في مشهد يستمع فيه الشيف (طلحت) الذي يجسده عباس النوري إلى مونولوج "شوف وين وصلنا.. شوف" مع صديق عمره باستدعاء لذاكرة ثقافية دمشقية قديمة، عنوانها: سلامة الأغواني.
لكن من هو سلامة الأغواني؟ ولماذا بقي اسمه مرتبطًا بالغناء الشعبي الناقد، وبالاحتجاج الاجتماعي والسياسي المبكر في سوريا؟
من هو سلامة الأغواني؟
سلامة الأغواني هو الاسم الفني لـ سلامة أحمد المصري، ويُقدّم في المراجع بوصفه من أبرز من اشتغلوا على المونولوج الناقد في سوريا، وهو فن غنائي ساخر يلتقط هموم الناس اليومية ويحوّلها إلى "حكاية" تُغنّى بلهجة قريبة من الشارع.
نشأ الأغواني في حي القيمرية بدمشق، واشتغل في بداياته سائقًا قبل أن يتجه إلى الزجل ثم إلى الغناء الساخر.
تختلف بعض المصادر في سنة ميلاد الأغواني (بين 1907 و1909). فـ "دار الوثائق الرقمية التاريخية" تذكر 1907، بينما ويكيبيديا تذكر 1909.
"شوف وين وصلنا.. شوف": مونولوج ساخر من ثلاثينيات سوريا
المونولوج الذي عاد عبر مسلسل "مطبخ المدينة" ليس أغنية شعبية "خفيفة"، بل قطعة تحمل روح زمنها. "دار الوثائق الرقمية التاريخية" تُعرّفه بأنه مونولوج سياسي اجتماعي ساخر مسجّل في حلب خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وقدّم بلهجة محلية تلتقط النقد السياسي والاجتماعي بصياغة شعبية مباشرة.
من الزجل إلى الأسطوانة: شراكة مبكرة مع صبحي سعيد
منعطف سلامة أفندي الأغواني الفني الأهم كان التحول من كتابة الزجل إلى أداء المونولوج، ثم التعاون المبكر مع الملحن صبحي سعيد، حيث لحّن له مونولوجات قُدّمت بصوته عبر الأسطوانات.
وتوضح "دار الوثائق الرقمية التاريخية" أن أول ما قدّمه كان عام 1927 عبر مونولوجين يحملان عنوان:
"نحنا الشوفيرية نحنا يا جدعان" و"اسمعوا يا أهلية" "الأرض لأبونا وجايين ينهبونا" .
ضد الانتداب الفرنسي: حين يصبح الغناء ملفاً أمنياً
لم تكن سخرية الأغواني محصورة بالاجتماعي، بل لامست الاحتلال والسلطة. حيث أزعجت أعماله سلطات الانتداب الفرنسي، وأصدرت بحقه قرارات منع وملاحقة ونفي.
وتذهب "دار الوثائق الرقمية التاريخية" إلى تفصيل أشد تحديداً، بالقول إن هذه المونولوجات أغضبت سلطات الاستعمار، فصدر قرار بنفيه، ثم عاد بعد توسط رئيس الجمهورية آنذاك محمد علي العابد لدى المفوض السامي، مع تعهد بعدم مهاجمتهم (وفق رواية المصدر).
"رئيس نقابة الطفرانين": انحياز واضح للفقراء
غنّى الأغواني عن غلاء الأسعار وسوء المعيشة، وقدّم عناوين مباشرة مثل "يا لطيف كيف عايشين و ماشيين"، وعرّف نفسه في أحد مونولوجاته بعبارة: "رئيس نقابة الطفرانين" في دلالة على دفاعه عن الكادحين.
تذكر بعض السير الشعبية المتناقلة عن سلامة الأغواني أنه بسبب غنائه عن احتكار التجار للأسواق تعرّض للضرب الشديد بالقرب من سوق الحميدية في دمشق.
وفاة الأغواني وإرثه الفني
توفي سلامة الأغواني في 6 آب/أغسطس 1982، برصيد اقترب من 200 مونولوج.
على الرغم من اختلاف بعض تفاصيل السيرة بين المصادر، فإن الثابت أن الأغواني كان حالة فنية مبكرة أعطت النقد الاجتماعي "صوتًا" يمكن أن ينتشر سريعاً في زمن لم تكن فيه منصات تواصل، بل أسطوانة ومقهى وجمهور يحفظ اللحن.
