تقارير وتحقيقات | 22 01 2026
نقلت الولايات المتحدة، يوم الأربعاء، نحو 150 عنصرًا من مقاتلي تنظيم “داعش” من سجن في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا إلى سجون داخل العراق، في خطوة قد تتبعها عمليات نقل لآلاف آخرين، وسط مخاوف متزايدة من تدهور الوضع الأمني في المنطقة.
وقال مسؤولون أمريكيون إن المعتقلين نُقلوا جوًا على متن طائرة عسكرية من طراز C-17 إلى موقع غير مُعلن داخل العراق، مشيرين إلى أن ما يصل إلى 7 آلاف معتقل إضافي من عناصر التنظيم قد يُنقلون خلال الأيام المقبلة.
في ظل مخاوف أمريكية من انهيار أمني ناتج عن التوتر بين الحكومة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، شرعت الولايات المتحدة بنقل معتقلي تنظيم داعش من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق، خشية فقدان السيطرة على مراكز الاحتجاز وحدوث عمليات فرار جماعي.
ونُقل نحو 150 عنصرًا من التنظيم من سجن في الحسكة جوًا إلى العراق، مع توقعات بنقل آلاف آخرين، في خطوة تعكس قلق واشنطن من هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار الموقع مؤخرًا بين دمشق و«قسد»، واحتمال انهياره في أي لحظة.
وتأتي هذه التطورات في مرحلة انتقالية حساسة بعد سقوط نظام بشار الأسد، حيث لا تزال ترتيبات دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة السورية غير مستقرة، وسط تحذيرات من أن تنظيم داعش قد يستغل أي صدام أو فراغ أمني بين الطرفين لإعادة تنظيم صفوفه والعودة إلى النشاط.
و ترجمت روزنة تقرير عن صحفية الوول ستريت جورنال توضح هذه النقاط، تأتي هذه الخطوة في ظل مخاوف أمريكية من أن تؤدي التوترات بين القوات الموالية للحكومة السورية والميليشيات التي تقودها قوات كردية إلى انهيار أمني محتمل، ما قد يفتح الباب أمام فرار آلاف من مقاتلي التنظيم.
وتُبرز عملية النقل التحديات التي تواجهها سوريا في مرحلة ما بعد الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، إضافة إلى المخاوف من أن يستغل تنظيم داعش حالة عدم الاستقرار لمحاولة إعادة تنظيم صفوفه.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد وقّع، في وقت سابق من هذا الأسبوع، اتفاقًا مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) يقضي بوقف إطلاق النار، وينص على دمج أفراد من هذه القوات بشكل فردي في الجيش السوري ووزارة الداخلية.
ويعكس التسريع في نقل المعتقلين مخاوف من انهيار هذا الاتفاق الهش، أو من تراجع مستوى الأمن داخل مراكز الاحتجاز.
وقال تشارلز ليستر، الباحث في معهد الشرق الأوسط: “لا توجد ثقة حقيقية في أن وقف إطلاق النار سيصمد. كما أن الولايات المتحدة لا تمتلك القدرة العسكرية الكافية لتولي إدارة هذه السجون حتى بشكل مؤقت”.
وكان التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة قد هزم تنظيم داعش في عام 2019، منهياً ما يُعرف بـ”الخلافة” التي أعلنها التنظيم. إلا أن بقايا التنظيم لا تزال تحاول إعادة التجمع، مستفيدة من محاولات متكررة لتنفيذ عمليات فرار من السجون.
وخلال الأيام الماضية، تمكن عدد من السجناء منخفضي الخطورة من الفرار من مركز احتجاز في بلدة الشدادي شرق سوريا، على خلفية اشتباكات دارت قرب الموقع. وتمكنت القوات الحكومية السورية لاحقًا من إعادة اعتقال معظمهم بعد تسلمها السيطرة على السجن عقب انسحاب حراس “قسد”.
وتولى الرئيس الشرع، وهو قائد فصائل معارضة سابق، الحكم في ديسمبر 2024 بعد هجوم خاطف أطاح بنظام الأسد. وانضمت حكومته لاحقًا إلى التحالف الدولي ضد داعش في نوفمبر، بالتزامن مع زيارة أجراها إلى البيت الأبيض.
ومنذ ذلك الحين، برزت مسألة دمج “قوات سوريا الديمقراطية”، التي كانت شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في الحرب ضد داعش، ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة، كأحد أبرز التحديات.
وقال المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم باراك، في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي: “إن الدور الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية كقوة برية رئيسية في مواجهة داعش قد انتهى إلى حد كبير، في ظل استعداد دمشق وقدرتها على تولي المسؤوليات الأمنية، بما في ذلك إدارة مراكز احتجاز داعش”.
ويشير هذا التصريح إلى نهاية شراكة أمنية استمرت أكثر من عقد بين الولايات المتحدة و”قسد”، ويفتح فصلًا جديدًا في استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب، يقوم على التنسيق مع الحكومة السورية الجديدة.
وفي ديسمبر الماضي، سلط هجوم مسلح قرب مدينة تدمر الضوء على استمرار تهديد داعش، حيث قُتل ثلاثة أمريكيين، بينهم عنصران من الحرس الوطني لولاية آيوا ومترجم مدني.
وردت الولايات المتحدة بسلسلة من الغارات الجوية المكثفة، من بينها ضربة الأسبوع الماضي قالت القيادة المركزية الأمريكية إنها أسفرت عن مقتل قيادي في تنظيم القاعدة على صلة بالهجوم. وأضافت القيادة أن أكثر من 300 عنصر من داعش أُلقي القبض عليهم، فيما قُتل أكثر من 20 آخرين خلال العام الماضي.
وأثارت عملية نقل المعتقلين، التي جرت الأربعاء، دهشة العديد من المراقبين، واعتُبرت مؤشرًا على هشاشة الوضع الأمني في شمال شرقي سوريا عقب الهجوم الحكومي الأخير، والذي أدى إلى انهيار سريع لقوات “قسد” بعد انضمام فصائل عربية إلى صفوف الحكومة.
وقال قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال براد كوبر: “إن تسهيل النقل المنظم والآمن لمعتقلي داعش أمر حاسم لمنع أي عمليات فرار قد تشكل تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة ولأمن المنطقة”.
ويُذكر أن تنظيم داعش برز على الساحة العالمية عام 2014، حين سيطر على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا واجتاح مناطق في العراق، بما في ذلك مدينة الموصل. وقادت إدارتا الرئيسين باراك أوباما ودونالد ترامب تحالفًا دوليًا لإلحاق الهزيمة به، مع اعتماد القوات العراقية بشكل أساسي على الأرض، مقابل الدعم الجوي والاستشاري الأمريكي.
إلا أن انهيار “الخلافة” ترك الولايات المتحدة أمام معضلة جديدة، تمثلت في احتجاز آلاف من مقاتلي داعش في شبكة من مراكز الاعتقال شمال شرقي سوريا، كثير منهم أجانب ترفض دولهم إعادتهم. كما جرى احتجاز عشرات الآلاف من النساء والأطفال، من عائلات مقاتلي التنظيم، في مخيم الهول.
وكان تسليم هذه المخيمات والسجون لنظام الأسد السابق خيارًا مرفوضًا بالنسبة لواشنطن، إلا أن وصول أحمد الشرع إلى السلطة أتاح للولايات المتحدة نقل إدارة هذه المرافق إلى الحكومة السورية الجديدة.