تقارير وتحقيقات | 26 04 2026
حبيب شحادة
تتجه مؤسسات السورية للتجارة نحو تحديث مظهرها وهيكلية إدارتها، وذلك في ظل أنباء عن مفاوضات مع شركات من ثلاث دول لاختيار شريك دولي يتولى إدارة 500 فرع في مختلف المحافظات. ويغطي نشاط هذه الصالات المواد الغذائية والألبسة والأدوات المنزلية والكهربائية.
وكشفت "المؤسسة السورية للتجارة" مطلع نيسان/أبريل عن خطة لتأجير أكثر من 500 صالة من أصل 1280 تملكها في المحافظات، وذلك ضمن رؤية "إصلاحية لتعويض الخسائر واستثمار الأصول".
وأوضح مدير المؤسسة، عامر قسوم، في تصريح صحفي، أن المؤسسة التي عادت للعمل بعد فترة إغلاق - أغلقت بعد سقوط النظام السابق- تسعى إلى تحقيق عوائد مالية فورية وتوحيد الهوية البصرية لبقية المنافذ.
ويأتي تأجير صالات "السورية للتجارة" كـ "إجراء تصحيحي لمواجهة المديونية العالية التي بلغت 50 مليار ليرة"، وفق مدير المؤسسة. على أن خطة إعادة الهيكلة الحالية تسعى إلى تركيز الجهود على الفرص الاستثمارية المجدية ومعالجة العجز المالي بحسب قوله.
تستعرض "روزنة" في هذا التقرير الجدوى الحقيقية لإعادة هيكلة "السورية للتجارة"، وانعكاساتها على المواطن السوري، مع بحث قدرتها على خلق فرص عمل للشباب، ومدى تأثيرها على الاقتصاد الوطني، فهل تدعمه أم تضعفه عبر الاستيراد والمنافسة غير العادلة للصناعة المحلية؟
لا تدخل "إيجابي"
غانم محمد، الموظف في القطاع الخاص بدمشق، عبّر عن مخاوفه لـ "روزنة" تجاه خصخصة صالات "السورية للتجارة". ويرى محمد، الذي يتقاضى راتباً قدره 3 ملايين ليرة، أن تأجير هذه الصالات سيقضي على دورها في ضبط الأسعار وتوفير سلع تناسب الدخل المحدود، مؤكداً أن الهدف سيتحول للربح المادي على حساب "الفقراء"، وفق تعبيره.
وأشار إلى أنه لا يزال يعتمد على هذه الصالات حالياً نظراً لأسعارها التي تقل غالباً عن السوق الخارجية أو تساويها في بعض الأحيان.
من جانبه، يوضح الدكتور في العلاقات الاقتصادية الدولية بجامعة دمشق، قاسم أبو دست أن غاية الخطة هي تأهيل الصالات لتحسين جودة الخدمة، لكنه يبدي تخوفاً من "طغيان الجانب التجاري"؛ ما يجعل تلك الصالات حكراً على ذوي الدخل المرتفع، ويهمش تماماً الفئات الفقيرة، وفق وصفه.
ويقول لـ "روزنة": "ما يحدث هو إعادة صياغة لدور المؤسسة عبر تغليب المنطق الربحي على دورها الاجتماعي، في خطوة تأتي وسط أزمة ديون واختلالات إدارية ومالية سابقة تعاني منها المؤسسة".
ومع ذلك، يبرز تساؤل جوهري حول مصير الدور الاستراتيجي للمؤسسة؛ إذ إن تحولها للربحية قد يهدد وظيفتها الأصلية كحارس للمخزون الغذائي، وهي الوظيفة التي تضمن استقرار الأسواق وتمنح الدولة القدرة على حماية المستهلك عند الضرورة، كما أوضح أبو دست لـ "روزنة".
بينما أكد ماهر الحسن، نائب وزير الاقتصاد لشؤون التجارة الداخلية في مقابلة على قناة "الإخبارية السورية": أنّ السورية للتجارة ستوفر السلة الغذائية من خضار وفواكه ولحوم للناس بسعر شعبي"، وفق تعبيره.
وبحسب رصد "روزنة"، هناك صالات للسورية للتجارة، بدت واجهاتها تتغير مع وجود كتابات تشير إلى استثمارها من قبل القطاع الخاص، كما في صالتين بمنطقة المزة، واحدة كُتب عليها "مونة دكان"، والثانية "الوافر التجارية"، دون توفر معلومات إضافية عن ماهية تلك الكتابات وإن كانت تتبع شركات خاصة تستثمر في صالات السورية للتجارة.

تسريح عمالة
بينما يشعر محمد بأن الحصول على سلع "مدعومة" سيصبح غير متاح، يفقد علاء الثقة بتوفير فرص عمل من خلال تأجير الصالات. علاء الذي عمل لست سنوات في صالة المزة بدمشق، وجد نفسه خارج الحسابات بعد عام 2025، نتيجة التخلص من العمالة "الفائضة" في مرحلة حكومة محمد البشير المؤقتة والتي أتت عقب سقوط النظام السوري السابق.
يقول لـ "روزنة": 'كنت أرتب البضائع ضمن رفوف الصالة لسنوات"، لكن بعد سقوط النظام السابق، جرى الاستغناء عنه.
ويرى علاء أن المستثمرين الجدد لن يكترثوا بتأمين وظائف بقدر اهتمامهم بالعوائد المالية، وفق وصفه.
ويعمل في السورية للتجارة 4500 موظف، وتمتلك 1280 صالة وأكثر من 150 مستودعاً، وتسعى المؤسسة لإنشاء شبكة تضم 440 صالة بهوية ونظام بيع موحد، بما يعزز وصول المواطنين إلى السلع بأسعار تنافسية، مع الحفاظ على إمكانية التدخل لضبط السوق عند الحاجة، وفق حديث قسوم.
ووفقاً لقسوم، جرى تقسيم الصالات المستهدفة إلى فئتين، وحددت المؤسسة شروطاً مالية وفنية تشمل التجهيز والتشغيل بمدة استثمار تصل إلى 10 سنوات خاضعة للمراجعة والتقييم.
ويخشى الدكتور قاسم أن يؤدي "المنطق الربحي" إلى تسريح الكوادر الحالية بحجة فائض العمالة أو عدم الكفاءة وسط عدم قدرة خطة إعادة الهيكلة أو الخصخصة على خلق فرصاً وظيفية بديلة.
لا منافسة عادلة
من جهة أخرى، هناك عدة مخاوف حقيقية من نتائج عكسية على المنتج الوطني كما قال أبو دست ومن بينها: خلق مركز مسيطر في السوق من خلال منح إدارة 500 صالة لطرف واحد، سواء كان شركة محلية أو أجنبية، ما ينعكس سلباً على المنافسة العادلة في السوق المحلية.
كما أن حصول الشركة المستثمرة على إعفاءات جمركية على السلع المستوردة، سيؤدي إلى تمييز غير مبرر ضد المنتج الوطني ما يضعف قدرته على المنافسة.
وهكذا تواجه "السورية للتجارة" معضلة تحولها إلى كيان ربحي، في خطوة تهدف لتعزيز الإنتاجية لكنها لا تخلو من تهديدات تمس الدور الخدمي للدولة. ويرى اقتصاديون ومنهم أبو دست، أن الضامن الوحيد لنجاح هذه التجربة هو وجود إطار قانوني وراقبي واضح يضمن تحقيق التوازن بين الربحية والمسؤولية الاجتماعية.
