تقارير وتحقيقات | 7 04 2026
روزنة
قصة شله ليست حالة فردية، بل تكشف عن فراغ قاتل يواجهه آلاف المعتقلين السابقين في سوريا: نجوا من السجون، لكنهم تُركوا دون دعم نفسي أو طبي أو اجتماعي، في مواجهة تبعات لا تقل قسوة عمّا عاشوه خلف القضبان.
تكشف هذه الحادثة عن فجوة خطيرة في التعامل مع المعتقلين السابقين الذين خرجوا من السجون في ظروف فوضوية ودون أي آليات دعم واضحة.
في صباح الـ 8 من ديسمبر 2024 فتحت بوابات السجون والمعتقلات ومنها صيدنايا بشكل مفاجئ بهدف إطلاق سراح المعتقلين، يومها خرج أطفال ونساء ورجال معتقلون.
لكن المساجين آنذاك خرجوا مصدومين دون أي رعاية أو جهة تتعامل معهم طبياً ونفسياً. وبسبب الفوضى، لم تعرف هويات الكثير منهم، كما أدى التغير في ملامحهم وتراجع قدراتهم الذهنية إلى صعوبة التعرف عليهم. وبقيت الناس يومها تتنقل في الشوارع والأحياء وعند بوابات السجون تبحث عن ابن أو ابنة لها ربما لا يزالون على قيد الحياة.
وتشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان بنحو 24,200 شخص، الذين خرجوا من سجون ومراكز احتجاز نظام الأسد بعد سقوطه، فيما أشارت أنّ قاعدة بياناتها كانت تتضمن 136,614 معتقلًا ومختفيًا قسريًا على يد النظام حتى أغسطس/آب 2024.
ومن بين هذه المبادرات، برنامج الدعم الطارئ الذي أطلقته اللجنة الدولية للصليب الأحمر للمعتقلين السابقين والذي قدّم المساعدة لأكثر من 500 معتقل سابق خلال 7 أشهر.
أشكال المساعدة هذه تنوعت ما بين قضايا صحية ونفسية واجتماعية ولمّ الشمل، وأن البرنامج ساعد 176 شخصًا في الوصول إلى علاج طبي حرج، بينما تلقى 140 شخصاً دعماً نفسياً من اختصاصيين.
سوء التغذية
من الناحية الصحية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، الدكتور غدير برهوم في حديثه مع روزنة يقول: "في ظل الفترة الطويلة التي قضوها في ظروف إنسانية قاسية من جميع النواحي.. كان يجب أن تبدأ من الأيام الأولى لخروجهم من السجن".
ويتابع "معظمهم يعانون من سوء تغذية مزمن، وبعضه قد يكون حاد على أرضية مزمنة بسبب قلة الطعام ونوعيته السيئة.. إنّ تناوله لطعام عادي بعد الإفراج سيعرضه حتماً لمخاطر طبية، قد تنتهي بالوفاة".
وحذر من طريقة إعادة التغذية التي قد يتعرض لها هؤلاء بعد الإفراج، ويؤكد أنّ الذي خرج من تجويع طويل قد لا يتحمل الإطعام السريع مباشرة، ويتعرضون للمضاعفات الطبية ومن أخطرها "متلازمة إعادة التغذية".
"متلازمة إعادة التغذية"، وهي اضطراب خطير قد يحدث عند إعادة إدخال الطعام بسرعة بعد فترة من التجويع، وفقًا لـ National Health Service، ما يستدعي متابعة طبية دقيقة لتجنب مضاعفات قد تكون مهددة للحياة.
وأضاف أنّ الصور المؤسفة والمروعة التي رأيناها لشبان خارجين من سجون، بفقدان ذاكرة ونظرات فارغة، لا يعرفون أسماءهم ولا عناوينهم، لا ترتبط جميع هذه الحالات بالتعذيب المباشر فقط، بل أيضًا بعوامل صحية.
ويضيف: "غالبًا ما يكون السبب الغذاء السيئ وقلة كميته، ما يؤدي إلى نقص فيتامين B12 ما يسبب فقر دم واضطرابات عصبية ومشاكل إدراكية، ونقص فيتامين B1 الذي يؤدي لاعتلال دماغ (فيرينكه)" منوهاً أنّ هذا فيتامين B12 تحديداً غير موجود في المصادر النباتية، بل فقط في اللحوم، وهو ما لم يكن يقدم في السجون.
اضطرابات نفسية
ومن الناحية النفسية، تمتد الآثار لتشمل طيفًا واسعًا من الأمراض النفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، ونوبات الهلع المتكررة، والاكتئاب وما ينطوي عليه من فقدان المتعة والانسحاب الاجتماعي، بالإضافة إلى الاضطرابات التفارقية مثل الشعور بالانفصال، وتبدل الإحساس بالذات والثقة وتظهر هذه الاضطرابات بشكل خاص بعد التعرض الطويل والمتكرر للتعذيب.
وكانت مجلة لانست في تقريرها After release, another struggle: Syria's ex-detainees قد سلطت الضوء على معاناة المحتجزين السابقين في سجون الأسد، وعلى الواقع المزري الذي وجدوه خارج السجن، إذ أنّ كثيراً من الناجين يعودون إلى أحياء مدمرة أو متضررة بشدة، ويواجهون أزمات مالية، ولا يستطيعون العثور على عمل.
ويعود المعتقل إلى أسرة ومجتمع لديهما توقعات كبيرة منه؛ إذ أشارت المجلة إلى أن العائلات التي انتظرت أبناءها أو أزواجها لسنوات قد تتوقع منهم استعادة دورهم كمعيلين، بينما معظمهم غير قادرين جسديًا ونفسيًا على ذلك.
وعليه شدد برهوم على أهمية وجود رعاية أسرية ومجتمعية. لأن الصدمة تؤثر على الأسرة كلها، وقد تحدث "صدمة ثانوية" لأفراد الأسرة، كما قد تظهر مشاكل في العلاقات، الانسحاب، وفقدان الأمل. لذلك يحتاج المعتقل السابق إلى تثقيف أسري، دعم للعائلة، مجموعات دعم، وشبكات ناجين تساعد على كسر العزلة واستعادة الثقة تدريجيًا.
الناجون يحاولون سد الفراغ
وكانت منظمة العفو الدولية قد أشارت في تقريرها في يونيو/ تموز الفائت أنّ الناجين من سجون الأسد ما زالوا يعانون من آثار جسدية ونفسية شديدة، في ظل غياب شبه كامل للدعم الطبي والنفسي والاجتماعي.
وأكد التقرير أن كثيرًا من الناجين يواجهون أمراضًا مزمنة ومضاعفات صحية خطيرة مثل السل، ومشكلات في الأعصاب والمفاصل والعيون والأسنان، إضافة إلى أعراض تتوافق مع اضطراب ما بعد الصدمة. كما أن الوصول إلى العلاج ما يزال صعبًا جدًا بسبب تدهور النظام الصحي ونقص التمويل.
بينما يحاول بعض الناجين دعم بعضهم البعض، وفي ظل محدودية برامج الدعم الشاملة يبقى آلاف المعتقلين السابقين في مواجهة مصير مجهول، دون دعم حقيقي. بالنسبة لمحمد علي شله، لم تكن النجاة من السجن نهاية المعاناة، بل بدايتها.

