عدالة انتقالية | 30 04 2026
لا يقتصر النقاش حول العدالة الانتقالية في سوريا على مساءلة جهة واحدة، في ظل تعدد الأطراف المتورطة في الانتهاكات خلال سنوات النزاع. وفي هذا السياق، يبرز ملف جيش الإسلام ضمن القضايا التي وثّقت تقارير حقوقية ارتكاب انتهاكات مرتبطة بها، من بينها الإخفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، واستهداف المدنيين.
جيش الإسلام كان أحد الفصائل المسلحة، والتي سيطرت على مناطق واسعة من الغوطة الشرقية لسنوات طويلة، قبل أن يتوجه إلى الشمال إثر عملية تسوية ومقتل قائده زهران علوش.
أولاً: الاختفاء القسري لناشطي دوما الأربعة
تُعد قضية اختطاف المحامية والناشطة الحقوقية رزان زيتونة، وزوجها وائل حمادة، والناشطة سميرة الخليل، والناشط ناظم حمادي في كانون الأول 2013، من أبرز القضايا التي حدثت في مناطق سيطرة جيش الإسلام في دوما.
ورغم نفي الفصيل مسؤوليته، فإن سيطرته الأمنية الكاملة على المنطقة آنذاك جعلت القضية مثالاً واضحاً عن حالات الإفلات من العقاب داخل مناطق المعارضة. وما يزال مصير المختطفين مجهولاً حتى اليوم، ما يجعل القضية واحدة من ملفات الاختفاء القسري المفتوحة التي ينبغي أن تحظى بأولوية في أي عملية عدالة انتقالية مستقبلية. (كان راديو روزنة قد أعد عدة تحقيقات ومواد صحفية تتبعت فيها المسؤولين عن هذه الجريمة، ووصلت إلى أسماء واضحة للمتورطين).
ثانياً: استخدام المدنيين والأسرى كدروع بشرية
في عام 2015، وثقت مقاطع فيديو مصورة وضع محتجزين داخل أقفاص معدنية في مناطق مكشوفة بالغوطة الشرقية، ونُسب ذلك آنذاك إلى جيش الإسلام، بتبرير ردع الغارات الجوية التي كان يشنها النظام على تلك المنطقة.
إذا تم إثبات هذه الوقائع قضائياً، فإنها قد تشكل جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني؛ لأن استخدام المدنيين أو الأسرى لحماية أهداف عسكرية يُعد انتهاكاً جسيماً لقوانين النزاع المسلح. بالإضافة إلى أن مصير أشخاص ممن ظهروا بالفيديوهات لا يزال مجهولاً حتى اليوم. تؤكد هذه الحادثة أن الجرائم لا تفقد وصفها القانوني باختلاف هوية مرتكبها.
ثالثاً: الاحتجاز التعسفي والتعذيب
أشارت تقارير حقوقية، خلال فترة سيطرة الفصيل على مناطق الغوطة الشرقية، إلى وجود مراكز احتجاز وسجون تابعة له، أبرزها "سجن التوبة"، احتُجز فيها مدنيون وناشطون ومعارضون دون إجراءات قانونية، مع ورود شهادات عن التعذيب وسوء المعاملة.
يُعد الاحتجاز التعسفي والتعذيب من أخطر الانتهاكات التي يجب التحقيق فيها؛ لأنها تمس الكرامة الإنسانية، وتُنتج آثاراً طويلة الأمد على الضحايا والمجتمع. ومن دون الاعتراف بهذه الجرائم وجبر ضرر الضحايا، ستبقى أي عدالة انتقالية ناقصة.
رابعاً: استهداف المدنيين
اعترف جيش الإسلام بإطلاق القذائف وصواريخ الكاتيوشا على العاصمة دمشق مراراً. هذه القذائف التي راح ضحيتها عدد من المدنيين في دمشق. اعتبر الفصيل أن ذلك رداً على قصف النظام للغوطة الشرقية، وأعلن زهران علوش في إحدى المرات أن "دمشق منطقة عمليات عسكرية".
خامساً: قمع المجتمع المدني والاعتداء على النشطاء
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اعتداءات طالت مكتب "مركز توثيق الانتهاكات" في دوما عام 2017، نُسبت إلى عناصر مرتبطين بجيش الإسلام، وشملت التخريب والضرب والسرقة. بالإضافة إلى إغلاق مكاتب عدة منظمات مدنية أخرى في المدينة، منها مكتب شبكة "حراس سوريا"، ومجلة "طلعنا على الحرية"، ومكتب التنمية المحلية.
يكشف هذا النمط من الانتهاكات أن بعض القوى المسلحة لم تكتفِ بمواجهة خصومها العسكريين، بل سعت أيضاً إلى إخضاع المجتمع المدني، ما صعب بناء مؤسسات محلية ديمقراطية خلال فترة النزاع.
سادساً: توثيق دولي ومحتمل لجرائم حرب
كان المركز السوري للإعلام وحرية التعبير قد أعلن عن تسليم 225 ملفًا من الأدلة (وثائق، شهادات ضحايا، فيديوهات، صور، معلومات من أعضاء بالفصيل، وخريطة للسجون) إلى الآلية الدولية المحايدة المستقلة (IIIM) التابعة للأمم المتحدة.
هذه الأدلة توثق تورط جيش الإسلام و147 قياديًا فيه، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا، بين منتصف 2012 وأبريل 2018، وتشمل:
استهداف التجمعات المدنية.
الإخفاء القسري، الخطف، والاعتقال التعسفي.
التعذيب والقتل خارج القانون.
التواطؤ في حصار المدنيين واستخدامهم كدروع بشرية.
احتكار السلع الغذائية وتجنيد الأطفال.
سابعاً: أسلحة غير مصرح بها
في 2020، اعترف "جيش الإسلام" بإحالة أحد قادته الميدانيين على جبهة حي الشيخ مقصود في حلب، إلى القضاء العسكري التابع للجيش، نظرًا لاستخدامه أسلحة "غير مصرح بها" خلال المواجهات. جاء ذلك بعد أن أعلنت وسائل إعلام كردية أن حي الشيخ مقصود تعرض لقصف استُخدمت فيه مواد سامة، وأن حالات اختناق وردت إلى مستوصف الهلال الأحمر الكردي في الحي، بعد قصف من الفصائل المسلحة المسيطرة على المنطقة.
ثامناً: أهمية المحاسبة الدولية (نموذج فرنسي)
أصدرت محكمة الجنايات في باريس في 2025 حكماً بالسجن 10 سنوات للمتحدث السابق باسم "جيش الإسلام" مجدي نعمة (المعروف باسم "إسلام علوش")، لمشاركته في ارتكاب "جرائم حرب" في سوريا. وتشكل هذه القضايا مثالاً على دور الولاية القضائية العالمية في ملاحقة الجرائم حين يتعذر تحقيق العدالة محلياً.
العدالة الانتقالية في سوريا
يثبت ملف جيش الإسلام، كما غيره من ملفات مرتكبي الانتهاكات في سوريا، أن مستقبل البلاد لا يمكن أن يُبنى على النسيان أو الإنكار أو العدالة المجتزأة. فالمحاسبة يجب أن تطال كل من تورط في التعذيب، والاختفاء القسري، والقتل، والاحتجاز غير القانوني، واستخدام المدنيين كأدوات حرب.
العدالة الانتقالية ليست انتقاماً، بل منظومة تهدف إلى:
كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات.
محاسبة المسؤولين عنها.
جبر ضرر الضحايا.
إصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الجرائم.
ضمان عدم التكرار.
في سوريا، لن تتحقق هذه الأهداف إذا جرى حصر الجرائم بطرف واحد؛ فالضحية تبقى ضحية، سواء كان الجاني من السلطة، أو من جماعات المعارضة، أو من أي جهة مسلحة أخرى.


