نساء | 27 02 2026
مارينا منصور
دخلت سوريا مرحلة جديدة بعد سقوط نظام الأسد، وتباينت الآراء حول ما إذا كانت البلاد باتت بيئة آمنة لبعض المكونات، كالمسيحيين والعلويين والدروز، أم بيئة خطرة لا تستحق البقاء فيها.
وفي مرحلة بناء سوريا الجديدة، تجد سواعد النساء طريقها إلى المشاركة ورسم ملامح المستقبل.
السيدة مايا بتساليدس (50 عامًا) تقيم في دمشق، وهي مؤسسة ومديرة وكالة تسويقية، وأم، وعضوة في اللجنة التأسيسية للقاء الوطني، وهو تجمع مدني مسيحي تأسس عام 2024، يهدف إلى ترتيب البيت الداخلي المسيحي، والانخراط في حوار وطني مع مختلف المكونات السورية، لبناء سوريا جامعة لكل أبنائها بمختلف أطيافهم.
في هذا اللقاء، تكشف مايا لـ"روزنة" الأسباب التي دفعتها إلى البقاء في سوريا، ورؤيتها للمستقبل، ودورها في المرحلة الانتقالية، ومكانة النساء في هذه المرحلة المفصلية.
سيدة مايا، يشعر كثير من المسيحيين اليوم بالخطر ولديهم رغبة في الهجرة. ما الذي جعلكِ تبقين؟
الفترة التي تمر بها سوريا اليوم مصيرية. سوريا للجميع، وهي معروفة بتنوعها الإثني والعرقي والديني منذ الأزل، ولذلك لا يجب أن تُترك. فهي تُعد من أقدم المناطق المأهولة في العالم، ومنطلق المسيحية في الشرق؛ فالقديس بولس الذي بشّر بالمسيحية في أنحاء العالم انطلق منها.
هذه أرضنا، وهنا تاريخنا وجذورنا، ولذلك لا أرغب في تركها. إيماني أقوى من خوفي، وهو إيمان مبني على حب المسيح الذي تعلّمته على هذه الأرض. لقد قال: "لا تخافوا"، لذلك أنا لا أخاف، وأفتخر بكوني امرأة مسيحية سورية.

2. كيف تصفين تجربتكِ كامرأة في صنع القرار داخل اللقاء الوطني؟
في اللقاء الوطني، المرأة مثل الرجل، والرجل مثل المرأة، ولا يوجد أي تمييز بينهما. قد يكون المجتمع العربي أو السوري قائمًا تقليديًا على شكل هرمي يتصدره الرجل، لكن داخل اللقاء الوطني نحن، كنساء، موجودات على قدم المساواة مع الرجال تمامًا.
في كثير من الأحيان نطرح آراءً مخالفة، ويؤخذ بها، لأننا لا نتبع رأي رجل أو امرأة، بل نحتكم إلى الرأي الذي يخدم الصالح العام ومصلحة السوريين.
3. ما أبرز التحديات الشخصية التي واجهتكِ كامرأة قيادية في بيئة غلب عليها الطابع الذكوري لسنوات طويلة؟
ضمن اللقاء الوطني لم أواجه تحديات تُذكر، وحتى خلال لقائنا مع ممثلين عن الحكومة الجديدة لمسنا احترامًا كبيرًا لوجودنا كنساء. لكنني تعرّضت في السابق للتنمر من أحد الأشخاص في حكومة النظام السابق فقط لأنني امرأة.
اليوم هناك إصغاء واحترام، لكن لا توجد بعد نتائج ملموسة تخص النساء.
ماذا تقصدين؟
المرأة لم تحظَ بتمثيل معقول في مجلس الشعب، ولا تزال تُعامل أحيانًا كـ"عورة"، ويُستخدم مفهوم "العار" كسلاح لإخافتها. وهي غير ممثّلة في الحكومة إلا بوزيرة واحدة فقط، ما يعني أنها حتى اليوم لم تنل حقها الكامل.
كما لاحظت، خلال حضوري عدة صالونات ثقافية، وجود توجه لإعادة "بناء" المرأة، وهو أمر غريب، لأن النساء خلال الحرب كنّ أمهات، ومعيلات، وقائدات لعائلاتهن. لا حاجة لبنائنا من الصفر، أو تعليمنا ماذا نرتدي أو إن كنا سنضع المكياج أم لا. أنا امرأة حرة ومستقلة، ومن هذا المنطلق أشارك في بناء المجتمع جنبًا إلى جنب مع الرجل، لكلٍّ منا دوره وخياراته وحريته.
4. اللقاء الوطني يسعى لتعزيز الوجود المسيحي مجتمعيًا وسياسيًا. كيف ستحققون ذلك؟
القوة تبدأ من مسارين متوازيين. الأول هو ترتيب البيت الداخلي، وأن تكون الطوائف المسيحية موحّدة الكلمة. والوحدة هنا لا تعني إلغاء الآخر أو توحيد الطوائف في قالب واحد، بل توحيد الموقف والرؤية، لأن تنوعنا مصدر غنى للكنيسة.
أما المسار الثاني، فهو الانفتاح على باقي المكونات السورية، والعيش المشترك بمحبة، ومساواة، ومواطنة.
5. في ظل الهجرة، يحتاج مسيحيو سوريا إلى ضمانات قانونية واجتماعية. ماذا يقدم اللقاء الوطني لهم؟
نحن لا نقدّم ضمانات، وبرأيي لا أحد يستطيع ذلك. الأمان الحقيقي هو في دولة القانون، حيث يتساوى جميع المواطنين. دورنا كلقاء وطني هو السعي على مختلف المستويات لتأمين فرص عمل للشباب الذين بقوا في سوريا، وتوفير إطار مدني مسيحي يتيح لهم التعبير بحرية.
كما نعمل على جلب تمويل لمشاريع سكنية تساعد الشباب على شراء منازل، وندعم التعليم بوصفه حجر الأساس، إضافة إلى إنشاء مراكز مجتمعية وتنظيم محاضرات توعوية، ونسعى مع الجهات الحكومية إلى ترسيخ مفهوم المواطنة العادلة.
6. كيف يتم التنسيق مع باقي المكونات السورية لبناء عقد اجتماعي جديد؟ وهل هناك استجابة حكومية حقيقية للحوار؟
الحل في سوريا هو القانون؛ قانون ينص على المساواة التامة بين جميع السوريين، بغض النظر عن الطائفة أو الدين أو العرق أو الجنس، كما هو الحال في الدول المتحضرة التي تقوم على مبدأ الحقوق والواجبات المتساوية.
خلال لقاءاتنا مع الجهات الحكومية، نلمس إصغاءً كاملًا، لكن على أرض الواقع لا يزال التطبيق غائبًا. ومع ذلك، نحن نعمل وفق مبدأ: Work and See، أي نعمل وننتظر النتائج.
7. ماذا تطالبون به للمسيحيين في سوريا الموحدة؟
لا نطالب بأي ضمان سوى القانون، ولا نريد أي تخصيص. نريد قانونًا عادلًا يساوي بين جميع المواطنين. عندما يُطبّق القانون فعليًا، يصل الأكفأ إلى المنصب، ويصبح الجميع متساوين.
تُتداول أحيانًا مزاعم بأن المسيحيين يطلبون حماية دولية، أو أنهم "مدعومون" من الخارج، لكن هذا الكلام غير صحيح. ما نريده ببساطة هو سوريا واحدة، موحدة، لجميع أبنائها.
8. هل تعتقدين أن النساء أقدر على قيادة المرحلة الانتقالية وبناء السلم الأهلي؟
بحكم الطبيعة البيولوجية، المرأة متعددة المهام، ومحبّة، وأقل ميلًا للصراع. ما ينقصنا اليوم في سوريا هو المحبة والمسامحة، وبدونهما لن نتقدم. لذلك، في المراحل الحساسة، تقود المرأة بشكل أفضل عندما تكون واعية لدورها.
مجتمعنا الذكوري يحاول إعادة المرأة إلى عصور متأخرة، ويزرع في عقول الفتيات منذ الصغر أنهن أقل من الرجل. لكن حين تدرك المرأة حقيقتها، تصبح قائدة فعّالة.
خلال محاضرة قدّمتها مؤخرًا في دوما حول الريادة المجتمعية، لمست طاقة كبيرة لدى النساء رغم قسوة ظروفهن. التنميط الذي حصرهن في مشاريع محدودة ألحق ضررًا بدورهن الحقيقي، لكن تفاعلهن كان إيجابيًا، وأبدين حماسًا وقدرة على العطاء.
9. كيف ترين سوريا والمسيحيين بعد خمس سنوات؟
أنا على يقين بأن سوريا ستكون في مكان أفضل. هذا الإيمان هو ما دفعني للعمل مع اللقاء الوطني. سوريا المستقبل تُبنى بدستور مدني يضمن المساواة والمواطنة.
المسيحيون كانوا وما زالوا جزءًا أساسيًا من نهضة البلاد في مختلف المهن. وأنا، مهما كانت الظروف، سأبقى هنا، حتى لو لم يتبقَّ أي مسيحي سواي، لأنني أؤمن تمامًا بأن "من هنا سينبثق نور جديد".
إعداد وحوار: مارينا منصور
أُجريت هذه المقابلة ضمن ورشة عمل "دورها – دعم الصحفيات السوريات"، التي نظّمتها مؤسسة "تاز بانتر" الألمانية.