مدونات | 19 09 2026
باسكال صوما
أصالة هي السرديّة قبل أن تكون الأغنية أو المغنية. هي القصة التي خُتمت بنهاية سعيدة برغم زحمة المآسي المتراكمة على الأكتاف وبين الحارات والوجوه، وبرغم الخوف على سوريا الجديدة، والجنون الإقليمي الذي يجعل الفرح صعباً ومعقداً وكثير التأويل.
نحن نحبّ أصالة ونصفّق لعودتها إلى وطنها، فعودة أصالة هي عودة كل السوريين الذي منعوا لسنوات من رؤية أهلهم وبيوتهم واستنشاق رائحة الياسمين. نصفّق من العمق لأننا كلبنانيين نفهم القصة وندري كم كان الطريق طويلاً وعائماً بالدماء السورية واللبنانية وعيون الأطفال الحزينة، وأن الأغنية ماتت مئة مرّة حتى خرجت حيّة.
نعرف القهر السوري القديم، لأن لنا واحداً يشبهه حد التماهي، ونعرف أننا لم نكن نملك في كل تلك السنوات سوى التشبّث بالموسيقى والأمل، حتى لا يقضي الخذلان على ما تبقّى منا... ونعرف أن عودة أصالة تعني أن النظام البائد سقط حقاً، ولم نكن نحلم يوم قرأنا الخبر وكتبناه بأيدينا، وأعدنا قراءته مراتٍ ومرات، حتى نتأكد أننا لسنا مخطئين ولسنا نتوهّم. أصالة تأكيد على سقوط زمن الأسد، تأكيد على أن سجن صيدنايا فارغ وأن سجن المزة وفرع فلسطين وعدرا... كلها خرج نزلاءها منها، وإن بقلوب وأجساد مدمّرة.
عادت أصالة بعد 15 عاماً إلى دمشقها، واستطاع الشعب السوري أن يصفّق لها ويفرح معها، وكأنه يصفّق لنفسه ويقول: "نعم لقد فعلناها، سقط الأسد وعادت أصالة ونحن أيضاً عدنا".
لم نستطع جميعاً أن نحضر الحفل، لكننا حقاً كنا هناك، نشارك السوريين الاحتفال بعودتهم إلى بيوتهم وإن كانت مدمّرة أو باردة، ونشارك الفنانة السورية الجميلة انهمار الدموع والمشاعر، وتلك الوقفة العظيمة بعد 15 عاماً من النفي والمقتلة السورية المتواصلة.
"ارفع راسك فوق.. إنت سوري حر"، بتلك الأغنية بدأت أصالة حفلها، وهي ليست مجرد أغنية حماسية يحبّها السوريون، بل هي رمز لانتهاء زمن من القمع والاضطهاد والرؤوس المطأطأة. يكون الغناء أحياناً السبيل الوحيد للحياة.
قالت أصالة غارقة بدموعها "والله العظيم، حتى هذه اللحظة ما زلت غير مصدقة أنني معكم"، مشيرة إلى أنها كانت تتمنى أن يجتمع السوريون في أجواء أكثر طمأنينة وأملاً. أعتقد أن كل من حضر الحفل أو تابعه من بيته، لم يكن يبحث عن سهرة "طربية" وحسب، لكنّها حاجة عميقة إلى البكاء الجماعي المكبوت، والضحك الجماعي الذي كان ممنوعاً، والغناء بلا خوف، والرقص بلا أقنعة... بالفعل بكينا وضحكنا ورقصنا وغنينا، في ليلة واحدة، وقفت خلالها أصالة أمام كل مدّاحي النظام السابق الذين حفروا لها ألف قبر وألف مكيدة، وقفت وقالت: هاءنذا، شاهدوني!
"أصالة رجعت على الشام" كما تقول الأغنية، وهذا دليل نهائي على أن الظلم لا يدوم وأن سوريا تملك فرصة جديدة... وأن الأبد مجرّد خرافة.

