تقارير وتحقيقات | 10 05 2026
حبيب شحادة
في قرية عرامو بريف اللاذقية الشمالي كان أبو داوود، 65 عاماً، يقف كل صباح أمام حقله الصغير الذي لا تتجاوز مساحته عدة دونمات، هذا الحقل المزروع بالخضار والتبغ وبعض أشجار الزيتون وغيرها من الأنواع الأخرى المثمرة قُضم من قبل قطعان ماشية غريبة عن منطقته.
استيقظ الرجل الستيني منذ أيام ليجد قطيع ضخم من الأغنام والماعز يملكه شخص من البدو الذين استوطنوا في أطراف المنطقة يجتاح بستانه. لكنه عجز عن منعه رغم احتجاجه وقوله للراعي: "هذه أرضي والقانون يمنع الرعي هنا". ليأتيه جواب الراعي بأنّ "الأرض واسعة والغنم جوعان"، كما قال لـ "روزنة".
شعر المزارع أبو داوود بأنه "غريب في أرضه"، وفق تعبيره، بعد ما تركت قطعان الأغنام أرضه بلا "روح"، نتيجة رعي أغصان الأشجار والتبغ والخضروات وحتى الأعشاب. كما رفض تقديم شكوى خوفاً من تبعاتها، "هدون بدو وعشائر وما فينا نعلق معهم"، قال لـ "روزنة"، معتبراً أن عوضه على الله، وأن زراعة هذا الموسم كانت خسارة غير متوقعة بالنسبة إليه.
المزارع أبو داوود هو واحد من مئات المزارعين في ريف اللاذقية، الذين خسروا مزروعاتهم أمام أعينهم وسط عجزهم عن فعل شيء لحماية أرزاقهم، وما حصل معه جزء من ظاهرة تتسع في غياب رقابة الحكومة الانتقالية عن خطورة الرعي الجائر ليس فقط على الأمن الغذائي في المنطقة بل حتى على السلم الأهلي.
زحف القطعان
يعاني مزارعون في ريف اللاذقية ومن بينهم أبو داوود، من انتشار قطعان الماعز والأغنام العائدة للبدو التي ترعى في أملاكهم الخاصة وتقضي على مزروعاتهم وأشجارهم وسط عدم قدرة هؤلاء المزارعين على منعهم وتجاهل الجهات المسؤولة لما يجري، باستثناء إصدار محافظة اللاذقية قراراُ يمنع الرعي في حراج الدولة. صدر بتاريخ 27 آذار/مارس الجاري.
ورغم صدور تعميم في بداية عام 2026، من قبل وزارة الإدارة المحلية والبيئة، نص على منع الرعي في الأملاك الخاصة والأراضي الزراعية والحراجية والمتجددة طبيعياً، إلا أن قطعان البدو التي أعطاها التعميم مهلة سبعة أيام من تاريخ صدوره للترحيل والإخلاء الطوعي، ما تزال متواجدة في الريف الشمالي للاذقية.

وكانت بدأت معاناة هؤلاء المزارعين بعد سقوط النظام السوري السابق أواخر عام 2024، وتزايد تدفق غير مسبوق لقطعان الأغنام والماعز القادمة من البادية والمناطق الشرقية دون ضوابط من بينها الرعي في أملاك خاصة غصب عن المزارعين، ما يهدد لقمة عيشهم التي تعتمد على الزراعة.
على أنه قبل سقوط النظام السابق كانت حركة الرعي والبدو مضبوطة من قبل الدولة. إذ كان الرعي يخضع لضوابط قانونية وتعميمات من مديرية الزراعة التي منعته في الأراضي الحراجية التابعة للدولة، استنادًا إلى قانون الحراج، مع تحديد عقوبات على المخالفين، وفق ما قال عدد من المزارعين لـ "روزنة".
خوف يمنع الشكاوى
نظّم القانون رقم (39) لعام 2023 عمليات الرعي في حراج الدولة، مانحاً رخصاً مجانية للمجتمع المحلي وفق "سجلات مسوحات الثروة الحيوانية" وحمولة رعوية محددة. وحظر القانون الرعي نهائياً في المحميات، المواقع المحروقة (لمدة 15 عاماً) لضمان استدامة الغطاء النباتي.
وفي حين تطالب اليوم المجتمعات المحلية بتنظيم عمليات الرعي، وتحديد مناطق ومدد وأعداد مسموح بها، بما يوازن بين الاستدامة البيئية والاحتياجات الاقتصادية للبدو والمزارعين، يرفض هؤلاء الرعاة الخروج من مناطقهم رغم صدور تعميم وزارة الإدارة المحلية والبيئة منذ أكثر من ثلاثة أشهر، ودعوة وزارة الزراعة عبر دائرة الحراج في اللاذقية أصحاب المواشي للخروج تجنباً للعقوبات.
وبينما بررت وزارة الزراعة انتشار القطعان في الساحل بسبب الجفاف في السنوات السابقة، ردت على تساؤلات "روزنة" عن خطورة الرعي الجائر في الأراضي الزراعية عبر دائرة الحراج في "فرع الهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة في اللاذقية لمنع الرعي الجائر في حراج الدولة". وقالت: إنّ دائرة الحراج تُرحل قطعان الأغنام والماعز إلى خارج المحافظة، وتتشدد في ضبط المخالفات ومنع التعديات على الثروة الحراجية.
وأوضح علي قبعلو مدير فرع الهيئة في اللاذقية، أن منع الرعي في الأراضي الزراعية يجري من قبل مخافر الشرطة، وليس من اختصاص دائرة الحراج، موضحاً في حديثه لـ "روزنة" أنه يجب على المزارعين تقديم الشكاوى للمخافر لكي يجري التعامل معها. لكن هؤلاء المزارعين يمتنعون عن الشكوى نتيجة الخوف من تداعياتها، وفق ما قالوا لـ "روزنة".
ودعا قبعلو أصحاب المواشي للتعاون مع دائرة الحراج تجنباً للعقوبات التي تطالهم في حال رفضوا الخروج من المنطقة تطبيقاً للقانون 39 لعام 2023، مرجعاً السبب وراء كثرة القطعان في الساحل بسبب الجفاف الذي ضرب البلاد العام الفائت ما دفع أصحاب المواشي للقدوم، لكن اليوم ونتيجة غزارة الهطولات المطرية تحسنت المراعي في البادية، لم يعد هناك مبرر لوجودهم، وفق قوله.
بساتين تحوّلت لمرعى
هكذا لم يعد الرعي يقتصر على المشاع أو الأراضي البور، بل امتد ليشمل البساتين المثمرة وحقول الخضروات وغيرها، إذ تدَّمر تلك القطعان الأشجار الفتية والمحاصيل قبل نضوجها، كما قال أحمد وهو مزارع آخر يعيش في قرية قريبة من مدينة اللاذقية.
وأضاف لـ "روزنة": أن "أرضي تحولت إلى مرعى لا سلطة لي عليه"، حيث مرت قطعان البدو ولم تترك لنا سوى الأغصان اليابسة. مشيراً إلى أن هناك أكثر من 100 قطيع تتوزع في أراضي زراعية خاصة مع أصحابها البدو الذين نصبوا خيام وسكنوا فيها بجانب قطعانهم رغم اعتراض المزارعين وعدم قدرتهم على إخراجهم لامتلاكهم السلاح وخوفاً من الاصطدام معهم.
ورغم ضعف الإنتاج الزراعي في الساحل السوري لأسباب عديدة من بينها الحرائق والجفاف في السنوات السابقة، والتي أدت لخسائر كبيرة لحقت بالمزارعين، إلا أن هؤلاء اليوم قد خسروا ما كان يبقيهم على "قيد الحياة"، بحسب وصف أبو داوود، الذي قدّر خسارته بملايين الليرات السورية لهذا الموسم.
أكثر من ذلك، يشير المزارع أحمد إلى أن هناك بساتين من الزيتون في قرى قريبة من اللاذقية كحال "كرسانا" تحوّلت إلى مراعي للقطعان لأنها كانت عائدة لأسماء الأسد زوجة رئيس النظام السوري السابق، وهو ما دفع البدو للرعي بها وفي بساتين أخرى مجاورة لها كحال بستانه.
بينما رفض أصحاب قطعان مواشي في ريف اللاذقية الشمالي التحدث لـ "روزنة"، أكد صاحب قطيع أغنام متواجد في اللاذقية يدعى صالح، بأنه حصل على إذن من صاحب الأرض من أجل رعي أغنامه فيها، موضحاً في حديثه أن أغلب الرعاة في الأراضي الزراعية يحصلون على موافقة من أصحابها.
وقال لـ "روزنة": "لا نسرح في أرض لا يسمح أصحابها بذلك"، مشيراً إلى أنه لم يسمع بمهلة وزارة الإدارة المحلية والبيئة للرعاة من أجل إخراج قطعانهم من الساحل.
وعن دعوة وزارة الزراعة الرعاة للخروج من الساحل نتيجة تحسن المراعي في البادية، أوضح صالح بإن ذلك صحيح، لكن مراعي البادية مليئة بالألغام، وفي حال إزالتها لن نبقى دقيقة في الساحل، وفق تعبيره.
وينوي صالح بعد حوالي الشهرين مغادرة الساحل من تلقاء نفسه، إلى ريف حماة (منطقة الغاب) من أجل توفير مراعي لقطيعه بعد حصاد موسم القمح هناك.
عجز محلي
ما يزيد من مرارة وضع هؤلاء المزارعين هو حالة العجز الكلي، فالمزارع الذي كان يلجأ للقانون ومخافر الشرطة قبل سقوط النظام السابق، يجد نفسه اليوم وحيداً أمام البدو وقطعانهم، كما حال المزارعين أحمد وأبو داوود وغيرهما، خصوصاً أن هؤلاء البدو يملكون السلاح ويعتمدون مبدأ "فرض الأمر الواقع"، وفق أحمد.
ويوضح في حديثه، أن السلطات المحلية سواء كانت أمنية أو مدنية تفتقر إلى الأجهزة التنفيذية القادرة على منع هذه التعديات، وسط خوف لمزارعين من التصادم والدخول في مواجهات مباشرة مع الرعاة وتحول الخلاف إلى نزاع مسلح.
وفي السياق، يوضح المهندس الزراعي وليد طه، أن مخالفات الرعي في الأراضي الخاصة ليست من اختصاص دوائر الحراج التابعة لمديرية الزراعة باللاذقية، وإنما من اختصاص الوحدات الشرطية، موضحاً أن أغلب المزارعين يخافون من الشكوى لتلك الوحدات، ما فاقم مشكلة الرعي الجائر، وفق تعبيره.
أزمة حديثة بلا حلول
تُعد مشكلة رعي قطعان الأغنام والماعز في اللاذقية من التحديات الراهنة التي تؤثر على مزارعي ريف اللاذقية، حيث تدخل القطعان دون رقابة إلى البساتين، ما يسبب أضرارًا كبيرة بالمحاصيل، كما قال المهندس الزراعي وليد طه لـ "روزنة".
وأضاف، بأن الرعاة يستغلون هذا الواقع لنصب خيامهم في الأراضي الزراعية وفرض الرعي على القرى الجبلية، ورغم أن الرعي يمكن أن يكون مفيدًا في تقليل الحشائش ومنع الحرائق، إلا أن غياب الضوابط يؤدي إلى تضرر المزارعين، وفق وصفه.
ويقول: بإنّ الحل قد يتطلب تنظيمًا دقيقًا، مثل "السماح بالرعي في أوقات معينة وتحديد مناطق للرعي، مع فرض عقوبات على المخالفين". مشيراً إلى أن المزارعين في اللاذقية تعرضوا لأضرار جسيمة بسبب رعي قطعان الأغنام في أراضيهم، حيث تُستخدم مناطق زراعية خاصة كمراعٍ دون رقابة.
كارثة بيئة
لا يقتصر الرعي الجائر على الملكيات الخاصة، بل تعداها إلى أحراج الدولة، خصوصاً تلك التي شهدت حرائق خلال السنوات الماضية، ما يمنع استعادة عافيتها الطبيعية، وفق ما ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان".
وبحسب "المرصد"، هناك غياب شبه كامل للرقابة الفعلية، ما ساهم في اتساع رقعة الأضرار وتسارع وتيرتها، جراء الانتشار الكثيف لمربي المواشي القادمين من مناطق البادية. مشيراً إلى أن هذه الممارسات تنذر بتداعيات بيئية خطيرة، أبرزها تدمير الغطاء النباتي الذي يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة التصحر والانجرافات، إلى جانب تقويض فرص تعافي الغابات المتضررة.
هكذا خسر أبو داوود موسمه الحالي، من زيتون وتبغ، وبقيت أرضه شاهدة على ما فعلته قطعان البدو بها في صراع وصفه بـ "غير المتكافئ" بين مزارع لا يملك غير بستانه وراعي عابر يملك القوة والنفوذ، وفق تعبيره، على أمل استعادة طاقته لترميم خساراته.