تقارير وتحقيقات | 21 04 2026
حبيب شحادة
خلال أيام قليلة، خفتت أصوات ماكينات السيراميك في عدد من معامل ريف دمشق. بالنسبة لعامر، العامل الثلاثيني الذي أمضى 13 عامًا في هذا القطاع، لم يكن الصمت مجرد توقف تقني، بل نهاية مفاجئة لمسار مهني كامل.
"أصوات الماكينات كانت حياتنا"، يقول، قبل أن يجد نفسه كغيره مثل آلاف العمال، ومعظمهم من الشباب خارج سوق العمل، بلا تعويضات وبلا بدائل واضحة.
لم يكن عامر حالة استثنائية. فخفض الإنتاج وإغلاق خطوط كاملة لم يخرجا عمالًا من وظائفهم فحسب، بل أزاحا شريحة واسعة من الشباب الذين اعتمدوا على هذه المهنة كمصدر دخل شبه وحيد، في سوق يعاني أصلًا من محدودية الفرص. بالنسبة لكثيرين، لم يكن العمل في السيراميك خيارًا، بل آخر ما تبقى.
جاء هذا التحول بالتزامن مع قرار حكومي سمح باستيراد السيراميك بجمارك منخفضة، ما يطرح تساؤلات حول أثر هذه السياسة على بقاء الصناعة المحلية.
فمع فتح باب الاستيراد، دخل المنتج المستورد بسعر يتراوح بين 8 و9 دولارات للمتر، مقابل 10 إلى 12 دولارًا للمنتج المحلي. ورغم أن الفارق يبدو محدودًا، إلا أنه كان كافيًا لترجيح كفة المستورد ودفع المنتج المحلي تدريجيًا خارج المنافسة.
لكن هذا الفارق لا يعود إلى ضعف الإنتاج المحلي، بل إلى ارتفاع تكاليفه. إذ تشكل المحروقات نحو 45% من تكلفة الصناعة، في ظل أسعار طاقة أعلى من المعدلات العالمية، بحسب المدير العام لشركة “بلقيس” عبد الرحمن أورفه لي. في المقابل، يدخل المنتج المستورد برسوم منخفضة، ما يمنحه أفضلية يصعب مجاراتها.
وهكذا يتحول فرق السعر من رقم في السوق إلى ضغط مباشر على المصانع، يدفعها نحو خيارات محدودة: الخسارة، أو تخفيض الإنتاج، أو الإغلاق. ومع كل قرار من هذا النوع، تنتقل الكلفة فورًا إلى العمال.

أكثر من 4 آلاف عامل خارج السوق
رئيس لجنة الطاقة في غرفة الصناعة، محمد مروان أورفلي، أكد أن نسبة كبيرة من المصانع توقفت كليًا أو جزئيًا نتيجة السماح بالاستيراد وعدم القدرة على المنافسة. وأضاف في حديثه لـ "روزنة" أن هذه المعامل لا تستطيع الاستمرار في ظل خسائر كبيرة، مشيرًا إلى أن العمال المسرّحين يحصلون على نصف راتب لفترة محدودة فقط.
هذه الأنباء تعني أن مصادر دخل آلاف العمال المباشرين وغير المباشرين مهدد، ويؤثر على سلاسل إنتاج كاملة.
وبحسب أورفلي، فقد أكثر من 4 آلاف عامل من ذوي الخبرة وظائفهم في هذا القطاع، الذي تُقدّر استثماراته بنحو 60 مليون دولار، في ظل تحديات متراكمة أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة والدعم غير المباشر للمنتجات المستوردة.
بالنسبة لعامر، لم تكن هذه التفاصيل الاقتصادية واضحة، لكنه لمس نتيجتها مباشرة.
"بعد 13 سنة عمل، وجدت نفسي بلا مهنة أخرى". يقول عامر
لم يعد السؤال له ولغيره من العمال متعلقاً بالسوق أو الأسعار، بل بكيفية تأمين دخل، في بلد يعيش أكثر من 90% من سكانه تحت خط الفقر، وفق تقديرات أممية.
ورغم أن القطاع يمتلك طاقة إنتاجية تصل إلى نحو 53 مليون متر مربع سنويًا، إلا أن الإنتاج الفعلي لا يتجاوز 8 ملايين، ما يعكس فجوة كبيرة بين الإمكانيات والاستثمار. ومع ذلك، لم تتجه السياسات نحو دعم الإنتاج، بل نحو تسهيل الاستيراد دون إجراءات موازية لحماية الصناعة أو العمال.
هذا النمط ليس جديداً. فمنذ عام 2012، واجهت معامل السيراميك أزمات متكررة مرتبطة بالطاقة، قبل أن يُسمح لها لاحقاً باستيراد الغاز على نفقتها. وفي عام 2023، فُتح باب الاستيراد بذريعة انخفاض الكلفة، وهو ما حذر منه صناعيون حينها، متوقعين أن يؤدي إلى توقف الإنتاج لصالح التجارة.
اليوم، ومع تكرار السيناريو بشكل أكثر حدة، لا تبدو القضية مجرد منافسة، بل نتيجة مباشرة لسياسات تعيد تشكيل السوق على حساب الفئات الأكثر هشاشة. فكل فارق سعري لصالح المستورد يعني عمليًا ضغطًا إضافيًا على المصانع، وترجيح كفة الإغلاق.
في النهاية، لا يعود السؤال متى ستعود المعامل للعمل، بل من بقي أصلًا ليعود إليها. يختصر عامر المشهد بكلمات بسيطة: "المعمل سكت… ونحن سكتنا معه".