تقارير وتحقيقات | 28 01 2026
حبيب شحادة
تصطدم مساعي الحكومة السورية الانتقالية لإعادة بسط نفوذها على جغرافيا شرق الفرات بتعقيدات الوضع الميداني داخليًا، إلى جانب عوامل إقليمية ودولية، في ظل استمرار تعثر مسار اندماج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ضمن هياكل الدولة العسكرية والمدنية، والذي ما يزال يتأرجح بين التأجيل وعدم التوافق.
وفي وقت أعلنت فيه الحكومة الانتقالية استعادة السيطرة على مساحات واسعة كانت خاضعة لـ“قسد”، برز عامل ضغط أميركي تمثّل بتصريحات عضو مجلس الشيوخ ليندسي غراهام، الذي لوّح بفرض عقوبات مشددة على أي جهة تشارك في عمل عسكري يستهدف “قسد”. وأشار غراهام إلى نيته تقديم مشروع تشريع يفرض عقوبات “قاسية” على أي حكومة أو جماعة تستهدف الأكراد في شمال شرق سوريا.
وقال غراهام في تغريدة نشرها عبر منصة "أكس" يوم الثلاثاء 27 كانون الثاني/يناير، إنه “يتابع بقلق بالغ تدهور الوضع في سوريا”، معتبرًا أن الأكراد يواجهون “تهديدًا مباشرًا” من الحكومة السورية الجديدة المتحالفة مع تركيا، بحسب تعبيره.
وأضاف أن مشروع قانون “إنقاذ الأكراد” يحظى بدعم قوي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، داعيًا إلى تضمينه آليات فعّالة تضمن تطبيقه، ومشددًا على أن التخلي عن الأكراد، الذين وصفهم بـ“الحليف الرئيسي في تدمير خلافة تنظيم داعش”، سيكون له تبعات سلبية على سمعة الولايات المتحدة ومصالحها الأمنية القومية.
Watching the deteriorating situation in Syria with great concern. The Kurds are under threat from the new Syrian government that is aligned with Turkey.
— Lindsey Graham (@LindseyGrahamSC) January 27, 2026
It would be a disaster for America’s reputation and national security interests to abandon the Kurds, who were the chief ally…
وتأتي تصريحات عضو مجلس الشيوخ الأميركي في سياق تصاعد الخلافات وفشل الاتفاقات السابقة بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ولا سيما ما يتعلق باندماج الأخيرة في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية.
وخلال الأسابيع الماضية، شهدت مناطق في شمال شرق سوريا، خصوصًا في الرقة ودير الزور وأجزاء من الحسكة، مواجهات عسكرية أسفرت عن تراجع سيطرة “قسد” في عدد من هذه المناطق، في سياق سعي الحكومة الانتقالية إلى توسيع نطاق سيطرتها على الجغرافيا السورية.
وفي 24 كانون الثاني/يناير، دخلت مناطق شمال شرق سوريا مرحلة وقف إطلاق نار جديد جرى تمديده لمدة 15 يومًا، وذلك في إطار ما وُصف بدعم “للعملية الأميركية الخاصة بإخلاء سجناء تنظيم داعش من سجون قسد إلى العراق”.
اتفاقيات فاشلة
بعد سقوط النظام السوري السابق في أواخر عام 2024، وقّع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي اتفاقًا في 10 آذار/مارس 2025، نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ“قسد” ضمن مؤسسات الدولة بحلول نهاية العام نفسه، إلا أن الاتفاق لم يُنفذ ضمن الإطار الزمني المعلن.
وفي محاولة لإعادة تفعيل الاتفاق، وبعد التطورات العسكرية التي شهدتها أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مطلع عام 2026، وما تلاها من انسحابات وتحركات عسكرية باتجاه شرق الفرات، أعلن الطرفان في 18 كانون الثاني/يناير الجاري التوصل إلى اتفاق جديد تضمّن 14 بندًا، غير أنه لم يدخل حيّز التنفيذ.
كما جرى الإعلان عن تفاهمات مماثلة في 19 و21 كانون الثاني/يناير، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات ومحاولات التهدئة والعودة إلى مسار التفاوض.
وفي 27 كانون الثاني/يناير، تداولت وسائل إعلام محلية معلومات عن توقيع اتفاق جديد في دمشق بحضور مظلوم عبدي، ينص على وقف العمليات العسكرية، ورسم آليات انتشار أمني في عدد من مدن ومناطق شمال شرق سوريا، من بينها نشر عناصر من وزارة الداخلية السورية في مواقع حيوية، ولا سيما في الحسكة والقامشلي، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار.
كما تضمن الاتفاق البدء بترتيبات دمج قوات "قسد" في مؤسسات الدولة السورية، وفق إطار سيتم الإعلان عن تفاصيله لاحقاً، وأشارت المصادر إلى أن تنفيذ بنود التفاهم سيبدأ خلال اليومين المقبلين.
وبينما لم تنشر قوات سوريا الديمقراطية "قسد" أي خبراً عن الاتفاق الجديد مع الحكومة السورية الانتقالية يوم أمس الثلاثاء عبر معرفاتها الرسمية، دانت استمرار خروقات وقف إطلاق النار، وقالت: "شنت قوات الجيش السوري هجوماً على قرية باقِلا جنوبي جل آغا باستخدام سبع طائرات مسيّرة انتحارية، في خطوة خطيرة تعكس استمرار الجيش في التصعيد".
إلى ذلك، يبقى اتفاق 10 آذار/مارس 2025 أول اتفاق علني وموقع من الشرع وعبدي لكنه لم ينفذ، وما تلاه عبارة عن خطوات تفاوضية وجولات محادثات ومواقف متباينة خلال الأسابيع الفائتة، بعضها أعلن عنه والآخر خرج عبر تسريبات صحفية لكنها لم تُترجم إلى اتفاق شامل وواضح.
اتفاقات متكررة بلا نتائج
عقب فشل كل هذه الاتفاقيات المتكررة التي لم ينتج عنها أي تقدم سواء في عملية دمج "قسد" في هياكل الدولة أو توقف خروقات وقف إطلاق النار، صدر بيان مشترك بريطاني – فرنسي – ألماني – أميركي، حذرت الدول الموقّعة عليه من أي فراغ أمني في شمال سوريا قد يستغله تنظيم "داعش".
ودعا البيان، الجيش السوري وقوات "قسد" إلى تجنّب هذا الفراغ، مع تمديد وقف إطلاق النار. وشدد على "ضرورة مواصلة الجهود الجماعية" لمحاربة "داعش"، وتأمين مراكز احتجاز عناصره.
وأعلن البيان الاتفاق على عقد اجتماع قريب لـ"التحالف الدولي ضد داعش"، مع التأكيد على وقف دائم لإطلاق النار، واستئناف المفاوضات لدمج شمال شرق سوريا سلمياً ضمن دولة موحّدة ذات سيادة تحترم حقوق جميع مواطنيها.
تصعيد أم حل تفاوضي؟
تشير تعقيدات الوضع الميداني في شمال شرق سوريا إلى تقدم قوات الجيش السوري نحو الحسكة وتطويق عين العرب (كوباني) في خطوة تثير قلق السكان هناك، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".
وأشارت "رويترز" في تقريرها بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير الجاري، إلى أن مستقبل الهدنة مرهون بمسار التفاوض خلال الأيام المقبلة، بينما يخشى سكان القامشلي أن تتحول الهدنة المؤقتة إلى مرحلة انتقالية تسبق فرض واقع جديد على الأرض.
وتعيش مدينة القامشلي استتفاراً شعبياً في ظل تراجع الثقة بوقف إطلاق النار، ويشارك سكان من القامشلي، بينهم عمال وطلاب في دوريات ليلية تطوعية لحراسة الأحياء، في خطوة تعبّر عن مخاوف متزايدة من انهيار وقف إطلاق النار، بحسب "رويترز".
وبين تعقيدات الوضع الميداني وفشل الاتفاقات واستمرار خرق الهدنة بين الطرفين، يشير عضو مجلس الشيوخ الأمريكي ليندسي غراهام إلى أن الرئيس ترامب سيتخذ ما أسماه "القرار الصحيح" لضمان أمن الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، في إشارة منه إلى قوات "قسد"، وضرورة عدم التخلي عنها.

