تقارير | 22 12 2020
هبة الخاروف
هل فكرت يوماً أنك ستشعر بالسعادة لمجرد رؤية حذاءٍ بالٍ مرمي في إحدى الطرقات؟ الأمر ربما لا يعنيك، لكنه يعني كثيرين من مهجري ونازحي سوريا.
"بالنسبة لي أن أعثر على فردة حذاء بالشارع وكأني وجدت 500 ليرة!!.. إي طبعاً لأن حرق الحذاء يؤمن تسخين ماء لحمام ولد من أولادي"، يقول راتب مهجر من الغوطة الشرقية إلى عفرين شمالي سوريا.
ويوضح راتب لـ "روزنة": أن "وقود المدافئ أصبح الثياب المهترئة أو البالة بأنواعها (أحذية، ألبسة قماشية، ألعاب، أثاث، حقائب)، إذ أنها أرخص من الحطب ومتوفرة".
"الجينز والقماشات التي يدخل في صناعتها النايلون هي المفضلة للحرق والتدفئة، أما أقمشة الصوف والجوخ فهي غير مرغوبة لأنها تصدر خلال حرقها رائحة كريهة تسبب ضيق نفس"، يتابع راتب.
ويعتمد معظم الأهالي والنازحين في شمالي سوريا، على "البالة" بأنواعها كوقود لانخفاض سعرها وتوفرها، إلى جانب اعتمادهم على "البالة" كلباس لهم.
وتدخل البالة إلى سوريا، على شكل "لندات" أي ربطات، بوزن بين 300 و 500 كيلوغرام لكل ربطة، ويتراوح سعر الربطة المخصصة للحرق بين 30 و 60 دولار، ويبلغ سعر الكيلو بين 500 و 600 ليرة سورية (أي نحو 20 سنت من الدولار).

وانخفضت كميات "البالة" القادمة من تركيا، إلى شمالي سوريا بسبب جائحة كورونا، وبالتالي ارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ.
ويلفت بائع البالة، إحسان لـ"روزنة"، إلى أن "مستوردي البالة يرفعون الأسعار بحجة أنها أصبحت تأتي عبر العراق بتكاليف أعلى"، مضيفاً أن "التجار على الأغلب يحتكرون كميات كبيرة من البالة كي يتحكموا بالأسعار بخاصة مع زيادة الطلب عليها حالياً".
وناشد إحسان السلطات التركية، بالسماح بإدخال "البالة" إلى شمالي سوريا، مشيراً إلى أن عدم دخول البالة من تركيا يترك السوريين تحت رحمة التجار وغلاء أسعار، حسب وصفه.
حالات تسمم وحرائق في مخيمات شمالي سوريا
رهف مهجرة من الغوطة الشرقية، وتقطن في مخيم شمالي سوريا، وصفت استخدام مادة (البيرين) للتدفئة بقولها "صح ريحتها سيئة بس بتدفي!".
وتضيف لـ"روزنة"، "في ناس بالمخيم تلجأ لحرق إطارات السيارات، وناس عم تحرق الزبالة للتدفئة، وعم يصير حالات تسمم من الرائحة ما عدا الحرايق لي عم تصير بالخيم... الله يكون بالعون".
والبيرين هو لب حبة الزيتون التي تفصلها المعاصر أثناء عملية عصر الزيتون، واستخراج الزيت، ويستخدم البيرين في صناعة الفحم، وتنتشر في شمالي سوريا معامل البيرين، لغنى تلك المناطق بأشجار الزيتون.
كما أن هناك بعض العائلات شمالي سوريا، تستخدم (الفحم الحجري) بغرض التدفئة، وعن ذلك تقول أم وائل مهجرة من الغوطة الشرقية إلى منطقة أطمة عند الحدود التركية لـ "روزنة": "أستخدم الفحم بس للحمام لأنه مؤذي وأنا عندي طفل صغير".
وتوضح "كل أولاد الحي يخضعون لجلسات تنفس بالرذاذ، جراء الدخان الناتج عن حرق الفحم".
اقرأ أيضاً: سوريا: محسوبيات المازوت تنذر بأزمة جديدة مع حلول الشتاء
أما حطب الأخشاب فأصبح نوع من "الرفاهية"، وفق أهالي في شمالي سوريا، إذ أن أسعار الحطب فاقت أسعار الغاز والمازوت.
وأضاف نازحون في شمالي سوريا لـ"روزنة" أن البعض يستخدم قشر الفستق الحلبي في التدفئة، ووصل سعر "طن" القشر إلى 130 دولار، وتجاوز سعر المدفأة الخاصة بحرق القشر الـ 200 دولار.
الدخان المنبعث يسبب أمراض خطيرة
وعن أضرار التدفئة على البالة أو الفحم والحطب، يقول الطبيب نديم محمد، اختصاصي طب أسرة، لـ"روزنة" إن "التدفئة بالحطب أو الفحم أو حرق المواد البلاستيكية والأحذية ينتج عنه انبعاث غاز ثاني اكسيد الكربون الضار".
ويوضح محمد أن "ذلك الغاز يسبب ضرراً للجهاز التنفسي، وقد يسبب حالات تسمم إذا لم يتم تصريف الدخان الناتج بشكل صحيح".
كما أن احتراق البلاستيك يبعث مواداً خطيرة على القصبات الهوائية وباقي الجسم، وقد تكون عاملاً من العوامل التي تسبب مرض السرطان على المدى البعيد في أي جهاز من الجسم، وليس الجهاز التنفسي فحسب، وفق الطبيب محمد.
بعد وفاة عائلة اختناقاً… نصائح للنازحين تحفظ سلامتهم في المخيمات
ويلفت الطبيب إلى أن أكثر الفئات المتضررة من الغازات الناتجة عن الاحتراق، هم الأطفال دون خمس سنوات، إذ تزيد فرص إصابتهم بمرض فيروسي شائع هو"التهاب القصبات الشعرية".
ونصح الطبيب محمد، أن يكون مجرى المدفأة سالكاً لتنبعث الغازات السامة بالهواء، كما شدد على عدم حرق المواد التي تحتوي على البلاستيك والأحذية، لأنها أكثر خطراً من الفحم والحطب.
واعتمد كثير من السوريين في التدفئة وتحضير الطعام، خلال حصار قوات النظام السوري لمناطق عدة في سوريا في السنوات الماضية، على حرق إطارات السيارات والمواد البلاستيكية، وغير ذلك.
ويقدّر عدد المخيمات في شمال غربي سوريا حوالي 1200 مخيم، يقطنها ما يقارب مليون ونصف شخص، يعيشون ظروفاً معيشية قاسية.