تقارير وتحقيقات | 4 04 2026
حبيب شحادة
يجد عبد اللطيف، وهو موظف متقاعد، نفسه اليوم، أمام رحلة مرهقة لا تقل صعوبة عمّا عاشه خلال سنوات عمله، إنها كما يقول رحلة "قبض المعاش"، بعد أن أمضى ثلاثاً وثلاثين عاماً متنقّلًا بين المكاتب الحكومية في اللاذقية غربي سوريا.
ينتظر الرجل السبعيني راتبه التقاعدي متحملًا عناء الوقوف أمام كوة البريد في طوابير تمتد لساعات، في معاناة تتكرر شهرياً. يقطع عبد اللطيف مسافات طويلة من قريته في ريف اللاذقية نحو المدينة، حيث تخصص مؤسسة البريد كواتها لتسليم المتقاعدين مستحقاتهم. ويقول لـ "روزنة" بتهكم مرير: "راتبي التقاعدي في عام 2026 لم يعد يعادل أجرة النقل من قريتي إلى المدينة لمرات معدودة".
يأتي تأخر صرف الرواتب في وقت تشهد فيه معظم الجهات الحكومية تعثراً في الدفع، ويُعزى ذلك إلى ضغوط مالية متصاعدة تواجهها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، مما يهدد بقاء نظام التقاعد كركيزة للدعم الاجتماعي. ويرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن صرف المعاشات في سوريا بات تحدياً مستمراً يعكس الصراع بين الالتزام الاجتماعي والضغوط الاقتصادية التي تواجهها الدولة.
المعاش "عبء" لا حق
تحول "المعاش" من حقٍّ مستحقٍّ نتاج عقود من العمل إلى "عبء" ينتظره المتقاعدون بفارغ الصبر رغم ضآلته. وما زاد الطين بلة هو استثناء المتقاعدين من زيادة الرواتب الأخيرة التي بلغت 50%.
وكان رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، قد أصدر في 20 آذار/مارس الجاري مرسوماً يقضي بإضافة 50% إلى الرواتب والأجور المقطوعة للعاملين في القطاع الحكومي، مستثنياً نحو 476 ألف متقاعد، مما فاقم معاناتهم في ظل التضخم الجامح. من جهته، أكد وزير المالية يسر برنية أن هناك زيادة مرتقبة للمتقاعدين، مشيراً إلى أن العمل جارٍ على إصلاح المنظومة برمتها لضمان استدامتها المالية وتحسين الخدمات.
"صدقة مؤجلة"
يعيش المتقاعدون أزمات متلاحقة جعلت من الراتب "معاشاً لا يُعاش به". يصف عبد اللطيف معاشه لـ "روزنة" بأنه صار "صدقة مؤجلة" تصل متأخرة عن موعدها، لتبخرها في أيام قليلة بين أرفف البقالة وفواتير الصيدليات. ويوضح أنه يتقاضى 850 ألف ليرة شهرياً، يذهب أكثر من نصفها ثمناً لأدوية السرطان التي يتلقاها في المشافي الحكومية منذ ثلاث سنوات.
أما سهيلة، التي خدمت في الوظيفة العامة 31 عاماً، فترى أن التقاعد لم يعد "استراحة محارب"، بل مصدر قلق دائم حول الاستقرار المعيشي والصحي في ظل غياب أي دخل بديل. تقول لـ "روزنة": "راتبي يكفي لعشرة أيام فقط. المبالغ التي كانت تُقتطع من راتبي قبل التقاعد كانت ذات قيمة، أما اليوم فالمعاش بلا أي قدرة شرائية".
عبد اللطيف، وسهيلة ليسا استثناء، هما حالتين من أكثر من 476 ألف متقاعد ومتقاعدة، باتت معاناتهم ظاهرة تتكرر شهرياً وسط فشل الحكومة الانتقالية في إيجاد حل جذري لهم، ووعد وزير المالية يسر برنية بزيادة قادمة وإصلاح نظام التقاعد.
أما الخبير الإداري تيشوري، فيشير إلى أن معاشات المتقاعدين يجب ألا تبقى وفق قيمتها الاسمية، وإنما يجب رفع القدرة الشرائية للراتب التقاعدي مع تطورات التضخم وارتفاع الأسعار بحيث يبقى للمعاش التقاعدي قدرة شرائية توفر عيش كريم للمتقاعدين.
ويتفق معه في الرأي الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر لناحية أن المعاشات الثابتة تفقد تدريجيًّا قيمتها؛ ما يُقلّل قدرة المتقاعد على تغطية نفقاته الأساسية مثل الغذاء والدواء والإيجار، ويدعو إلى تعديل المعاشات بشكل دوري وفق مؤشرات التضخم للحفاظ على مستوى معيشي مقبول.
لماذا يتأخر صرف المعاش التقاعدي؟
يُعزى تأخر صرف رواتب المتقاعدين إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة ونقص السيولة، رغم أن وزارة المالية أوضحت أن تحويل الراتب يجري من أول إلى خمسة أيام من كل شهر بنظام التأمينات الاجتماعية.
ويرى خبراء في الإدارة العامة ومنهم الخبير الإداري تيشوري، أن الراتب التقاعدي للموظف حق له يجب دفعه في وقته المحدد ولا يحق للسلطة التلاعب بوقت تسليمه. ويجب ألا يحصل به أي مشكلة لا تقنية ولا عجز ولا نقص سيولة، وذلك انطلاقاً من مفهوم الضمان الاجتماعي الذي يعني تأمين إلزامي شمولي، وفق تعبيره.
ويقول تيشوري إنّ "معاش الموظف المتقاعد كان يقتطع كجزء من راتبه مقابل التزام الدولة بإعادته عندما يحال الموظف للتقاعد وليس مال خاص للدولة". لذلك يجب أن تبقى هذه الأموال محفوظة لانها حق مقتطع من أجر العاملين سابقاً بحسب قانون التأمينات الاجتماعية السوري رقم 92 لعام 1952، كما أوضح تيشوري.
ويؤكد، أنه لا يحق لوزارة المالية أن تتأخر في صرف معاشات المتقاعدين تحت ذرائع متعددة من بينها نقص السيولة وغيرها.
أما الباحث الاقتصادي، يحيى السيد عمر فيرى، أن التأخير في صرف المعاشات لا يرتبط بمشكلة تقنية بسيطة، إنما هو نتيجة لتشابك عوامل مالية وإدارية.
ويقول لـ "روزنة": إنّ جزء من المشكلة يعود إلى تعقيدات الإجراءات في المؤسسات الحكومية، إضافةً إلى محدودية السيولة لدى المصارف، ما يؤدي إلى البُطْء في تحويل الأموال إلى الجهات المسؤولة عن الصرف. وهذا الوضع يكشف عن ضعف إدارة الموارد المالية، ويجعل التزام الدولة بالمواعيد المحدَّدة لصرف المعاشات أكثر تحديًا، كما قال.
من جانبها تبرر الحكومة الانتقالية عبر المؤسسة السورية للبريد التأخر في صرف رواتب المتقاعدين، نتيجة نقص السيولة المالية وتأخر تسليم "الكتل المالية" للمصارف والبريد.
ووسط تلك التبريرات يعاني المتقاعد صعوبة في الحصول على معاشه بشكل متكرر، مع تركز الأزمة في مطلع كل شهر، وفق ما أكد عدد من المتقاعدين لـ "روزنة" ومنهم عبد اللطيف.
تأخر في التحويل
رغم وجود الكتل المالية الخاصة بالمعاشات لدى مؤسسة التأمينات، يكمن التحدي وفق الباحث الاقتصادي عمر، في تحويل هذه الأموال في المواعيد المناسبة، قائلاً: إنّ "الحكومة تعمل على تطوير آليات أكثر مرونة لضمان وصول المستحقات في وقتها، بما يحمي حقوق المتقاعدين ويَحُدّ من الأثر الاجتماعي لأيّ تأخير".
وكان قد صرح وزير المالية محمد يسر برنية في وقت سابق، أنه سيتم تحويل رواتب المتقاعدين الخاضعين لنظام التأمينات الاجتماعية بدءاً من اليوم الأول حتى الخامس من كل شهر، على أن تحوّل رواتب الخاضعين لنظام التأمين والمعاشات من اليوم السادس حتى العاشر من كل شهر.
ويصف تيشوري خطوة وزير المالية بـ "الجيدة" لكنها "غير مكتملة وغير مدروسة"، وفق تعبيره، وكان يجب وأن تعلن مع زيادة الموظفين، وأن تكون الزيادات النوعية معلنة، قائلاً: إن مراسيم زيادة الرواتب غير واضحة وغير شفافة لناحية النسب المئوية، وهي "إنجاز سياسي استعراضي أكثر منه إنجاز مالي حقيقي".
أما الباحث الاقتصادي عمر فيرجع عدم شمول الزيادات الأخيرة المتقاعدين إلى تركيز الحكومة أولًا على ضبط الموارد واستدامة النظام قبل التوسُّع في الزيادات. وهذا التوجُّه، بحسب رأيه، يُظهر أهمية الجمع بين الاستدامة المالية والحماية الاجتماعية للمتقاعدين، مع الحرص على تحسين قُدرتهم الشرائية في المستقبل.
ويضيف أن استقرار المعاشات التقاعدية يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالسياسات الاقتصادية العامة؛ إذ تُؤثّر عوامل مثل التضخم وقيود النقد الأجنبي والاختلالات في المالية العامة على القدرة على الصرف في مواعيدها. لذلك، تصبح إدارة الأموال بفاعلية أولوية إستراتيجية لا تقلّ أهمية عن أيّ إصلاح تقني أو قانوني.
ويحذر من تحول تأخير صرف المعاشات التقاعدية إلى أزمة اجتماعية وسط فشل المعاش التقاعدي في الحفاظ على كرامة المتقاعد ومستوى معيشته.
كيف يُدار نظام التقاعد؟
يحتاج نظام التقاعد للإصلاح وإلى إدارة جديدة تدير أموال المتقاعدين بذهنية استثمارية وأن تساهم مؤسسة التأمينات الاجتماعية بأموالها بقنوات استثمارية تغذي رواتب المتقاعدين بدلا من بقائها مجمدة ما يفقدها قيمتها مع الزمن، بحسب ما أفاد تيشوري.
ويدار نظام التقاعد في سوريا من خلال مؤسسات التأمينات الاجتماعية، ويعتمد، بحسب الباحث الاقتصادي عمر، على التمويل الجاري؛ إذ تُصرَف المعاشات من مساهمات العاملين الحاليين وليس من أصول مستثمرة، ما يضع عبئًا إضافيًّا على استقرار الموارد المالية ويجعل إدارة الأموال بشكل فعّال أمرًا حيويًّا لتفادي أيّ تأخير في الصرف.
كذلك، فإنّ استدامة نظام المعاشات تتجاوز مجرد توافر الموارد المالية، إلى الاعتماد بشكل أساسي على كفاءة إدارة هذه الموارد وتنظيمها وفق أولويات اجتماعية واضحة؛ بحيث لا تتأثر حياة المتقاعدين بأيّ ضعف في التخطيط أو تأخُّر تحديث قواعد الصرف، وفق الباحث عمر، الذي يصف نظام التقاعد الحالي بأنه "إرث من النظام البائد، ويعاني من خلل في طرحه الإداري؛ إذ لا تزال آلياته تعكس ذلك النموذج القديم".
وتؤكد الأزمة الحالية وفق عمر، أن معاشات المتقاعدين ليست مجرد التزام مالي، بل هي جزء أساسي من المسؤولية الاجتماعية للدولة، على أن نجاح إصلاح نظام التقاعد يتطلّب سياسات مالية متوازنة، وإدارة مرنة للموارد، وشفافية في العمليات لضمان حقوق المتقاعدين،كما قال الباحث الاقتصادي.
يبقى أن الاستمرار في "تجاهل أزمة المتقاعدين وتأخر صرف المعاشات"، كما قال عبد اللطيف، ليس مجرد خلل إداري، إنما تنصل أخلاقي من التزامات الدولة تجاه فئة أفنت عمرها في الخدمة العامة. وبينما تغرق الحكومة في تبريراتها يغرق المتقاعد في ديونه كما حال عبد اللطيف وغيره من المتقاعدين.
