تقارير وتحقيقات | 1 06 2026
حبيب شحادة
خسر المزارع طعان محصوله من القمح هذا الموسم. كانت أرضه، البالغة 11 دونماً في بلدة حويجة صكر بدير الزور، مصدر رزقه و"نبض حياته"، كما يصفها. زرعها بالقمح، وراح يراقب السنابل وهي تخضر وتكبر، منتظراً حصاداً يعينه على سداد ديونه.
لكن مياه الفرات "ابتلعت كل شيء فجأة"، وفق ما قال لـ"روزنة"، بعدما اجتاحت فيضانات واسعة المنطقة. وفي ليلة واحدة، غمرت المياه أرضه بالكامل، وحاصرت منزله حتى تصدعت جدرانه، ما جعله غير صالح للسكن، وأجبره على الفرار مع عائلته بما خف حمله.
قصة طعان ليست استثناءً، بل نافذة على واقع آلاف المزارعين والسكان في دير الزور والرقة، حيث تسببت الفيضانات بأضرار واسعة، وسط تقديرات بتضرر أكثر من 10 آلاف دونم من الأراضي الزراعية في دير الزور وحدها.
ماذا حدث؟
اجتاحت فيضانات واسعة ضفاف نهر الفرات في محافظتي الرقة ودير الزور، أواخر أيار/مايو، جراء تدفقات مائية من السدود التركية تخطت 2000 متر مكعب في الثانية، ما أدى إلى غمر قرى ومساحات زراعية واسعة، ونزوح عائلات من المناطق المنخفضة.
وجاء ارتفاع منسوب النهر بعد امتلاء سدود تركية، ولا سيما سد أتاتورك، نتيجة ذوبان الثلوج والهطولات المطرية، ما دفع السلطات التركية إلى فتح بوابات التصريف بكميات كبيرة، وفق ما قال المدير العام لمؤسسة سد الفرات، هيثم بكور.
وفي 31 أيار/مايو، قال رئيس لجنة الاستجابة الطارئة في محافظة دير الزور، فايز عباس، وفق ما نقلت وكالة "سانا"، إن المحافظة تجاوزت المرحلة الأخطر الناتجة عن ارتفاع منسوب مياه النهر، وتتجه نحو الاستقرار الكامل خلال 48 ساعة.
وفي الأول من حزيران/يونيو، أعلنت الحكومة السورية الانتقالية تجاوز ذروة الخطر مع بدء انحسار المياه، فيما أشار وزير الطاقة السوري إلى تراجع حدة الفيضانات تدريجياً، رغم استمرار تدفق المياه من الجانب التركي.
ويقع سد الفرات، أو سد الطبقة، على نهر الفرات على بعد نحو 50 كيلومتراً غرب الرقة، ويمتد بطول 4.5 كيلومترات، وبعرض يبلغ 20 متراً عند القمة و60 متراً عند القاعدة.
ما حجم الأضرار؟
تسببت التيارات المائية القوية في ريف دير الزور الشرقي بانهيار أجزاء من الجسر الترابي في مدينة العشارة وخروجه عن الخدمة، ما قطع خطوط التنقل بين ضفتي نهر الفرات. كما تعطلت حركة السير على جسور رئيسية وترابية أخرى، من بينها جسرا المريعية والعشارة والجسر الترابي في دير الزور، الأمر الذي عزل قرى كاملة.
وطالت الأضرار أيضاً قطاع المياه، إذ خرجت أكثر من 50 محطة ضخ عن الخدمة في ريفي دير الزور والرقة، نتيجة غمر غرف المحركات وانقطاع الكهرباء، من بينها محطات الباغوز الثانية وطاوي وزور شمر، ما هدد آلاف المدنيين بأزمة مياه.
وفي القطاع الزراعي، غمرت المياه نحو 24 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في دير الزور، إضافة إلى 5 آلاف دونم في مناطق الرقة، وجرفت محاصيل استراتيجية كالقمح والشعير مع اقتراب موسم الحصاد.
وتضررت نحو 2500 عائلة بشكل مباشر، نزح كثير منها إلى مراكز إيواء أو إلى قرى مجاورة. ولم تُسجل خسائر بشرية مباشرة جراء الفيضان، باستثناء وفاة أربعة أطفال غرقاً بسبب التيارات المائية القوية أثناء السباحة.
كما طال الغمر 265 منشأة حكومية ونحو 60 منشأة مدنية، إضافة إلى منازل في الأحياء والمناطق المنخفضة، من بينها حي الطيار في الرقة ومنطقة الحوائج.
قصور في الاستجابة
رفعت فرق الطوارئ والدفاع المدني والجهات المحلية جاهزيتها مع ارتفاع منسوب مياه الفرات، واتخذت تدابير وقائية شملت تدعيم السواتر الترابية، ومراقبة المناطق المهددة، وتنفيذ عمليات إخلاء عند الضرورة، في محاولة لحماية السكان والممتلكات وتقليل الخسائر.
وسبقت تلك الإجراءات تحذيرات أطلقتها السلطات المحلية للسكان المقيمين على طول ضفاف النهر في الرقة ودير الزور، بعد تجاوز مخزون السد 97 في المئة من طاقته الاستيعابية، وسط مخاوف من فيضانات واسعة.
ورغم هذه الإجراءات، واجهت الاستجابة الرسمية انتقادات محلية وحقوقية، وصفتها بأنها "ارتجالية وضعيفة الفعالية" قياساً بحجم الخطر، ولا سيما في المناطق الزراعية والمنخفضة التي غمرتها المياه.
كما انتقد مهندسون وخبراء في المياه التغييرات الهيكلية التي طالت قطاع الموارد المائية خلال السنوات الماضية، ولا سيما دمج الوزارة بجهات أخرى، معتبرين أن ذلك أضعف مرونة الأجهزة الفنية في إدارة الكوارث المائية، وحماية مجرى النهر من التعديات. وتضاف إلى ذلك محدودية قدرة المؤسسات الرسمية على التعامل مع تداعيات الفيضان، في ظل خسارة كثير من الكوادر الفنية خلال سنوات الحرب وعدم تعويضها.
وقال خبير الأمم المتحدة في سوريا بمجال المياه، الدكتور معن داوود، إن سبب الفيضان يعود إلى "ارتفاع مناسيب التصريف التي كانت متوقعة نسبياً"، مشيراً إلى أن الحكومة السورية كانت على علم بفتح بوابات المفيض في سد أتاتورك، نتيجة وجود "تبادل بيانات وإخبار" بين الجانبين.
وأرجع داوود في تصريح صحفي إطلاق المياه من الجانب التركي إلى الهطولات المطرية وذوبان الثلوج خلال عام 2026، بمعدلات أعلى من المتوقع، في سياق تغير المناخ عالمياً. واعتبر أن ما حدث هو غمر لأراضٍ تعود في الأصل إلى حرم النهر، لكنها استُخدمت خلال سنوات الجفاف نتيجة التعدي على مجراه.
وبالنسبة إلى طعان، لا تختصر الكارثة بخسارة 11 دونماً من القمح فحسب، بل تكشف هشاشة المزارعين الصغار أمام غياب أنظمة إنذار مبكر أكثر فاعلية، وضعف التنسيق المائي الإقليمي. فهؤلاء، كما يقول، "عانوا ويعيشون اليوم على المساعدات".
ومع انحسار مياه الفيضان تدريجياً، تبقى أسئلة التعويض والمحاسبة معلّقة: من يعوّض طعان وغيره من المزارعين عن بيوت تصدعت أو جرفها السيل، وعن أراضٍ غمرتها المياه قبل أن يبلغ قمحها موسم الحصاد؟