تقارير وتحقيقات | 23 03 2026
باميلا صعب
أمضينا أسبوعاً في الشارع"... هكذا تروي سميّة حكايتها مع النزوح. "تركت بيتي في الضاحية الجنوبية لبيروت ومعي ثلاثة أطفال لأن زوجي في سوريا الآن، بدأت التهديدات الإسرائيلية وكان علينا أن نغادر بسرعة، وبذلك لم أستطع إحضار أغراضاً وثياباً كافية. ساعدنا أحد الجيران في الخروج، لكن كان علينا أن ننام في الشارع على الكورنيش البحري في بيروت، لأننا لم نجد مأوى يستقبلنا".
وتتابع لـ"روزنة": "نمنا في خيم صغيرة مع جيراننا، تحملنا البرد والمطر والجوع والتعب، ثم أخذت عائلتي وذهبت لبيت أخي في طرابلس شمال لبنان. البيت من غرفتين ويعيش فيه حالياً 20 شخصاً، عائلة أخي وأهل زوجته وأنا وأولادي".
كما كل الأزمات التي عصفت في لبنان وأثرت على النازحين السوريين، فالحرب المشتعلة بين حزب الله وإسرائيل ألقت بثقلها على جميع العزّل والمساكين وبينهم النازحون السوريون ضمناً الذين كانوا يعيشون في مناطق النزاع، ليصبحوا نازحين مرة أخرى في بلد النزوح، لكن هذه المرة مع ظروف أقسى وأصعب و تهميش من قبل المجتمع المضيف و الجمعيات التي تقوم بتقديم مساعدات للنازحين.
يختصر أحمد شعبان النازح السوري الذي هرب من عين عرب في قضاء مرجعيون في محافظة النبطية إلى مخيم في المدينة الصناعية في زحلة معاناته بوصفها أنها باتت أشبه ب"سقف حديد عم بشر ماي من فوق وحصيرة بنام عليها"....

50 شخصاً وخيمة واحدة
مع بدء الحرب الإسرائيلية على لبنان نزح أحمد شعبان مع 50 شخصاً آخرين من عائلته عبر جرارات زراعية إلى مخيم في مدينة زحلة.
وبحسب أحمد فقد إستغرقت الطريق من عين عرب إلى زحلة قرابة النصف اليوم في حين أنها في الأوقات العادية تستغرق ساعتين. وما إن وصل أحمد وعائلته إلى وجهتهم، حتى وجدوا أنفسهم جميعاً في خيمة واحدة. أمضوا ليلتهم الأولى على أرض الخيمة لعدم توفر الفرش والبطانيات، حتى قام أهالي المخيم في اليوم التالي بتقديم بعض الفرش والبطانيات لهم.
يصف أحمد حياته قبل الحرب بالجيدة إلى حد ما، إذ كان يعمل في المشاريع الزراعية ببدل يومي لا بأس به، يكفيه لسد حاجات أسرته مع توفر المياه والكهرباء بشكل مجاني، لأن منزله متاخم لمنزل صاحب المشاريع الزراعية التي يعمل فيها.
وعلى الرغم من رداءة الأوضاع في المخيم الذي إنتقل إليه أحمد بسبب الحرب، لعدم توفر أبسط مقومات الحياة فيه من مياه الاستعمال والكهرباء، إلى غرق المخيم بالمياه فور هطول الأمطار، إضافة إلى غياب المساعدات من قبل الجمعيات والجهات الرسمية. تبقى فكرة العودة إلى سوريا حالياً مستحيلة بالنسبة إليه، بسبب عدم توفر فرص العمل، وتدني الأجور في حال إيجاد وظيفة.
وبحسب أرقام رسمية، فقد تجاوز عدد العائدين إلى سوريا بسبب الحرب الـ130 ألف شخص، فقد شهدت المعابر الحدودية منذ الثاني من شهر آذار/ مارس حركة خروج ملحوظة للسوريين من لبنان، لا سيما من منفذي (جديدة يابوس- المصنع) بين دمشق وبيروت، و(جوسية) الذي يربط بين جنوب غرب مدينة القصير في سوريا وقرى القاع شمال لبنان. في المقابل، فكثيرون لم يستطيعوا المغادرة بسبب الأوضاع الصعبة في سوريا أيضاً.
.
. 
مأساة النزوح…
نزح أبو ناهي من منطقة البابلية قضاء صيدا (جنوب لبنان) في اليوم الثامن من الحرب، عندما بدأ القصف الإسرائيلي يطال المنطقة، وإتجه مع أسرته إلى زحلة، وتحديداً الى المخيم الذي لجأ إليه في الحرب السابقة.
يعيش أبو ناهي في لبنان منذ خمسة عشر سنة، أمضى تسع سنوات منها في منطقة الزهراني، ثم انتقل إلى البابلية، حيث عمل في زراعة الكوسا والدخان، "كانت حياتنا مقبولة وبسيطة لكن الحرب حولتها إلى مأساة"، يقول لـ"روزنة".
فالحياة في المخيم الذي نزح إليه صعبة جداً، لعدم توفر وسائل التدفئة وغلاء المحروقات و مشاكل الصرف الصحي وعدم توفر المياه، وغياب أي تقديمات سواء من المفوضية العامة لشؤون اللاجئين أو من الجمعيات.
ينتظر أبو ناهي انتهاء الحرب حتى يعود إلى البابلية، حيث كان يعمل بمقابل مادي لا بأس به وفق ما أشار، إذ كان يتقاضى على ساعة العمل 150 ألف ليرة لبنانية أما في البقاع فالعامل الزراعي يتقاضى نصف هذا المبلغ إن توفرت فرصة العمل أصلاً.
معاناة فوق المعاناة…
قضى النازح السوري أبو جميل 25 ساعة حتى وصل من زبقين في قضاء صور إلى عكار، حيث استأجر منزلاً في بلدة مشحة الشمالية، لكن بعد ثمانية أيام فقط طلب منه صاحب المنزل إخلاءه وقطع المياه عنهم للضغط عليه وعلى عائلته، لأسباب غير واضحة على الرغم من قيام أبو جميل بدفع الإيجار مسبقاً وفق ما أخبرنا، وقد اضطر أبو جميل نتيجة ذلك للانتقال إلى منطقة برقايل العكارية، حيث استأجر منزلاً آخر.
يصف أبو جميل الوضع ب المذري، إذ أن الجمعيات تقدم الوجبات الساخنة والمساعدات العينية والغذائية للنازحين اللبنانيين الموجودين في المنازل القريبة من منزله دون أن تقدم له أي مساعدة.
وبسبب نقص الفرش والبطانيات، يقول أبو جميل أن كل خمس أفراد من عائلته ينامون على فرشة واحدة ويستخدمون الغطاء والبطانية نفسها.
أما عن إمكانية العودة الى سوريا فيقول أبو جميل أنها شبه مستحيلة، ليس بسبب الوضع الاقتصادي فقط بل بسبب الوضع السياسي أيضاً، بخاصة أن جبهة النصرة قد استولت على الأراضي التي يملكها أبو جميل في سوريا. "صديق لي غادر الى سوريا بسبب الحرب، وهو ينتظر أن تهدأ الأوضاع حتى يعود الى لبنان مرة أخرى، ففي سوريا الظروف أصعب".
يروي بعض النازحين الذين التقيناهم عن التمييز بين النازحين، فمراكز الإيواء تفضل تأمين مأوى للبناني، فيما السوري هو نازح درجة ثانية، كما يقول ناجي الأحمد. وهي معاناة عاشها النازحون في الحرب الماضية وها هي تتكرر اليوم، بظل شح المساعدات وصعوبة الظروف والحرب المفتوحة. والرفض والتمييز لا يقتصران على مراكز الإيواء الرسمية، فقد سجّل كثيرون صعوبات في إيجاد شقة للإيجار في مناطق آمنة أو الحصول على المساعدات من الجمعيات وسواها.
يدفع النازحون السوريون ثمن الحرب مرتين، مرة بسبب النزوح والتهجير، ومرة بسبب التمييز والمعاملة غير الإنسانية، على الرغم أن إتفاقية جنيف تحظر التمييز العنصري في معاملة المدنيين في الحروب، وتلزم أطراف النزاع بتسهيل مرور الإمدادات الإغاثية دون تمييز.
والى أن تجد المساعدات طريقها إلى النازحين، ستصبح الفرشة والبطانية حلماً ثقيلاً في هذه الليالي الباردة!