تقارير وتحقيقات | 1 05 2026
منار أبو حسون
قبل أن تفتح "نور" عينيها كل صباح، تبدأ قائمة مهامها: تتصل بقريبها في دمشق، تسأل إن كان الراتب وصل، تنتظر، وغالباً تسمع "لأ، بكرا". هذا ليس روتين موظفة مشغولة، هذا جزء من روتين حياة فتاة تحاول تأمين راتب أمها المتقاعدة منذ تسعة أشهر.
منذ أحداث السويداء في تموز الماضي، لم يعد راتب الموظف والمتقاعد حقاً يُصرف بانتظام، بل بات همّاً يومياً يتحمله الأبناء والبنات بدلاً من ذويهم. فمع توقف المصارف الحكومية عن العمل، وجد شباب السويداء أنفسهم في مواجهة بيروقراطية متعطلة وطرق وعرة وعمولات مجحفة، كل ذلك من أجل إيصال ليرات قليلة إلى آبائهم وأمهاتهم.

كيف وصلنا إلى هنا؟
أدت أحداث العنف التي شهدتها السويداء مطلع تموز 2025 إلى توقف عمل المصارف الحكومية، ما قطع مصدر الدخل عن آلاف العائلات دفعةً واحدة. في الأسابيع الأولى، تمكّن بعض المستفيدين من سحب رواتبهم عبر الصرافات الآلية، معتمدين على سيولة كانت محتجزة في المصرف المركزي قبل الأحداث. لكن هذا الهامش نفد سريعاً، وتوقّف الصرف بالكامل.
وعلى الصعيد الإداري، تعطّل التنسيق بين الجهات الحكومية في السويداء ووزارة المالية في دمشق، فلم تُرفع جداول الرواتب لنحو شهرين، ما عنى أن لا أحد يعرف متى يأتي الراتب، ولا إن كان سيأتي أصلاً.
في شباط الماضي، أُعلن عن حلٍّ جزئي: افتتاح مكتب بريدي في بلدة الصورة الصغرى بريف السويداء لصرف رواتب المتقاعدين دون الحاجة للسفر إلى دمشق. غير أن هذا الحل استثنى شريحة واسعة ممن لا يستلمون رواتبهم عبر مؤسسة البريد، فضلاً عن أن التوترات الأمنية وإغلاق الطريق نحو البلدة أحياناً جعلا الوصول إليه أمراً غير مضمون.
محافظ السويداء مصطفى بكور صرح عبر قناة المحافظة على منصة التلغرام أن الرواتب تُحوّل بشكل منتظم، لكنه عزا التأخير إلى الإجراءات الإدارية، مثل عدم استكمال الموافقات الرسمية اللازمة لصرفها، ما يترك الموظفين أمام صعوبات معيشية متزايدة نتيجة غياب انتظام دخلهم الشهري.

حين يصبح الابن وسيطاً
لم يجد "أبو حسن"، المتقاعد الذي اعتاد استلام راتبه من المصرف العقاري في السويداء، بُدّاً من إرسال ابنته الثلاثينية إلى دمشق لتنوب عنه. لكن حتى هذا الحل لم يكن مضموناً، إذ اصطدمت بسقوف السحب الأسبوعية والشهرية، ما يعني أن كلفة تحصيل الراتب تصبح عالية، خصوصاً أنها لم تتمكن من تحصيل المبلغ كاملاً.
يقول الأب: "لم أستلم راتبي التقاعدي منذ أحداث تموز حتى شهر تشرين الثاني، وعندما ذهبت ابنتي إلى دمشق استلمت جزءاً منه فقط".
وحين أغلقت هذه النافذة أيضاً، لجأ "أبو حسن" إلى وسيط يتنقل بين دمشق والسويداء مرتين في الشهر مقابل 50 ألف ليرة عن كل مليون ليرة يحصلها عنه. ويدرك الأب جيداً المخاطرة التي يخوضها: "أنا أثق بالوسيط، لكنه يتعامل مع آخرين في دمشق ولديه عدد كبير من البطاقات، ومن الممكن أن تخلط لديه الأسماء".
"نور" بين الصراف والقريب والهاتف
في قصة مشابهة، "نور" (وهي محامية في الثلاثينات) وجدت نفسها مسؤولة عن راتب والدتها المعلمة المتقاعدة. في البداية كانت تتوجه شخصياً إلى المصرف العقاري في السويداء وتقف في طوابير طويلة لا يُطيقها كبار السن. فالمصرف يعجّ بالمراجعين، ولا مواعيد ثابتة للصرف.
وما إن نفدت السيولة وأغلق المصرف أبوابه، حتى لم يبقَ أمامها خيار سوى الاتكاء على قريب في دمشق يُرسل الراتب حين يتمكن، وهو الحل ذاته الذي لجأ إليه كثير من أبناء السويداء ممن عجزوا عن الاستلام من محافظتهم.
هذا النموذج تكرّر في مئات البيوت في السويداء: ابن يتصل بعمّه في دمشق، بنت تُوكّل جارها، شاب يقود سيارته ساعات عبر طرق متوترة أمنياً لإحضار مبلغ لا يكفي نفقات الرحلة أحياناً.

حنان وراتب لا يصل
الأشد مرارةً هي قصة "حنان"، التي لم تستلم معاش والدها المتوفى منذ تموز الماضي. حين أرسلت قريبها إلى مصرف التوفير في دمشق، أُبلغ بأن الوكالة القانونية لا تكفي، وأن على الورثة أنفسهم الحضور، وأن المبلغ الذي سيُصرف لن يتجاوز 500 ألف ليرة.
تقول حنان ببرود مؤلم: "هذا المبلغ يغطي أجور النقل من السويداء إلى دمشق ولا أكثر".
حنان لا تعمل وتقطن مع والدتها، تعتمد على راتب والدها، وما يرسله شقيقها المسافر خلاج البلاد من حوالات مالية.
ولم تُجدِ فائدةً من المكتب البريدي الذي افتُتح في بلدة الصورة الصغرى في شباط الماضي، لأنه يخدم المتقاعدين المسجلين في مؤسسة البريد فقط، في حين أن راتب والدها مرتبط بمصرف التوفير حصراً. وإلى جانب ذلك، تبقى التوترات الأمنية وإغلاق الطريق نحو البلدة عائقاً إضافياً.
الموظفون الشباب: الراتب يتأخر والفاتورة لا تنتظر
لا يختلف وضع الموظفين عن المتقاعدين. فرغم اعتماد وزارة المالية في نيسان 2025 تطبيق "شام كاش" منصةً رقمية لصرف رواتب القطاع العام — ما يُتيح نظرياً استلامها من مراكز شركتي "الهرم" و"الفؤاد" في كافة المحافظات — يبقى التأخير سيد الموقف.
ربيعة، معلمة في السويداء، لم تستلم راتبها هذا الشهر. وما يزيد المرارة أن أختها العاملة في مديرية العقارات تستلم راتبها بانتظام كل شهر — فرق لا تجد له سعاد تفسيراً منطقياً سوى أن الأمر يتعلق بالجهة التي تتبعها.
وتروي معلمة أخرى أن رواتب زملائها لم تُحوَّل منذ أكثر من شهرين، مرجعةً ذلك إلى عدم توقيع المحافظ مصطفى بكور على جداول الرواتب. في المقابل، يؤكد بكور أن الصرف يجري بانتظام وأن التأخيرات إدارية بحتة — توصيف يبدو بعيداً عن واقع من ينتظر راتبه ليدفع إيجاره.
جيل يدفع ثمن أزمة لم يصنعها
ما يجمع كل هذه القصص هو أن الشباب باتوا الحلقة الأكثر تضرراً والأقل مرونةً في أزمة هيكلية طويلة. هم من يقفون في الطوابير، ويتنقلون بين المحافظات، ويتفاوضون مع الوسطاء، ويتحملون عبء العناية بأسر باتت دون دخل ثابت، وكل ذلك بينما يعيشون هم أنفسهم ظروف اقتصادية هشة لا تحتمل أعباءً إضافية.