولوجيا كرواتيين إلى أن شركة "إينا" اكتشفت احتياطيات الهيدروكربون لأول مرة في نيسان/ أبريل سنة 2002 في موقع حقل جهار، ثم عثرت على احتياطيات تدمر والمهر في وقت لاحق من السنة نفسها.
بعد ثلاث سنوات من هذه الاكتشافات، شرعت شركتا "إينا" وحيان للنفط بالإنتاج لأول مرة في موقع جهار في أواخر آب/ أغسطس سنة 2005. وبينما دخلت الحقول الأخرى التابعة للمنطقة نفسها، بما في ذلك جزال، قيد التشغيل بداية من سنة 2007.
يرتبط حقل الشاعر للغاز بمعمل إيبلا لمعالجة الغاز الواقع بين مدينة حمص وتدمر، وهو أيضاً مصدر رئيسي للغاز الطبيعي المسال في منطقة حيان. ونظرا لتمتّعه باحتياطيات قادرة على إنتاج ما يقدر بنحو ثلاثة ملايين متر مكعب في اليوم، يعد حقل الشاعر مفصلاً أساسياً في السلاسل الإقليمية لإمدادات الطاقة وتصديرها.
إلى جانب حقل إبيلا، يشكّل حقل الشاعر رابط إمداد رئيسيّ في مشروع خط أنابيب الغاز بين العراق وإيران وسوريا المتوقّف منذ فترة طويلة.
(منطقة حقول الغاز وسط سوريا - eqtsad)المصالح الروسية و حقول النفط السورية
في سنة 2010، بدأ الإنتاج في حقل الشاعر أولاً بالتزامن مع إطلاق مشروع مشترك بين شركة "سنكور" الكندية وشركة "إيبلا" السورية للغاز في تطوير حقل إيبلا للغاز، ثم عاد في سنة 2011 مع مخطط التطوير المشترك لحقل غاز جهار بين شركة "إينا" الكرواتية وشركة حيان للنفط. وأدّى المشروعان مجتمعان إلى زيادة طاقة إنتاج الغاز في سوريا بأكثر من النصف. في المقابل، تسبّب اندلاع الحرب الأهلية في تراجع حاد في إنتاجية قطاع الطاقة.
في كانون الثاني/ يناير سنة 2012، ورد أن شركة "إينا" استندت إلى بند الأحكام القاهرة في ترتيبها لاستغلال منطقة حيان، مشيرة إلى أن "مشيئة الرب" غير المتوقّعة حالت دون مواصلة العمل في الموقع.
ويقال إنها أوقفت العمليات في منطقة الشاعر بعد اندلاع الحرب وفرض عقوبات الاتحاد الأوروبي على نظام الأسد. وفي النهاية، سحبت شركتا "إينا" و"سنكور" موظفيها المغتربين من الشركة. ومن حينها، انخفض الإنتاج في الموقع بشكل كبير.
من المثير للاهتمام أنه في الوقت نفسه تقريباً الذي وجدت فيه شركة "إينا" نفسها تكافح من أجل تعويض الإيرادات المفقودة بصدد الحرب في سوريا، بدأت شركة "غازبروم" الروسية العملاقة في الضغط بقوة لشراء أحد المساهمين الرئيسيين في "إينا"، وهي شركة النفط المجرية "مول".
وأواخر سنة 2019، لم تتمّ الصفقة بعد، ويعزى ذلك جزئياً للجهود المتضافرة التي تبذلها الحكومة الكرواتية لإيجاد بدائل أكثر استدامة لهيمنة روسيا على سوق إنتاج الغاز ونقله في جنوبيّ شرقيّ أوروبا.
مع ذلك، كان لشركة "غازبروم"، من خلال حصة الأقلية التي كانت تمتلكها في "مول" في بداية 2011 على الأقل حصة غير مباشرة في التعافي الناجح للبنية التحتية التي تديرها شركتا "حيّان" و"إيبلا".
ويُفترض أن حصة "غازبروم" في "مول"، سواء كانت أقلية أو أغلبية، ستساعد أكبر شركات الطاقة المملوكة للدولة في روسيا على اكتساب نفوذ في شؤون "إينا" في نهاية المطاف، مما يوفر لشركة "غازبروم" حافزاً قوياً للاستثمار في استعادة وحماية ممتلكات "إينا" في سوريا، بما في ذلك حقول منطقة حيّان.
بالمثل، ستستفيد شركة "ستروي ترانس غاز"، باعتبارها واحدة من كبرى الشركات الروسية المدعومة من الدولة المستثمرة في بناء وتطوير وصيانة البنية التحتية لمعالجة الهيدروكربونات في سوريا ومعاملتها ونقلها، بدورها من استغلال منطقة حيان، وبشكل أكثر تحديداً من حقل الشاعر كأحد المستثمرين الرئيسيين في واحدة من أهم محطات معالجة احتياطيات منطقة حيان.
نتيجة لذلك، ليس من المستغرب نشأة شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والتجارية بين "ستروي ترانس غاز" وشركات الطاقة السورية الثلاث التي تديرها الدولة والمسؤولة عن الإشراف على حقول الغاز المربحة في منطقة حيان، التي تشمل محطة معالجة الغاز في الشاعر وإدارتها، وهي الشركة السورية للنفط وشركة "إيبلا" للنفط وشركة حيان للنفط.
أدّى تلاقي المصالح بين "ستروي ترانس غاز" وشركات النفط والغاز التي تديرها الدولة في سوريا إلى ظهور شبكات جديدة بين الأفراد والكيانات التي تخدم عقود "ستروي ترانس غاز" المتعلقة بمنطقة حيان، من ضمنها شركات "إيفرو بوليس" و"فيلادا" و"ميركوري"، وهنّ ثلاث شركات روسية مرتبطة بـيفغيني بريغوجين تسهّل التمويل والخدمات اللوجستية لمشغلي الشركة الأمنية مجموعة "فاغنر".
هذه المادة التحقيقية مترجمة من موقع "newamerica" وملحقة بفصول لاحقة توضح كل الدلائل التي جمعت بخصوص تورط مقاتلي مجموعة الفاغنر في عمليات قتل داخل سوريا.