من اللاذقية إلى دمشق.. ماذا يغيّر قانونياً ما يفعله السائق بعد دهس طفل؟

من اللاذقية إلى دمشق.. ماذا يغيّر قانونياً ما يفعله السائق بعد دهس طفل؟

الطفل حيدر يونس

تقارير | 1 10 2026

داليا محمد

خرج حيدر يونس إلى مدرسته ولم يعد. دُهِس أمام المدرسة، ثم غادر المكان مع السائق على أساس نقله إلى المستشفى. لاحقاً، عُثر على جثمانه في بساتين دمسرخو.

قبل نحو شهرين، حدث مشهد مشابه في حي الميدان بدمشق: طفل في العاشرة تعرّض للدهس، وغادر المكان مع السائق بحجة إسعافه، قبل العثور عليه متوفياً بعد ساعات قرب مسجد الدقاق، وفق ما نشرته صفحات محلية حينها.

في الحالتين، لا تتوقف القصة عند لحظة الدهس. فبين مكان الحادث ومكان العثور على الجثمان، هناك فترة زمنية قد تحمل إجابة عن سؤال قانوني حاسم: ماذا فعل السائق بعد الحادث؟

هل تقتصر مسؤوليته على التسبب بالوفاة نتيجة حادث سير، أم يمكن أن يغيّر ما حدث بعد الدهس الوصف القانوني للقضية؟ وهل يختلف الأمر إذا كان الطفل لا يزال على قيد الحياة عندما غادر مع السائق؟

في قضية حيدر، لا تزال هذه الأسئلة تنتظر إجابات التحقيق والطب الشرعي. لكن الإجابة عنها قد تكون حاسمة في تحديد أين تنتهي مسؤولية حادث السير، وأين تبدأ مسؤولية أخرى.

بحثوا عنه في المشافي

بحسب مصدر مقرب من عائلة الطفل حيدر تحدث لروزنة، وقع حادث الدهس أمام مدرسة الطفل في ريف اللاذقية.

يقول المصدر إن السائق لم يغادر مباشرة بعد الحادث، وإنما سأل الموجودين إن كان بإمكان أحدهم مرافقته لإسعاف حيدر، موضحاً أنه ليس من سكان المحافظة ولا يعرف أماكن المشافي فيها.

لم يذهب أحد معه، على حد تعبير المصدر.

وحين وصل الخبر إلى عائلة حيدر، حاول أفرادها اللحاق بالسائق، وبدأوا البحث عن الطفل والسؤال عنه في المشافي والمراكز الصحية، لكنهم لم يعثروا عليه.

في مستوصف كرسانا بريف اللاذقية، حصلت العائلة على معلومة جديدة.

وفق المصدر، أخبرهم العاملون في المستوصف بأن شخصاً أحضر طفلاً مصاباً، لكنه كان قد فارق الحياة.

لاحقاً، عُثر على جثمان الطفل في منطقة بساتين دمسرخو، فيما يقول المصدر إن السائق المشتبه بتسببه بالحادث أوقف في مدينة بانياس.

وأرسلت روزنة تسأل المكتب الإعلامي في محافظة اللاذقية بتاريخ الإثنين 28 أيلول/سبتمبر، إن تم إيقاف السائق فعلاً، خصوصا بعد أن تداول ناشطون صورة لسيارة يظهر رقم لوحتها على أنها للسائق الذي دهس الطفل، إلا أن رد المحافظة لم يصل حتى لحظة تاريخ نشر هذا التقرير اليوم الخميس 1 تشرين الأول/اكتوبر.

ولا تملك روزنة حتى الآن نتيجة الطب الشرعي التي تحدد متى فارق حيدر الحياة، وما إذا كانت الوفاة حدثت فور الدهس أو بعده.

هذه المعلومة تحديداً قد تكون أساسية في تحديد المسؤولية القانونية عما حدث.

ماذا يغيّر ما حدث بعد الدهس؟

ينظم قانون السير والمركبات رقم 31 لعام 2004 المسؤولية عن حوادث السير، لكن المادة 199 منه تنص على عدم الإخلال بالعقوبات الأشد الواردة في التشريعات النافذة.

وفي حالات التسبب بالموت، تكون عقوبة المادة 550 من قانون العقوبات، وهي الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، أشد من عقوبة الحبس الواردة في قانون السير، ولذلك يصار إلى تطبيقها، وفق الموسوعة القانونية السورية.

يقول المحامي فراس سعيد لروزنة إن التسبب بوفاة شخص نتيجة حادث سير يدخل في الأصل ضمن الجرائم غير المقصودة. لكن وقوع الدهس لا ينهي، وحده، البحث في مسؤولية السائق.

فسلوكه بعد الحادث يدخل أيضاً ضمن الظروف التي ينظر إليها القانون والقضاء، وفق سعيد.

ويشرح أن محاولة إسعاف المصاب ومساعدته يمكن أن تؤخذ في اتجاه التخفيف، بينما التملص من مساعدته أو الهرب بعد الحادث يدخلان في الاتجاه المعاكس.

وتبقى للقاضي، وفق سعيد، سلطة تقديرية في تحديد العقوبة بين الحدين الأدنى والأعلى، بعد النظر إلى الملابسات المحيطة بكل حادثة وتصرف السائق خلالها وبعدها.

لكن ماذا لو بدأ السائق فعلاً بمحاولة إسعاف المصاب، ثم تخلى عنه لاحقاً؟

هنا، لا تعود الإجابة مرتبطة بحادث السير وحده. هل كان حياً عندما تُرك؟ يفرق سعيد بين احتمالين أساسيين.

الأول أن يكون المصاب قد توفي نتيجة حادث الدهس قبل التخلي عنه. في هذه الحالة، تبقى الوفاة، وفق شرحه، مرتبطة أساساً بحادث السير، بينما يمكن أن تدخل الأفعال اللاحقة ضمن تقدير المسؤولية القانونية والعقوبة.

أما الاحتمال الثاني، فهو أن يكون المصاب لا يزال حياً حين جرى التخلي عنه، وأن تكون لديه فرصة للنجاة لو استُكمل إسعافه. هنا يمكن أن يتغير التكييف القانوني للقضية.

يقول المحامي سعيد إنه إذا أثبت التحقيق أن المصاب كان حياً، وأن عدم استكمال إسعافه كان سبباً في وفاته بينما كان يمكن إنقاذه، فقد تخرج القضية من نطاق الوفاة غير المقصودة، ويصبح البحث ممكناً في وجود قصد جرمي.

ومن الاحتمالات القانونية التي يطرحها المحامي في هذه الحالة ما يعرف بـ"القصد الاحتمالي"، أي أن يقدم الشخص على فعل وهو يتوقع إمكانية حدوث النتيجة ويقبل بالمخاطرة بها.

لكن مجرد العثور على المصاب متوفياً في مكان آخر لا يكفي للوصول إلى هذا التكييف.

فالتحقيق والطب الشرعي، بحسب سعيد، هما اللذان يمكنهما تحديد ما إذا كان الشخص توفي نتيجة الحادث مباشرة، أم بقي حياً بعده، ومدى ارتباط ما حدث لاحقاً بوفاته.

وفي حالة حيدر، تجعل هذه النقطة تحديداً معرفة ما حدث بين خروجه من أمام المدرسة والعثور على جثمانه ضرورية، قبل الجزم بالوصف القانوني لما جرى.

التنازل عن الحق الشخصي لا يسقط الحق العام

حادثة الطفل في حي الميدان بدمشق انتهت، وفق ما نشرته صفحات محلية، بتوقيف المتسبب بحادث الدهس، لكنها شهدت لاحقاً تطوراً آخر.

فقد أعلنت صفحة محلية عن تدخل "مجلس صلح الميدان" لإنهاء النزاع الناشئ عن الحادثة، وقالت إن مصالحة تمت بين الطرفين، وإن والد الطفل تنازل عن حقه الشخصي تجاه السائق.

لكن هل يعني تنازل عائلة الضحية انتهاء القضية؟

يفرق المحامي سعيد هنا بين حقين: الحق الشخصي والحق العام.

فالحق الشخصي يعود إلى المتضررين من الجريمة، وفي حالة وفاة طفل يمكن لورثته إسقاط هذا الحق.

أما الحق العام، فلا تملكه العائلة، حسب المحامي. يقول : "إن الحق العام هو حق الدولة في ملاحقة الجرائم والعقاب عليها، وبالتالي فإن إسقاط عائلة الضحية حقها الشخصي لا يعني إسقاط الملاحقة العامة بحق المتسبب بالحادث".

لكن المصالحة يمكن أن يكون لها أثر عند تقدير العقوبة في الجرائم غير المقصودة.

ويوضح المحامي سعيد هنا أن إسقاط الحق الشخصي من الظروف التي قد تدفع باتجاه تخفيف العقوبة، بينما يمكن أن تدفع ظروف أخرى في الاتجاه المعاكس، مثل الهرب أو عدم مساعدة المصاب أو التخلي عنه.

وفي النهاية، يعود للقضاء أن يوازن بين هذه الظروف وفق وقائع كل قضية.

ما بين لحظتين

في حادثتي اللاذقية ودمشق، بدأ المسار المعلن بالطريقة ذاتها تقريباً: حادث دهس، ثم مغادرة الطفل مع السائق على أساس نقله للعلاج، قبل العثور عليه متوفياً في مكان آخر.

لكن التشابه بين الحادثتين لا يعني بالضرورة تطابق المسؤولية القانونية فيهما.

فبين لحظة الدهس ولحظة العثور على الجثمان تفاصيل يمكن أن تغير توصيف القضية بالكامل: هل كان المصاب حياً؟ هل وصل إلى مركز طبي؟ متى حدثت الوفاة؟ وهل كان استكمال الإسعاف يمكن أن يمنعها؟

في قضية حيدر، لا تزال بعض هذه الأسئلة بانتظار إجابات التحقيق والجهات الرسمية.

وهي إجابات لا تحدد فقط ما حدث للطفل بعد مغادرته من أمام مدرسته، وإنما تحدد أيضاً أين انتهت مسؤولية حادث السير، وأين يمكن أن تبدأ مسؤولية أخرى عما حدث بعده.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

هل تثق بأن قرارات الاستملاك في سوريا تراعي حقوق أصحاب العقارات؟

نعم
لا
إلى حد ما
close icon