بين نفي "الخصخصة" وانتشار الجرب: أزمات القطاع الصحي في سوريا تثير قلقاً شعبياً

بين نفي

تقارير وتحقيقات | 18 04 2026

حبيب شحادة

يواجه القطاع الصحي في سوريا موجة من التحديات المتداخلة، تتقاطع فيها الهواجس الشعبية مع مؤشرات ميدانية مقلقة. فخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعد الجدل حول مستقبل المشافي العامة، بالتوازي مع تسجيل إصابات بمرض “الجرب” داخل مرافق طبية وتعليمية، ما أثار تساؤلات حول واقع الرعاية الصحية وجودتها.

ورغم محاولات التهدئة الرسمية، لا تزال المخاوف قائمة لدى شريحة واسعة من السوريين، خاصة في ما يتعلق بإمكانية تأثر مجانية الخدمات الصحية بأي تغييرات محتملة في إدارة أو تمويل المشافي العامة، في ظل تدهور اقتصادي يحدّ من قدرة معظم السكان على تحمّل تكاليف العلاج.

نفي حكومي لخطط "الخصخصة"

في محاولة لتهدئة الشارع، نفى وزير الصحة، الدكتور مصعب العلي، في تصريح لـ "قناة الإخبارية السورية" أمس الثلاثاء وجود أي نية أو خطط حكومية لطرح المشافي العامة للاستثمار أو الخصخصة، مؤكداً استمرارها في تقديم خدماتها وفق النظام المعمول به حالياً.

جاء هذا التصريح رداً على حالة من الجدل أثارها حديث رئيس هيئة الاستثمار، طلال الهلالي، حول إمكانية خصخصة 71 مشفى حكومياً. وفي حين أشار الهلالي إلى هذا الرقم، تظهر بيانات وزارة الصحة لعام 2023 وجود 104 مستشفيات عامة موزعة في المحافظات، يعمل منها نحو 80% بقدرات تشغيلية متفاوتة.

تحديات وبائية

بالتوازي مع هذا الجدل، برزت تحديات صحية ميدانية، كان أبرزها تسجيل إصابات بمرض “الجرب” داخل بعض المشافي، من بينها مشفى “المجتهد” في دمشق، حيث تم رصد 11 إصابة بين الكوادر الطبية. وأكدت إدارة المشفى أن الحالات محدودة، وأنه تم اتخاذ إجراءات احتواء فورية، مع نفي وجود أي تفشٍ واسع للمرض وفق وكالة "سانا".

وفي ردٍّ على التسريبات التي أثارت مخاوف الشارع، صرّحت رئيسة قسم ضبط العدوى محبة الحافظ أن الوضع "تحت السيطرة تماماً"، مع نفي وجود أي تفشٍ واسع للمرض. كما شددت الإدارة على استمرار تعزيز التدابير الوقائية والاحترازية لضمان سلامة الموظفين والمراجعين ومنع أي انتقال إضافي للعدوى.


كما أثار إغلاق إحدى مدارس محافظة طرطوس جدلاً واسعاً بين الروايات الأهلية والتصريحات الرسمية، فبينما نقلت مصادر محلية أن قرار الإغلاق جاء نتيجة رصد إصابات بمرض "الجرب" بين الطلاب، نفت إدارة مدرسة "رأس الشغري" هذه الأنباء.

وفي توضيح رسمي، أكد مدير التربية والتعليم في طرطوس، مهند عبد الرحمن، في تصريح صحفي، أن إغلاق المدرسة يهدف لتنفيذ أعمال "صيانة وترميم" دورية، وليس له علاقة بأي طارئ صحي.

وقال: إن الحالات المسجلة هي إصابات "قديمة" جرى عزلها والتعامل معها مسبقاً وفق بروتوكولات الصحة المدرسية المتبعة مؤكداً استقرار الوضع الصحي في المنشآت التعليمية بالمحافظة.

تراجع النظافة في المشافي

يعزو مختصون هذا التفشي إلى تراجع البنية التحتية الصحية ونقص الكوادر الطبية المتخصصة، وهي أزمات تفاقمت بفعل الظروف الاقتصادية الراهنة.

وكشف أخصائي الأمراض الجلدية والمنقولة جنسياً، الطبيب غدير برهوم، عن تحول في خارطة انتشار مرض "الجرب" في سوريا، مشيراً إلى أن العدوى التي كانت تتركز سابقاً داخل السجون والأفرع الأمنية، باتت اليوم تشهد نمطاً جديداً من الانتشار داخل المرفق الصحي العام.

لكن مختصين يرون أن هذه الحوادث، حتى وإن بدت محدودة، تعكس تحديات أعمق في البنية الصحية. إذ يشير أخصائي الأمراض الجلدية، غدير برهوم، إلى تحول في نمط انتشار مرض الجرب في سوريا، حيث لم يعد مقتصرًا على بيئات مغلقة لا يتم العناية بها، بل بدأ يظهر داخل المرافق الصحية نفسها. ويربط برهوم هذا التحول بتراجع معايير النظافة والتعقيم، إضافة إلى نقص الكوادر، بما في ذلك عمال النظافة، وهو ما يضع ضغطًا إضافيًا على قدرة المشافي في احتواء العدوى.

وتعزز هذه المخاوف مشاهد متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، توثق تراجعًا في الواقع الخدمي داخل بعض المشافي، من بينها مشفى حلب الجامعي، حيث أظهرت مقاطع مصورة تراكم الأوساخ وتهالك البنية التحتية، ما أثار انتقادات واسعة حول مستوى النظافة وجودة الخدمات.


كما انعكس هذا الواقع على العملية التعليمية في القطاع الطبي، حيث نظم طلاب كلية الطب في جامعة حلب وقفة احتجاجية، اعتراضًا على تراجع جودة التدريب العملي داخل المشافي، مؤكدين أن التطبيق السريري أصبح محدودًا، ما يؤثر على تأهيلهم الأكاديمي.


ما طرق العدوى وسبل الوقاية؟

حول طبيعة مرض الجرب قال الطبيب المختص إن الجرب "مرض طفيلي غير خطير" ويمكن السيطرة عليه بسهولة، موضحاً أنه لا ينتقل عبر الهواء أو المصافحة العابرة، بل يتطلب تماساً مباشراً يتجاوز النصف ساعة، أو استخداماً مشتركاً للأدوات الشخصية مثل الملابس والأغطية الوسخة.

وشدد برهوم على ضرورة التزام العائلة المصابة بأكملها بالخطة العلاجية في حال إصابة أحد أفرادها، مع التركيز على إجراءات التعقيم المنزلي التي تشمل تهوية المنزل، وتعريض أغراض المصاب لأشعة الشمس لمدة ثلاثة أيام، وعزلها تماماً لضمان القضاء على الطفيلي ومنع تكرار العدوى.

وبين هواجس "الخصخصة" وواقع الأوبئة، يواجه النظام الصحي في سوريا استحقاقاً مصيرياً؛ إذ أن ظهور بؤر العدوى في المشافي العامة والمدارس، ليس إلا انعكاساً لتهالك البنية التحتية، ما يفرض ضرورة التحرك العاجل لإعادة تأهيل هذا القطاع وضمان استدامة خدماته قبل خروج الأزمات الصحية عن السيطرة.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض