لماذا يحتاج الصحفيون العرب إلى المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية؟

لماذا يحتاج الصحفيون العرب إلى المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية؟

تقارير وتحقيقات | 25 12 2025

لجين حاج يوسف

بالنسبة لكثير من الصحفيين العرب، لا تبدأ الصحافة الاستقصائية من غرف الأخبار المجهزة أو قواعد البيانات المفتوحة، بل من الخوف، ومن العمل تحت الرقابة، ومن محاولات متكررة للوصول إلى الحقيقة في بيئات تعتبر السؤال خطرًا بحد ذاته. في هذا السياق، لا تبدو المشاركة في المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية مجرد فرصة مهنية، بل مساحة نادرة لكسر العزلة التي يعمل فيها صحفيون يحققون في الفساد والانتهاكات وهم مهددون بالصمت أو التهميش أو العقاب. فحين يغيب الصحفي العربي عن هذه المنصات، لا تغيب تجربته وحده، بل تُترك قصص كاملة بلا صوت في السرد العالمي.

بالنسبة للصحفيين العرب، تكتسب هذه المساحة أهمية مضاعفة. فكثير منهم يعمل في سياقات تعاني من ضعف الوصول إلى المعلومات، وغياب قوانين حماية الصحفيين، وانعدام الشفافية، إضافة إلى المخاطر الأمنية المباشرة. هنا، لا يقدّم المؤتمر معرفة تقنية فقط، بل يفتح بابًا لفهم كيف واجه صحفيون آخرون ظروفًا مشابهة، وكيف طوّروا آليات لحماية أنفسهم ومصادرهم، وكيف حوّلوا التحقيق من مغامرة فردية إلى عمل جماعي محمي نسبيًا.

يقول نجم الدين، وهو صحفي استقصائي يمني أنجز عددًا من التحقيقات المكتوبة والتحقيقات المعتمدة على المصادر المفتوحة، ويركّز في عمله على قضايا مكافحة الفساد والجريمة المنظمة، إن مشاركته في المؤتمر شكّلت نقطة تحوّل في نظرته إلى الصحافة الاستقصائية. فالتجربة، بحسب وصفه، لم تكن مجرد فرصة لتعلّم أدوات جديدة، بل مساحة لإعادة التفكير في كيفية تطوير العمل الاستقصائي في سياق نزاع، من دون الخروج عن المعايير المهنية العالمية.

ويشير نجم الدين إلى أن اللقاء مع صحفيين من بلدان عانت حروبًا أو أنظمة قمعية مشابهة منحه شعورًا بأن التحديات التي يواجهها في اليمن ليست استثناءً، وأن هناك مسارات مهنية واضحة لتوثيق الانتهاكات، وحماية المصادر، وبناء تحقيقات معمّقة وقابلة للنشر دوليًا، حتى في أكثر البيئات قسوة وتعقيدًا.

شارك نجم الدين للمرة الأولى في مؤتمر الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية، ويصف نفسه بالمحظوظ لتمكنه من الحضور بعد محاولات متكررة، موضحًا أن تجربة الماستر كلاس كانت من أكثر المحطات تأثيرًا. فبحسب قوله، يعمل الصحفيون المشاركون على التمارين نفسها، لكن كل واحد ينطلق من خبرته وسياقه وخلفيته، ما يرسّخ منهجية استقصائية مشتركة تُبنى من تجارب متعددة، وهو ما ساعده على تطوير مقاربته للتحقيقات المفتوحة المصدر التي يعمل عليها.


الصحفي نجم الدين قاسم

ويرى نجم الدين أن المؤتمر يشكّل مساحة أساسية للتشبيك واستلهام الأفكار وتبادل الخبرات بين صحفيين من مختلف مناطق العالم، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة التحقيقات، لا سيما في ملفات معقّدة مثل الفساد والجريمة المنظمة. ويوجّه نصيحة لزملائه بضرورة متابعة الصحفيين العاملين في المجال نفسه، وتوسيع شبكات التواصل المهنية، والاطلاع المستمر على إنتاج الآخرين، مؤكدًا أن التشبيك لا يقتصر على المؤتمرات الكبرى، بل يمكن بناؤه بشكل تراكمي ومستدام.

ويختم نجم الدين بالإشارة إلى أنه تقدّم خمس مرات للحصول على منحة لحضور المؤتمر قبل أن يتمكن من المشاركة، داعيًا الصحفيين إلى عدم اليأس والاستمرار في التقديم، بالتوازي مع الاستثمار الجاد في تطوير نتاجهم الصحفي، لأن الجودة والاستمرارية، برأيه، هما الطريق الأهم لفتح الفرص والوصول إلى المنصات العالمية.

الصحفية الاستقصائية جود الأسمر تقول أن هذا العام يُعدّ فرصة بالغة الأهمية للصحفيين الاستقصائيين العرب، ولا سيما مع مضاعفة عدد الصحفيين المقبولين والمشاركين في هذه المؤتمرات من منطقة الشرق الأوسط. ورغم هذا التطور الإيجابي، لا يزال عدد المشاركين محدودًا مقارنة بحجم التحديات، خصوصًا أننا نأتي من منطقة تعيش نزاعات مستمرة وتضييقًا واسعًا على حرية الصحافة والعمل الإعلامي.

الصحفية جود الأسمر

وتبين أن هذه المشاركة تكتسب أهمية إضافية لأنها تتيح للصحفيين من مناطق النزاع تقديم خبراتهم المتراكمة وتجاربهم الميدانية إلى نقاشات عالمية غالبًا ما تفتقر إلى هذا الصوت. وبالنسبة لي كصحفية مستقلة، مكّنني المؤتمر من التواصل المباشر مع مؤسسات إعلامية كبرى، وبناء علاقات مهنية فتحت آفاقًا للتعاون وإنتاج محتوى استقصائي مشترك.

في الوقت نفسه، من الضروري أن توفّر هذه المؤتمرات مساحة حقيقية للصحفيين المبتدئين في مجال الصحافة الاستقصائية، خاصة في ظل وجود عدد كبير من الصحفيين العرب الراغبين في تطوير مهاراتهم والدخول إلى هذا المجال رغم القيود والمخاطر. ومن هنا تبرز أهمية تخصيص ماستر كلاس وبرامج تدريبية، إلى جانب كوتا واضحة وعادلة تضمن تمثيلًا أوسع للصحفيين من مختلف المناطق والخلفيات، بما يعزز التنوع ويُسهم في بناء جيل جديد من الصحفيين الاستقصائيين في المنطقة.

لكنها تؤكد أهمية المؤتمر في قدرته على ربط القضايا المحلية بالسياق العالمي. فالكثير من ملفات الفساد المالي، وتهريب الأموال، وسوء إدارة الموارد، لا تتوقف عند حدود دولة واحدة، لا سيما في المنطقة العربية، حيث تُعدّ هذه القضايا في معظمها عابرة للحدود. وتوضح الأسمر أن مشاركتها في المؤتمر فتحت أمامها آفاق العمل ضمن فرق تحقيق دولية، إذ لم تعد القصة “لبنانية” فحسب، بل أصبحت جزءًا من شبكة قصص مترابطة تكشف أنماطًا عالمية من الفساد، ما يمنح التحقيق قوة أكبر وقدرة أوسع على التأثير.

وتعتبر الصحفية جود الأسمر أن أهمية المشاركة لا تتوقف عند الصحفيين أنفسهم. فغياب الصحفيين العرب عن هذه المنصات يعني أن قصص المنطقة تُروى غالبًا من الخارج، أو تُختزل، أو تُقدَّم بلا فهم عميق للسياق الاجتماعي والسياسي. المشاركة هنا ليست مسألة تمثيل رمزي، بل دفاع عن حق المجتمعات العربية في أن تُروى قصصها بأصوات من يعيشونها، ويفهمون تعقيداتها، ويدفعون ثمن البحث عنها.

في النهاية، لا يمكن فصل الصحافة الاستقصائية عن العدالة وحق المعرفة. ومشاركة الصحفيين العرب في المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية ليست امتيازًا فرديًا، بل استثمارًا في صحافة أكثر أمانًا، وأكثر مهنية، وأكثر قدرة على مساءلة السلطة، مهما كانت المخاطر. والدليل كان في فوز الصحفية الاستقصائية المصرية سارة أبو شادي بجائزة الضوء الساطع عت تحقيقها العابر للحدود " الفخ الروسي: تجنيد المصريين بإغراء المال والجنسية — موقع مصراوي (مصر)" كما تأهل وتأهّل الزملاء والزميلات، علي الابراهيم, سامح اللبودي, هدى عثمان, فرح الجلاد، فراس الطويل, و أمير نادر، محمد بسيكي إلى القائمة النهائية.

وفي عالم يتقاسم فيه الصحفيون الأدوات والمعرفة والتجارب، يصبح الغياب خسارة جماعية، لا شخصية فقط.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض