وعود الإنترنت لا تصل إلى اللاذقية: قرى معزولة وسكان يدفعون الكلفة

وعود الإنترنت لا تصل إلى اللاذقية: قرى معزولة وسكان يدفعون الكلفة

تقارير وتحقيقات | 24 01 2026

علياء الأحمد

بينما تضج منصات التواصل الاجتماعي والبيانات الرسمية بوعود "التحول الرقمي" وتحسين جودة الإنترنت، يجد سكان أحياء وقرى واسعة في اللاذقية غربي سوريا أنفسهم خارج نطاق التغطية، في مفارقة تطرح سؤالاً أساسياً: كيف يمكن الحديث عن بنية رقمية متقدمة في ظل غياب أبسط أشكال الاتصال؟

الصدمة التي يعيشها هؤلاء السكان لم تكن تقنية بقدر ما هي مادية بامتياز؛ إذ يعانون من سرقات متكررة للأكبال النحاسية المغذية لمناطقهم، تركت خلفها عزلة رقمية طويلة الأمد، دون حلول جذرية حتى الآن.

هذا الانقطاع الذي طال أمده لأكثر من ثلاث سنوات في بعض المناطق، حوّل الإنترنت من خدمة عامة أساسية إلى عبء اقتصادي ثقيل، وأجبر السكان على اللجوء إلى بدائل "كاوية" تعتمد على الباقات الخلوية أو الإنترنت اللاسلكي، بتكاليف تفوق قدرة ذوي الدخل المحدود بأضعاف. وهنا يبرز سؤال آخر: من يتحمل كلفة انهيار البنية التحتية، المواطن أم الجهات المسؤولة عن حمايتها وصيانتها؟

وتأتي معاناة سكان اللاذقية في وقت تتحدث فيه الحكومة منذ أشهر عن خطة وطنية لتحسين جودة الإنترنت وتعزيز موقع سوريا كمركز إقليمي لحركة البيانات والاتصالات الدولية. ففي أيار/مايو الفائت، أطلقت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات مشروعاً استراتيجياً تحت اسم "SilkLink – سيبلك لينك"، يهدف إلى بناء بنية تحتية للألياف الضوئية بسعة تصل إلى 100 تيرابت في الثانية. لكن هذا الطموح يصطدم بواقع ميداني يفتقر فيه السكان حتى إلى سلك نحاسي واحد.

خدمة مقطوعة

إبراهيم، 49 عاماً، يعيش في قرية اسطامو بريف اللاذقية، حيث بات الإنترنت مصدر إزعاج يومي أكثر من كونه وسيلة للتواصل والعمل. منذ عام 2023، انقطع الخط الأرضي بسبب سرقة الأكبال النحاسية، ولم يعد حتى اليوم، كما قال لـ "روزنة".

ورغم مرور أكثر من عامين ونصف على انقطاع الخدمة، ما يزال إبراهيم مطالباً بدفع فواتير شهرية، في غياب أي استهلاك فعلي. وهو واقع يطرح تساؤلاً حول الأساس القانوني الذي يفرض على المشتركين الدفع مقابل خدمة غير متوفرة، ودون وجود خيار رسمي لتجميد الخط أو تعليق الرسوم.

حسب مركز خدمات الانترنت الأرضي ADSL "يحتفظ المشترك بحقه في بوابة الـADSL لمدة 7 أيام كحد أقصى بعد نهاية الاشتراك الشهري ، وفي حال عدم التسديد ، تلغى ميزة الـADSL عن خطه الهاتفي ، ويعامل كمشترك جديد في حال رغبته اعادة اشتراكه بحيث يتوجب عليه اعادة دفع كافة الرسوم المترتبة عليه . حيث يتوجب على المشترك تجديد الاشتراك الشهري قبل مدة كافية من نهاية اشتراكه".

"تسمح الشركة بتجميد الخط لمدة شهرين في العام فقط"

معاناة إبراهيم ليست حالة فردية؛ إذ تحولت سرقة الأكبال في محافظة اللاذقية إلى ظاهرة متكررة تطال الريف والمدينة بنسب متفاوتة. وازدادت المشكلة بعد سقوط النظام السوري السابق أواخر عام 2024، في ظل انقطاعات متكررة ودون قدرة المؤسسات المعنية على توفير بدائل تتناسب مع دخل السكان.

وفيما تشهد بعض المناطق انقطاعات أقصر نسبياً، تعيش مناطق أخرى عزلة رقمية طويلة الأمد، مع اعتماد شبه كامل على بدائل أكثر كلفة بأضعاف. فبينما تبلغ فاتورة الإنترنت الأرضي (ADSL) لدورة واحدة نحو 80 ألف ليرة سورية، تتجاوز كلفة أصغر باقة إنترنت خلوي 200 ألف ليرة شهرياً، ما يطرح سؤال العدالة في توزيع الأعباء.

"هناك 35 ألف خط هاتف خارج الخدمة بسبب سرقة الأكبال"، قال مسؤول متابعة اتصالات الساحل عبد القادر اليوسف، في تصريحات نقلتها جريدة الحرية الحكومية في تشرين الأول/أكتوبر الفائت. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، تفتح الباب أمام تساؤل آخر: ماذا فُعل لإعادة هذه الخطوط إلى الخدمة، ولماذا بقي آلاف المشتركين خارج الشبكة لسنوات؟

وفي تصريحات لاحقة لجريدة الثورة الحكومية في تشرين الثاني/نوفمبر، أوضح اليوسف أن آلية احتساب الرسوم تمنح مهلة شهرين للتسديد، وفي حال عدم الدفع يتم إلغاء الخدمة. غير أن هذا الإجراء لا يجيب عن سؤال أساسي: لماذا يُخيَّر المواطن بين الدفع دون خدمة أو خسارة خطه نهائياً؟

فواتير بلا خدمات

في قرية اسطامو، كما في عشرات القرى الأخرى، تحولت سرقة الأكبال إلى أزمة بنية تحتية يومية تعيق الحياة الاقتصادية والرقمية، وتوسع الفجوة بين الريف والمدينة. ويقول إبراهيم إنه راجع المقسم وعمال الصيانة مراراً منذ 2023، ليُبلغ أن الحل مرهون بتأمين كابلات جديدة واعتماد مالي غير متوفر.

ورغم ذلك، استمرت الفواتير بالوصول. يوضح إبراهيم أنه طلب إيقاف الخط مؤقتاً ريثما تعود الخدمة، لكن طلبه قوبل بالرفض، وأُبلغ أن التوقف عن الدفع يعني إلغاء الخط نهائياً. وهنا يبرز سؤال مباشر: لماذا لا تتيح مؤسسة الاتصالات خيار الإيقاف المؤقت في حالات الانقطاع القسري؟

أمام هذا الواقع، لم يجد إبراهيم بديلاً سوى الاعتماد على باقات الإنترنت الخلوي، التي تتراوح كلفتها بين 150 و200 ألف ليرة شهرياً، وهو مبلغ يصفه بـ"المرهق" مقارنة بدخله، خاصة مع اعتماد ابنته على الإنترنت في الدراسة.

رفع أسعار باقات الانترنت في سوريا: يقابله اعتراض شعبي وسط تجاهل حكومي

رفع أسعار باقات الانترنت في سوريا: يقابله اعتراض شعبي وسط تجاهل حكومي

في المدينة: العطل يمتد لأشهر

لمى، 32 عاماً، صحفية تقيم في حي المنتزه الشعبي بمدينة اللاذقية، تقول إن الإنترنت الأرضي انقطع لديها في أيلول 2025 بسبب سرقة الأكبال، قبل أن تعود الخدمة بعد ثلاثة أشهر من الشكاوى والمتابعات.

وخلال فترة الانقطاع، استمرت بدفع الفواتير، إضافة إلى كلفة باقات الإنترنت الخلوي التي وصلت إلى 200 ألف ليرة شهرياً. لكنها تشير إلى أن عودة الخط خففت العبء بشكل كبير، ما يعيد طرح السؤال: لماذا لا تُعامل المناطق الريفية والبعيدة بالسرعة نفسها؟

ما الرد الرسمي؟

يقول مسؤول العلاقات العامة في محافظة اللاذقية نور الدين بريمو، إن الشركة السورية للاتصالات تعمل على تحسين جودة الخدمات ضمن الإمكانيات المتاحة. وبخصوص قرية مزار القطرية، أشار إلى إعداد كشوف للصيانة وتأمين المواد اللازمة لإعادة التوصيل خلال فترة قصيرة.

أما قرية اسطامو، فأوضح أن الشبكة تعرضت لسرقات متكررة، مؤكداً أن إعادة التوصيل ستتم "عند توفر المواد وتوقف السرقات". غير أن هذا الرد لا يوضح ما إذا كانت هناك حلول مؤقتة، أو آلية لتعويض المشتركين عن فترات الانقطاع الطويلة.

"نسمع عن الجيل الخامس في الأخبار ونبحث عن سلك النحاس في الشوارع"، يقول إبراهيم لـ "روزنة"، في تلخيص ساخر للفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي.

وبينما تستمر الوعود بمشاريع استراتيجية وتحول رقمي، يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن الحديث عن مستقبل رقمي في بلد لا يستطيع فيه آلاف السكان تأمين اتصال أساسي بالإنترنت؟

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض