تقارير | 11 08 2026
روزنة
أثار ظهور لافتة لمطعم الشيف أبو دانيال معلّقة على أحجار قلعة دمشق، خلال مهرجان "صيف سوريا للعائلة 2026"، انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي.
لم تقتصر الاعتراضات على طريقة وضع اللافتة، بل امتدت إلى سؤال أكبر: هل تتحول القلعة الأثرية إلى مساحة للمطاعم والمقاهي، أم أن هذه الخدمات جزء مؤقت ومنضبط من فعالية مفتوحة للعائلات؟
الجدل لا يتعلق بحق الزوار في تناول الطعام داخل مهرجان، ولا بفكرة فتح القلعة أمام الناس بحد ذاتها، بل بالحدود التي تضبط أي نشاط تجاري أو خدمي داخل موقع أثري: أين توضع اللافتات؟ كيف تثبّت؟ من يراقب الأجنحة والتجهيزات؟ وكيف يثبت أنها أزيلت من دون أن تترك أثراً؟
بيان الآثار: مرافق مؤقتة لا تمس الحجر
بعد انتشار الصور، أصدرت المديرية العامة للآثار والمتاحف في 9 آب/أغسطس بياناً للرأي العام نفت فيه "تحويل قلعة دمشق إلى مطاعم ومقاه". وقالت إن المرافق الموجودة داخل القلعة خدمية ومخصصة لزوار المهرجان، وإنها "قابلة للإزالة" عند انتهائه من دون ترك أثر، وبعيدة عن التماس المباشر مع العناصر الأثرية.
وأضافت المديرية أن المهرجان يضم، إلى جانب الأنشطة الثقافية والترفيهية، معرضاً للقطع الأثرية المستردة من فرنسا ومعرضاً للفسيفساء.
لكن البيان لم يوضح قواعد تثبيت اللافتات داخل القلعة، أو طبيعة الإشراف الفني اليومي على أجنحة الطعام والبيع، أو ما إذا كانت هناك معاينة نهائية للموقع بعد انتهاء الفعالية.
أبو دانيال: "رفعت اللافتة فوق الحجر"
في تصريحات إعلامية، قال الشيف أبو دانيال إنه يشارك في المهرجان مثل بقية العلامات التجارية، وإن الهجوم موجّه إلى وزارة الثقافة لا إليه.
وأضاف أن لجنة من الآثار عاينت المكان ولم تجد أي مخالفة، وأن فريقه رفع اللافتة وجعلها فوق الحجر وبعيدة عنه، من دون أن يطلب منهم أحد ذلك، بهدف إنهاء الجدل.
ولم يتضمن بيان المديرية تفصيلاً عن المعاينة التي قال أبو دانيال إنها جرت، أو عن شروط تثبيت اللافتة في البداية.

صورة اللافتة كما هي متداولة في السوشيل ميديا قبل رفعها
إلا أن مراسل روزنة شاهد مساء الإثنين 10 آب/أغسطس أن اللافتة كانت مرفوعة فوق الحجر وليست موضوعة عليه كما في الصورة الأولى التي أثارت الجدل في مواقع التواصل.

صورة اللافتة بعد التغيير كما التقطها مراسل روزنة بتاريخ الإثنين 10 آب
ماذا وجد مراسل روزنة في المهرجان؟
زار مراسل روزنة القلعة في ذروة الإقبال المسائي. الدخول مجاني، لكن الوصول إلى الداخل استغرق قرابة عشر دقائق بسبب الازدحام وإجراءات التفتيش، مع تخصيص مسار للنساء وآخر للرجال. ويبدأ الإقبال الأكبر، بحسب مشاهداته، بين السابعة والنصف والثامنة مساءً.
تتوزع الأجنحة بين الطعام والشراب في قسم مستقل، والفخار، والأعمال اليدوية، والكتب، ومنتجات متنوعة، إلى جانب مساحة للعروض المسرحية والفنية والثقافية، وألعاب للأطفال، ونقاط للإسعاف والطوارئ. ويمكن للزائر المرور السريع على أقسام المهرجان خلال نحو نصف ساعة.
وتحدث مراسل روزنة إلى عشرة زوار في المكان؛ لم يقل أي منهم إن لافتة المطعم هي ما أزعجه.
لا تكفي هذه العينة الصغيرة لقياس اتجاه عام، لكنها تظهر أن تجربة الزوار في الموقع انصرفت أكثر إلى مجانية الدخول وتنوع الأنشطة، لا إلى الجدل الذي دار عبر الإنترنت.

زوار للمهرجان
مهرجان عائلي ومعرض آثار
افتتح مهرجان "صيف سوريا للعائلة 2026" في قلعة دمشق مساء 6 آب/أغسطس، ويستمر حتى 21 من الشهر نفسه. وقالت وكالة سانا إن برامجه تشمل عروضاً فنية وتراثية، ومسرح عرائس، ومسابقات وأنشطة للأطفال والعائلات.
بناء على الأنشطة المتنوعة، لا يصف اختزال ما يجري داخل القلعة في مطاعم ومقاهٍ وحدها صورة المهرجان كاملة. لكنه لا يعفي الجهة المنظمة من شرح المعايير التي تحكم وجود هذه الخدمات داخل موقع أثري.
سؤال قديم يعود من 2024
يعيد الجدل الحالي إلى الواجهة واقعة حفل زفاف خاص أقيم في قلعة دمشق في آب/أغسطس 2024، وتخلله إطلاق ألعاب نارية أثارت حينها ردود فعل واسعة بين سكان دمشق.
في ذلك الوقت، قال مدير الآثار والمتاحف آنذاك نظير عوض إن إطلاق الألعاب النارية شكّل مخالفة، وإن الجهات الشرطية فتحت تحقيقاً في الحادثة، فيما قال أصحاب الحفل إن أحد الضيوف أطلقها من دون تنسيق معهم.
الفعاليات داخل المواقع الأثرية
لا تجري إقامة الفعاليات داخل المواقع الأثرية خارج إطار قانوني. فالمادة 21 من قانون الآثار تمنح السلطات الأثرية حق استثمار المناطق الأثرية والأبنية التاريخية المسجلة المملوكة للدولة، مع بقاء مسؤولية حماية الموقع وعناصره الأثرية قائمة أثناء أي نشاط أو استخدام.
وتضع مبادئ حماية المواقع التراثية قيوداً على التجهيزات المؤقتة والأنشطة التي قد تؤثر في العناصر الأثرية، سواء عبر التثبيت المباشر على الحجر، أو استخدام معدات ثقيلة، أو الإضاءة والصوت والاهتزازات، أو الاقتراب من الأسطح الأثرية بطريقة قد تسبب ضرراً لها.
وفي واقعة 2024، رصدت روزنة تعليق ثريات تزيينية على أقواس حجرية، وتثبيت حوامل معدنية على بعض جدران القلعة. وتثير مثل هذه التجهيزات أسئلة حول طريقة تثبيتها، وطبيعة الإشراف الفني عليها، وما إذا كانت قد أزيلت من دون أن تترك أثراً على العناصر الأثرية.
المفرقعات النارية
برز استخدام الألعاب النارية كأحد أكثر جوانب واقعة 2024 إثارة للجدل، ولا سيما مع تثبيت قواعد إطلاقها على سور القلعة الحجري، وفق ما وثقته روزنة آنذاك.
وتُعد المفرقعات من الأنشطة التي تتطلب احتياطات خاصة في المواقع الأثرية بسبب مخاطر محتملة، من بينها الحريق، والاهتزازات الناتجة عن الانفجار، والمخلفات الكيميائية والرماد، إضافة إلى تأثير الضوضاء في الموقع ومحيطه.
ولا يعني وجود هذه المخاطر بالضرورة وقوع ضرر أثري فعلي، إذ يتطلب إثبات ذلك معاينة فنية وتقييماً لحالة الموقع والعناصر التي تعرضت للنشاط.
ماذا يقول قانون الآثار؟
تنص المادة 58 من قانون الآثار على معاقبة من يخرب أو يتلف أو يهدم أو يطمس أثراً ثابتاً أو منقولاً، مع تشديد العقوبة إذا وقع الفعل في ملك الدولة.
ويشمل التخريب، في المعنى القانوني، إلحاق الضرر بالأثر من دون إتلافه بالكامل، فيما يشير الإتلاف إلى إحداث ضرر يؤدي إلى فقدان الأثر معالمه أو جزءاً جوهرياً منها، بينما يرتبط الهدم بإزالة الأثر أو زعزعة بنيته، والطمس بإخفاء معالمه أو هويته.
لكن تطبيق هذه المادة على أي واقعة بعينها يتطلب إثبات الضرر والظروف التي وقع فيها، إضافة إلى تحديد المسؤولية والقصد، ولا يكفي وجود تجهيزات أو فعالية داخل موقع أثري وحده للقول إن جريمة تخريب قد وقعت.
وتعيد واقعة 2024، إلى جانب الجدل الحالي حول لافتة أبو دانيال، السؤال نفسه إلى الواجهة: ما الضوابط التي تعتمدها المديرية للفعاليات والأجنحة واللافتات داخل قلعة دمشق؟ وكيف يجري الإشراف على تركيبها وفكها؟ وهل تخضع المواقع لمعاينة قبل الفعالية وبعدها للتأكد من عدم ترك أي أثر؟

