تقارير وتحقيقات | 8 03 2026
خاص - روزنة
تعيش سوريا مرحلة فراغ تشريعي في مرحلتها الانتقالية ساهم في بروز تأويل واستغلال لمفاهيم من بينها "الحريات الشخصية" و"الآداب العامة".
وبات توقيف المفطرين في شهر رمضان يمثل واحدة من تجليات هذه الإشكالية، إذ تتخذ إجراءات توقيف واحتجاز استناداً إلى أعراف اجتماعية تفتقر إلى غطاء قانوني وتشريعي واضح، وتكشف كيف تتحول "الآداب العامة" إلى ذريعة لتقييد حريات الأفراد في ظل غياب سيادة القانون.
وتأتي تلك التعديات على الحريات العامة في ظل تنامي تيار ديني متشدد يعكس الخلفية السلفية الجهادية لهيئة تحرير الشام التي باتت تحكم سوريا في المرحلة الانتقالية، وفق تقرير لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، بعنوان: "تحولات الفضاء الديني في سوريا بعد سقوط النظام: قراءة في الإقصاء والتشدد والضغوط"، نشر بتاريخ تموز/يوليو 2025.
لا قانون يجرّم الإفطار
رغم عدم وجود قوانين رسمية تجرّم الإفطار العلني خلال شهر رمضان في سوريا، إلا أن ذلك لم يمنع من حدوث حالات توقيف بسبب الإفطار من بينها توقيف موظفة في سلمية بريف حماه، وصحفي بحلب، ما أثار جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي حول حدود الآداب العامة.
وتظهر تلك التدخلات في الحياة الخاصة تطبيقًا حكومياً للضوابط الاجتماعية والأخلاقية، خاصة بعد سقوط النظام السوري السابق أواخر عام 2024، واستلام "هيئة تحرير الشام" للسلطة، وفي ظل عدم وجود نص قانوني صريح يعاقب من يفطر في شهر رمضان ضمن قانون العقوبات السوري.
وزارة الأوقاف السورية أصدرت العام الماضي تعميماً للجهات العامة والخاصة بضرورة احترام خصوصية شهر رمضان المبارك وعدم الجهر بالافطار في شهر رمضان تحت طائلة العقوبة في المادة 462 من قانون العقوبات.
نصت المادة (462) من قانون العقوبات على ما يلي: «من أقدم بإحدى الطرق المنصوص عليها في المادة (208) على تحقير الشعائر الدينية التي تمارس علانية أو حث على الازدراء بإحدى تلك الشعائر عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتين».

ماذا حصل؟
في السلمية بريف حماة تعرضت موظفة في عدلية السلمية للتوقيف لساعات قبل الإفراج عنها بتهمة "الجهر بالإفطار"، إذ أُوقفت بناء على قرار صادر عن المحامي العام في حماة، بعدما جرى ضبطها تمضغ العلكة أمام المراجعين داخل العدلية.
وقالت السلطات القضائية إن هذا الفعل يندرج تحت بند "الجهر بالإفطار في شهر رمضان"، ووصفته بأنه "سلوك غير حضاري أمام المراجعين ومخالف للآداب العامة"، وفق ما نقلت "جريدة سلمية" المحلية على صفحتها بموقع فيسبوك عن القاضي رضوان الحمود رئيس النيابة العامة في سلمية.
لا يقدّم قانون العقوبات السوري تعريفًا صريحًا لمفهومي التحقير والازدراء للشعائر الدينية، وهو ما دفع الفقهاء القانونيين إلى تفسير هذين المصطلحين. ويرى معظمهم أن المقصود بهما هو الإهانة، أي أن كل قول أو فعل يتضمن إهانة للشعائر الدينية التي تُمارس علنًا يمكن أن يُعدّ تحقيرًا أو ازدراءً لها.
ولا يقتصر الأمر على الإهانة المباشرة، إذ يعاقب القانون أيضًا على الحثّ على ازدراء الشعائر الدينية، أي الدعوة أو التشجيع على إهانتها. وبالتالي فإن أي فعل يتضمن تحريضًا على إهانة الشعائر الدينية التي تُمارس علنًا قد يُشكّل جريمة يعاقب عليها القانون. ولا يميز النص القانوني في هذا السياق بين دين وآخر، إذ يشمل نطاقه جميع الأديان.
ويشترط القانون لقيام هذه الجريمة أن يتم الفعل بصورة علنية، وهو ما حدّدته المادة (208) من قانون العقوبات التي بيّنت وسائل العلنية. وتشمل هذه الوسائل الأفعال أو الحركات التي تقع في مكان عام أو في مكان مفتوح للجمهور أو معرّض للأنظار، وكذلك الكلام أو الصراخ إذا كان مسموعًا للآخرين، سواء بشكل مباشر أو عبر وسائل تقنية. كما تعدّ من وسائل العلنية أيضًا الكتابات والرسوم والصور والأفلام والرموز إذا عُرضت في أماكن عامة، أو جرى بيعها أو توزيعها على شخص واحد أو أكثر.
وبذلك، فإن توفر عنصر الإهانة إلى جانب عنصر العلنية يشكلان معًا الأساس القانوني لقيام جريمة ازدراء الشعائر الدينية وفق أحكام قانون العقوبات السوري.
التدخين ممنوع!
وفي حلب تعرض الصحفي وسام محمد للتوقيف بذريعة الإفطار أيضاً، وجرى معاملته بطريقة "سيئة"، وفق قوله. مضيفاً أن أحد الحواجز لاحظ أنه يحمل سيجارة أثناء النهار، ما استدعى توقيفه ونعته بـ "الكافر"، بحسب تعبيره.
وفي ريف دمشق، أصدرت النيابة العامة تعميماً بعدم المجاهرة بالإفطار خلال شهر رمضان داخل القصر العدلي، مع فرض عقوبات بحق المخالفين، وفق موقع "تلفزيون سوريا".
ونص التعميم على "يرجى عدم التدخين والمجاهرة بالإفطار احتراما لمشاعر الصائمين، وفي حال المخالفة يتم تنظيم الضبط اللازم وتوقيف المخالف وتحريك الدعوى العامة بحقه استناداً لأحكام المادة 517 بدلالة الفقرة الأولى من المادة 208 من قانون العقوبات، بجرم التعرض للآداب العامة من قانون العقوبات العام".
لا عقوبة بلا نص
يؤكد المحامي السوري تحسين حسن على أن قانون العقوبات السورية لا ينص على عقوبة للإفطار العلني برمضان بشكل صريح، ويقول لـ "روزنة": تلك العقوبة تعود لاجتهاد سابق وقديم لمحكمة النقض يجعل من الإفطار العلني برمضان يندرج في بند "مخالفة الآداب العامة".
ويوضح في حديثه أن المادة 208 من قانون العقوبات، لا تتضمن عقوبة محددة للمفطر علنًا في رمضان، وأنه يجري استغلال تفسيرات تلك المادة وتطبيقها على المفطرين عبر اجتهادات قضائية قديمة وغير ملزمة قانونياً لكنها تحولت اليوم إلى بند يمكن استغلاله لتقييد الحريات العامة.
ويشير إلى أن مصطلح "الآداب العامة" "والحياء العام" في مواد قانون العقوبات السوري تُعنى حصراً بالأفعال والممارسات الخادشة للحياء في الأماكن العامة، ولم تتضمن نصاً يجرم الإفطار في رمضان أو اعتباره "فعلاً منافيا للآداب العامة". مردفاً أن السلطات القضائية تحاول سحب المفهوم ليشمل الالتزام بالشعائر الدينية.
وهذا ما جرى وفق رئيس نيابة عدلية السلمية، الذي اعتبر أن قرار توقيف الموظفة استند إلى "المادة 517" من قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 لعام 1949، والتي تنص على معاقبة من يخالف الآداب العامة، بما في ذلك الإفطار العلني في رمضان، بعقوبة حبس قد تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنتين.
أكثر من ذلك ما يجري يخالف الإعلان الدستوري المؤقت والذي نص على: "حماية الحريات الشخصية"، وفق ما قال حسن الذي أكد على مبدأ واضح يقول: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني".
تفاوت في التضييق
في المقابل، يبدو الوضع مختلفاً في مدن مثل العاصمة دمشق إذ رصدت "روزنة" وجود مطاعم ومقاهٍ تعمل خلال نهار رمضان بدون أي تضييق، وحتى في الشوارع والحدائق العامة يمكن مشاهدة أناس يتانولون الطعام والشراب و كذلك التدخين دون أي تدخل من أحد.
وهذا الجدل حيال توقيف المفطرين في رمضان سواء بنص قانوني أو بدونه يعكس صراعاً بين مفهوم الحريات والآداب العامة كما يراها قضاة اليوم، وبين المفاهيم الحديثة لحقوق الإنسان التي تكفل حرية الاعتقاد وغيرها من الحريات العامة.

