«سوريا بلا مخيمات».. ما الذي ينقص النازحين للعودة إلى منازلهم؟

«سوريا بلا مخيمات».. ما الذي ينقص النازحين للعودة إلى منازلهم؟

تقارير | 11 10 2026

مارينا منصور

«أمي مريضة، وتحتاج إلى عناية طبية. إذا حدث طارئ، كيف سأسعفها من دون مواصلات أو مشفى؟»

بهذا السؤال تختصر ملاذ المحمد، وهو اسم مستعار، جانباً من مخاوف العودة إلى قريتها في ريف حلب، بعدما نزحت مع عائلتها إلى إعزاز عام 2020.

فبالنسبة إلى ملاذ، لا تنتهي مشكلة العودة عند منزل تقول إن قصف النظام السابق دمّره حتى الأساسات؛ إذ تحتاج أسرتها أيضاً إلى خدمات صحية يمكن الوصول إليها، ووسائل نقل، ومقومات تتيح لها تأمين احتياجاتها اليومية.

وفي وقت تتحدث فيه الحكومة السورية عن مبادرة «سوريا بلا مخيمات»، بوصفها جزءاً من مسار التعافي وإنهاء النزوح، تكشف تجربة ملاذ عن سؤال يتجاوز إمكانية مغادرة المخيم: ماذا ينتظر الأسر في مناطقها الأصلية، وما الذي تحتاج إليه لتتمكن من البقاء فيها؟

وخلال كلمته أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في 23 أيلول 2026، تحدث الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عن المبادرة، التي تستهدف إنهاء حقبة اللجوء والنزوح.

لكن بين الهدف المعلن وتجارب أسر تعوقها المنازل المدمرة والخدمات الغائبة عن العودة، يبرز اختبار أساسي للمبادرة: هل تتوافر للنازحين شروط العودة الآمنة والكريمة والمستدامة، بما يتيح لهم استعادة حياتهم، لا مجرد الانتقال من مكان إلى آخر؟

العودة تحتاج إلى أكثر من منزل

تقول ملاذ لروزنة إن إعادة بناء منزل عائلتها تحتاج إلى مبالغ تفوق قدرتهم المادية، لكن تأهيل السكن، على أهميته، لا يمثل سوى جزء من احتياجات العودة.

وتضع الصحة والتعليم في مقدمة احتياجات قريتها، إلى جانب الكهرباء والمواصلات وإمكانية شراء المستلزمات الأساسية. فغياب هذه الخدمات يجعل العودة محفوفة بالمخاطر، خصوصاً بالنسبة إلى الأسر التي تضم مرضى أو أشخاصاً يحتاجون إلى رعاية مستمرة.

وتشير ملاذ إلى صعوبة العودة بالنسبة إلى الأمهات اللواتي يتحملن وحدهن مسؤولية إعالة أسرهن، ولا سيما الأرامل، في ظل تساؤلات عن فرص العمل والدعم المتاح في مناطق لم تستعد خدماتها بعد.

وتقول إن بعض النساء لم يعد بإمكانهن الاعتماد على المساعدة التي كن يحصلن عليها من أقاربهن أو أقارب أزواجهن، في وقت يتحملن فيه مسؤولية تأمين احتياجات الأطفال ورعايتهم.

وتختصر ذلك بالقول: «الله يساعد الأمهات اللواتي يلعبن دور الأم والأب».

وتتقاطع المخاوف التي تطرحها ملاذ مع ما يرصدُه تقرير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن الحماية وإعادة الإدماج في سوريا خلال الربع الثاني من عام 2026، بشأن التحديات الاقتصادية ومخاطر الحماية التي قد تواجه الأسر التي ترأسها نساء.

ويرصد التقرير استمرار الحواجز البنيوية والأعراف الاجتماعية التي تحد من وصول النساء إلى فرص عمل مستقرة ومستدامة، ما يزيد صعوبة تأمين احتياجات أسرهن واستعادة مصادر الدخل بعد العودة.

وتكتسب هذه الاحتياجات أهمية إضافية في ظل استمرار النزوح على نطاق واسع. ففي بيان نُشر على موقع الأمم المتحدة في سوريا في 23 تموز 2026، أشارت المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، باولا غافيريا بيتانكور، إلى بقاء نحو 5.5 ملايين شخص نازحين داخل البلاد، فيما يحتاج 15.6 مليون شخص في سوريا إلى مساعدات إنسانية.

وتعكس هذه الأرقام حجم الاحتياجات التي يتعين التعامل معها، فيما تطرح شهادات النازحين أسئلة أكثر تحديداً عن كيفية ترجمة خطط العودة إلى مساكن صالحة للحياة وخدمات يمكن الاعتماد عليها ومصادر دخل تتيح للأسر الاستقرار.

من يمول إصلاح المنازل؟

لا تختلف العقبات التي تواجه تالا العمر، وهو اسم مستعار أيضاً، كثيراً عن تلك التي تتحدث عنها ملاذ. فقد نزحت مع عائلتها من ريف إدلب الجنوبي إلى الريف الشمالي عام 2019، وتقول إن حجم الدمار في منطقتها يحول دون عودتهم.

وتقدّر تالا كلفة تأهيل المنازل المتضررة بما يتراوح بين 15 و20 ألف دولار، وفق تقديرها الشخصي، مشيرة إلى أن أسرتها لم تتلقَّ دعماً أو تعويضاً يساعدها على إصلاح منزلها.

وفي منطقة كفرنبل، تقول إن الأهالي بادروا بجهود فردية إلى ترميم مدرسة ومستوصف، لكن إعادة تأهيل المنطقة، برأيها، تحتاج إلى تدخل حكومي أوسع، يشمل الخدمات الأساسية والمساعدة في إصلاح المنازل.

وتطالب تالا الحكومة والمنظمات بتقديم دعم يتيح للأسر العودة بكرامة، مشيرة إلى أن أي جهة لم تتواصل مع أسرتها حتى الآن لترتيب عودتها أو مساعدتها على تأهيل المنزل.

وتكشف شهادتا ملاذ وتالا عن جانبين متكاملين من معضلة العودة: الحاجة إلى مساكن يمكن إصلاحها أو إعادة بنائها، وإلى خدمات ومصادر دخل تجعل البقاء في مناطق الأصل ممكناً.

فحتى عندما تتمكن الأسرة من تأمين الحد الأدنى من إصلاح منزلها، فإن غياب الخدمات الصحية والتعليمية ووسائل النقل قد يجعل العودة غير قابلة للاستمرار. وفي المقابل، لا تكفي إعادة تأهيل المرافق العامة إذا بقيت المنازل خارج قدرة أصحابها المالية.

من هنا، يصبح السؤال عن تمويل إصلاح المساكن وشروط الاستفادة من الدعم جزءاً أساسياً من تقييم مسار العودة، إلى جانب حجم المشاريع الخدمية ومواعيد تنفيذها.

ماذا تتضمن مبادرة «سوريا بلا مخيمات»؟

في ردها على روزنة، تقول إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث إن المبادرة تستهدف تحقيق عودة آمنة وكريمة وطوعية ومستدامة للنازحين في المخيمات السورية، من خلال معالجة مسببات النزوح ومعوقات العودة، وتأهيل البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية في مناطق الأصل.

وتوضح الوزارة أن المرحلة الحالية تركز على حلب وإدلب، مع استكمال إحصاء مخيمات المنطقة الشرقية تمهيداً لإدراجها في مراحل لاحقة.

أما الموعد المستهدف لتحقيق الرؤية، فهو أيلول 2027، بحسب ما أعلنه وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح في مقابلة مع الإخبارية السورية في أيلول الفائت، مشيراً إلى إغلاق أكثر من 200 مخيم.

ولتهيئة المناطق المتضررة لعودة الأهالي، شُكّلت لجنة بموجب المرسوم رقم 59 لعام 2026، برئاسة وزير الطوارئ وإدارة الكوارث.

وتضم اللجنة وزراء المالية، والأشغال العامة والإسكان، والشؤون الاجتماعية والعمل، والإدارة المحلية والبيئة، ومحافظي حلب وحماة وإدلب، ومدير إدارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين.

وبحسب نص المرسوم، تتولى اللجنة تهيئة البنية التحتية في المناطق المدمرة تمهيداً لعودة الأهالي، والعمل على تحسين الخدمات للمقيمين في مناطق النزوح الداخلي وتقديم الدعم اللازم لتخفيف آثاره عنهم.

وتقول وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث لروزنة إن بيانات الأسر المقيمة في المخيمات في حلب وإدلب رُبطت بمناطقها الأصلية، بهدف تحديد أولويات التدخل.

وتضيف أن 120 منطقة في حلب وإدلب وحماة اختيرت ضمن المرحلة الأولى لتأهيل خدمات المياه والصرف الصحي والصحة والتعليم والطرق، بتمويل حكومي مباشر ومساهمات من المنظمات الإنسانية.

وتوضح هذه الإجراءات جانباً من آلية تنفيذ المبادرة، من خلال تحديد المناطق المستهدفة وربط احتياجات الأسر بمناطقها الأصلية، تمهيداً لتوجيه التدخلات الخدمية.

لكن الرد المقدم لروزنة لا يوضح حجم الدعم المخصص لإصلاح المنازل الخاصة، أو شروط استفادة الأسر منه، أو ما إذا كانت هناك آلية محددة لتقديم المساعدة إلى العائلات التي لا تستطيع تحمل كلفة التأهيل.

وتظل هذه التفاصيل أساسية بالنسبة إلى أسر مثل ملاذ وتالا، اللتين لا ترتبط عودتهما بتوافر الخدمات العامة وحدها، بل أيضاً بالقدرة على إصلاح المنزل وتأمين متطلبات الحياة بعد العودة.

المشاريع المعلنة.. متى تصل الخدمات إلى العائدين؟

شهدت الفترة السابقة إعلان مشاريع خدمية في مناطق العودة. ففي 22 أيلول، أعلنت محافظة حلب حزمة تضم 119 مشروعاً، تتجاوز قيمتها 9.25 ملايين دولار، وتشمل قطاعات المياه والصرف الصحي والتعليم والصحة.

ونقلت وكالة سانا الرسمية حينها عن مدير التخطيط والإحصاء في المحافظة أن اختيار المناطق استند إلى بيانات الأسر المقيمة في المخيمات ونواياها بشأن العودة، مشيراً إلى أن بعض المشاريع انتقل إلى مرحلة التنفيذ، ولا سيما مشاريع تأهيل المدارس.

وتقول وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، في ردها لروزنة، إن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من الشركاء الرئيسيين في المبادرة، وإنها ساهمت في الإحصاء والتنسيق ودعم بعض مشاريع التأهيل والعودة، ضمن إطار تقوده اللجنة الوطنية.

لكن الإعلان عن المشاريع لا يجيب وحده عن الأسئلة التي تواجه الأسر الراغبة في العودة: متى تصبح الخدمات جاهزة للاستخدام؟ وكيف سيُضمن استمرارها؟ وما حصة القرى التي تنحدر منها الأسر النازحة من هذه المشاريع؟ وهل ستتزامن إعادة تأهيل الخدمات مع معالجة أزمة السكن؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عند النظر إلى تعدد الاحتياجات التي تواجه العائدين. ففي كلمة خلال جلسة أممية في نيويورك في 24 أيلول، دعا رائد الصالح إلى استمرار المساعدات الإنسانية حيثما بقيت الحاجة إليها، بالتوازي مع الاستثمار في التعافي وإصلاح الخدمات واستعادة مصادر الرزق.

وأشار الصالح إلى أن العائدين يواجهون منازل متضررة وشبكات مياه معطلة ومدارس تحتاج إلى التأهيل، إلى جانب محدودية الخدمات الصحية وفرص العمل، ومخاطر الألغام ومخلفات الحرب غير المنفجرة في بعض المناطق.

وشدد على أولوية تأمين المياه للأسر العائدة، بصرف النظر عن تصنيف إصلاح الشبكات ضمن برامج المساعدة الإنسانية أو التعافي أو التنمية.

وتبرز هذه الأولوية جانباً من التحدي الذي يواجه خطط العودة: فالمطلوب ليس فقط إطلاق المشاريع، بل ضمان وصول الخدمات الأساسية إلى السكان واستمرارها، بالتوازي مع معالجة الاحتياجات الأخرى التي تحدد قدرة الأسر على البقاء.

إغلاق المخيمات نتيجة لاستقرار الناس

لا تُقاس استدامة العودة بعدد المخيمات التي أُغلقت وحده، بل بمدى قدرة الأسر على العيش في مناطقها الأصلية من دون أن تضطر إلى النزوح مجدداً بسبب غياب السكن أو الخدمات أو مصادر الرزق.

وفي بيانها الصادر في تموز 2026، رحبت المقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين داخلياً، باولا غافيريا بيتانكور، بمبادرة «سوريا بلا مخيمات»، وشددت على أن إغلاق المخيمات ينبغي أن يكون نتيجة حلول مستدامة قائمة على الحقوق.

وأشارت إلى مجموعة من العوائق التي تحول دون العودة، تشمل المنازل المدمرة، وضعف الخدمات وفرص العيش، ومشكلات السكن والأرض والملكية، والألغام ومخلفات الحرب. كما أكدت أهمية مشاركة النازحين في مسار التعافي، ومنع تعرضهم لنزوح جديد.

ويضع هذا المنظور استدامة العودة في صلب تقييم المبادرة؛ إذ لا يكفي نقل الأسر من المخيمات إلى مناطقها الأصلية إذا ظلت غير قادرة على تأمين السكن والخدمات الأساسية ومصادر الرزق التي تتيح لها البقاء فيها.

بالنسبة إلى ملاذ، تبدأ العودة بإمكانية إسعاف أمها عند الحاجة، وبالنسبة إلى تالا، تبدأ بالقدرة على إصلاح المنزل. وبين هذين الاحتياجين، يبقى اختبار «سوريا بلا مخيمات» في مدى تحويل الخطط المعلنة إلى شروط ملموسة تتيح للأسر العودة طوعاً، واستعادة حياتها، من دون أن تضطر إلى النزوح مجدداً.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

ما رأيك بمشاركة قوات من وزارة الدفاع في عمليات خارج سوريا؟

مع
ضد
لا أعرف
close icon