تقارير | 23 02 2026
روزنة - خاص
ينص مرسوم العفو العام الصادر في سوريا على منح عفو يشمل عددًا من الجنح والمخالفات، إضافة إلى تخفيف عقوبة السجن المؤبد إلى عشرين عامًا، وإلغاء أو تخفيف عقوبات واردة في عدة قوانين، من بينها قانون مكافحة المخدرات، وقانون جرائم المعلوماتية، وقانون منع التعامل بغير الليرة السورية.
كما يشترط المرسوم، في بعض القضايا التي نتج عنها ضرر شخصي، إسقاط الحق الشخصي أو تسوية التعويضات قبل الاستفادة من العفو، إلى جانب إعفاء بعض الفئات العمرية والحالات الصحية الخاصة. في المقابل، استثنى المرسوم الجرائم التي “تنطوي على انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري” من نطاق العفو.
العفو العام يناقض الإعلان الدستوري السوري؟
أثار صدور مرسوم العفو جدلًا قانونيًا واسعًا، لا سيما أن رئيس الجمهورية أصدره بمرسوم رئاسي، في حين ينص الإعلان الدستوري السوري للمرحلة الانتقالية على أن صلاحية إصدار العفو العام تعود إلى السلطة التشريعية ممثلة بمجلس الشعب.
ويُميز الإعلان الدستوري بين العفو الخاص وردّ الاعتبار، اللذين يمكن أن يكونا من صلاحيات رئيس الجمهورية، وبين العفو العام ذي الطابع التشريعي الشامل، والذي يُعد من اختصاص السلطة التشريعية وحدها، بوصفها الجهة المخولة بإسقاط الجرائم أو تعديل العقوبات.
في هذا السياق، برز نقاش قانوني حول مدى توافق إصدار عفو عام بمرسوم رئاسي مع نصوص الإعلان الدستوري. ويشير معتصم الكيلاني، المختص في القانون الدولي، إلى أن مبدأ الشرعية الدستورية يقتضي أن تستند كل ممارسة للسلطة إلى نص صريح أو تفويض قانوني واضح.
"ينص الإعلان الدستوري منح رئيس الجمهورية صلاحية العفو الخاص وردّ الاعتبار، دون الإشارة إلى العفو العام" المادة 40
وهو الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية حول مشروعية إصدار عفو عام في غياب نص دستوري أو تفويض تشريعي واضح. ويرى مختصون أن ذلك قد يُعد توسعًا في تفسير الصلاحيات، ويثير إشكاليات تتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات.
في المقابل، يرى آخرون أن التكييف القانوني قد يختلف في حال تمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات تشريعية انتقالية في ظل غياب سلطة تشريعية قائمة، حيث يمكن اعتبار المرسوم حينها ذا قوة قانونية، ما يخفف من حدة الجدل الدستوري المرتبط به.
حقوق الضحايا والعدالة الانتقالية
تعكس بنية المرسوم، وفقًا للكيلاني، محاولة لتحقيق توازن بين التخفيف الجزائي ومتطلبات النظام العام وحقوق الضحايا. غير أن بعض الصياغات العامة، مثل عبارة “الجرائم التي تتضمن انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري”، قد تطرح إشكاليات تتعلق باليقين القانوني، بسبب احتمال تباين التفسير والتطبيق، بما قد يؤثر على مبدأ المساواة أمام القانون.
كما أن ربط الاستفادة من العفو بشروط مالية قد يؤدي عمليًا إلى تفاوت بين المحكومين تبعًا لقدرتهم الاقتصادية، ما يستدعي تطبيقًا منضبطًا يراعي العدالة الاجتماعية.
وفي سياق العدالة الانتقالية في سوريا، يُعد استثناء جرائم التعذيب والاتجار بالبشر خطوة إيجابية من حيث المبدأ، إلا أن فعالية هذا الاستثناء تبقى مرهونة بالتطبيق العملي، وعدم إعادة توصيف الجرائم الخطيرة بطريقة تسمح بإدخالها ضمن نطاق العفو. ويحذّر مختصون من أن التطبيق التوسعي أو الانتقائي للعفو قد يقوض ثقة الضحايا بمسار العدالة الانتقالية، ويغذي شعورًا بالإفلات من المساءلة.
مخاوف من فلتان اجتماعي وانتقامي
تصاعدت المخاوف من أن يؤدي العفو العام إلى حالات توتر اجتماعي أو نزعات انتقامية فردية، في ظل بيئة انتقالية هشّة، إذا شعر بعض المتضررين بأن العدالة لم تتحقق عبر المؤسسات الرسمية. ويرى مختصون أن هذا الاحتمال يظل مرتبطًا بدرجة الشفافية والمساواة في التنفيذ، وبوجود رقابة قضائية فعالة تحد من مخاطر الفوضى أو الفلتان الانتقامي.
مخالفة صريحة للإعلان الدستوري؟
من جهته، يعتبر المحامي والناشط الحقوقي عز الدين عز الدين أن مرسوم العفو يشكل مخالفة صريحة للإعلان الدستوري، لكونه لم يمنح رئيس الجمهورية سلطة إصدار القوانين أو العفو العام. ويوضح أن العفو العام يُعد بمثابة قانون، لأنه يزيل الجريمة من أساسها وكأنها لم تكن، معتبرًا أن ذلك يمثل انتكاسة لمسار بناء دولة القانون في سوريا.
ويضيف أن مبدأ الفصل بين السلطات يقوم على استقلال السلطات الثلاث، محذرًا من تغوّل السلطة التنفيذية في المرحلة الحالية، وما يترتب على ذلك من تأثير سلبي على المسار القانوني والديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، فضلًا عن انعكاساته على مسار العدالة الانتقالية، خاصة في ظل غياب معلومات واضحة حول التنسيق مع هيئة العدالة الانتقالية قبل إصدار المرسوم.
يشير عز الدين أيضًا إلى أن مرسوم العفو لم يعتمد معايير واضحة لتحديد الجرائم المشمولة والمستثناة، سواء من حيث الأسباب أو الغايات، ما يزيد من حالة الغموض القانوني، ويطرح تساؤلات حول الأسس التي جرى على أساسها انتقاء بعض الجرائم دون غيرها.
اختبار حاسم لمبدأ الفصل بين السلطات
يشكّل مرسوم العفو العام محطة مفصلية في مسار المرحلة الانتقالية في سوريا. فبينما يرى فيه البعض خطوة تخفيفية، يثير في المقابل جدلًا قانونيًا ودستوريًا عميقًا حول صلاحيات التشريع ودور السلطة التنفيذية، ما يضع مبدأ الفصل بين السلطات وإرساء دولة القانون أمام اختبار مصيري.

