تقارير وتحقيقات | 20 01 2026
محمد الحاج
مع التطورات الميدانية المتسارعة في الساعات الماضية، عاد ملف سجون محتجزي تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) إلى الواجهة بقوة، ليس فقط كقضية أمنية، بل كأحد أكثر الملفات تعقيدا وحساسية في محافظة الحسكة.
في هذا التقرير، نرصد الأرقام المتداولة عن المحتجزين، ونستعرض أبرز السجون والمراكز في الحسكة، من "البانوراما" إلى "الشدادي" و"علايا" ومراكز "التأهيل" غير الرسمية، لنقدم للقارئ صورة أوضح عن كيفية إدارة هذا الملف.
بداية.. كم عدد المحتجزين السوريين والأجانب في سجون "داعش" شمال شرق سوريا؟
في تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش نُشر في ديسمبر/كانون الأول 2022، وردت الأرقام التالية:
-تحتجز قوات سوريا الديمقراطية "قسد" نحو 10 آلاف رجل وفتى في سجون ومراكز احتجاز مؤقتة.
-من بينهم حوالي 5 آلاف سوري، و3 آلاف عراقي، وألفان من أكثر من 20 دولة أخرى، وفق وزارة الدفاع الأمريكية ومصادر أخرى.
-ويُعدّ الوصول الإنساني إلى مراكز الاحتجاز مقيّدًا بشدة.
وبدعوى مخاوف أمنية، رفضت الإدارة الذاتية طلبات هيومن رايتس ووتش المتكررة لتفقد زنازين السجون التي تُحتجز فيها رجال ونساء وفتيان أجانب.
وفي تقرير نشر قبل عامين لمنظمة العفو الدولية "أمنستي"، قدرت عدد المحتجزين بنحو 5700 فقط، بينهم 87 بالمئة من الرجال و11 بالمئة من اليافعين والشباب و1 بالمئة من الأطفال مع أمهاتهم و1 بالمئة من النساء والفتيات.
ويشكل حسب "أمنستي" السوريون ما نسبته 53 بالمئة من المحتجزين مقابل 41 بالمئة من الأجانب و6 بالمئة فقط من العراقيين.
واسترجعت الحكومة العراقية عدداً كبيراً من المحتجزين في المخيمات والسجون في شمال شرق سوريا، على مدار السنوات الماضية.

سجناء من "داعش" في الحسكة - إنترنت
كم عدد الفتيان السوريين والأجانب في سجون داعش شمال شرق سوريا؟
يذكر تقرير هيومن رايتس أن الأرقام تشمل، ما يصل إلى 700 فتى سوري وأجنبي، وفق تقديرات أربعة مصادر مطلعة على مراكز الاحتجاز والسجون.
بالإضافة إلى مئات الشبان المحتجزين منذ أن كانوا أطفالًا، بحسب لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا.
ويُقدّر أن ما لا يقل عن 180 فتى أجنبيًا محتجزون في مرافق احتجاز تُوصف من قبل السلطات الإقليمية على نحو غير دقيق بأنها «مراكز تأهيل».
وتُعدّ هذه المراكز “غير الرسمية” جزءًا من شبكة الاحتجاز التي تشمل:
مركز الحوري
سجن علايا
مركز أوركش (مركز جديد)

سجناء من "داعش" في الحسكة - إنترنت
أبرز سجون "داعش" في الحسكة: البانوراما "الصناعة"
يضم سجنا البانوراما والشدادي حوالي 85% من إجمالي عدد المحتجزين في الحسكة، ومعظمهم لم يوجه إليهم أي تهم ولم تتح لهم فرصة الطعن في قانونية احتجازهم، حسب "أمنستي".
وتحتفظ باقي المرافق الأمنية في شمال شرق سوريا، بحوالي 900 رجل وامرأة وطفل تم توقيفهم قبل أو بعد هزيمة "داعش" الإقليمية، وغالبًا يتم احتجازهم للتحقيق قبل إحالتهم للمحاكمة.
سجن البانوراما في مدينة الحسكة، هو عبارة عن ثلاثة مبانٍ مدرسية حُوّلت إلى سجن وتضم حاليًا نحو 4500 محتجزاً.
وفي 2021، قال نائب قائد التحالف لشؤون الاستراتيجية، اللواء البريطاني كيفن كوبسي، إن مشروع توسعة لسجن البانوراما سيؤدي إلى مضاعفة حجم منشأة الاحتجاز.
المتحدث باسم وزارة الدفاع البريطانية أن المملكة المتحدة تموّل مشروع التوسعة في الحسكة، واصفًا إياه بأنه "توسعة كبيرة ومهمة".
ويظهر سجن البانوراما في صورة الأقمار الصناعية المرفقة، ويشمل الدلالات المكتوبة "سجن الدواعش" و"المعهد الصناعي" و"كلية العلوم".

سجن البانوراما لمحتجزي "داعش" في الحسكة - Google Maps
ما الوضع داخل سجن البانوراما بعد سقوط الأسد؟
بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، سمح لوسائل إعلام غربية بزيارة حصرية سجن البانوراما في الحسكة، وأبرز ما جاء في تقريرين لـ"أسوشيتد برس" و"الغادريان":
-جرت زيارة السجن المحصن بشكل شديد، في ممر يضم ست زنزانات على كل جانب كان الحراس الملثمون يحملون هراوات.
-قالت "الغارديان": "مع كل هبة ريح، كانت تنبعث موجة من رائحة الجسد الكريهة، رائحة عشرات الرجال تتسرب عبر الفتحة الصغيرة لباب زنزانة السجن الحديدي الثقيل. في الداخل، كان السجناء النحيلون يرتدون بذلات بنية اللون يجلسون على مراتب رمادية رقيقة".

سجن البانوراما لمحتجزي "داعش" في الحسكة -ويليام كريستو/الغارديان (تعديل قياس: روزنة)
-قال سجين بريطاني من لندن لـ"أسوشيتد برس" إن "البقاء على قيد الحياة ليوم واحد في هذا المكان معجزة"، مضيفاً أنه وزملاؤه المحتجزون لا يعرفون شيئاً عن العالم الآن، ولا حتى التاريخ، وعندما سُئل عن اليوم، أجاب: "نحن في أوائل عام 2025".
-لم يكن لدى المحتجزين أي علم بأن بشار الأسد لم يعد يحكم سوريا، وهي حقيقة طلبت إدارة السجن من الصحفيين عدم مشاركتها، خشية أن تؤدي إلى إثارة اضطرابات داخل السجن.
-الأسلحة والهواتف المحمولة والمعلومات تُعدّ مواد محظورة داخل المباني الأربعة التي كانت تؤوي في معظمها رجالًا غير سوريين متهمين بالقتال لصالح تنظيم "الدولة الإسلامية".
-كان الحراس يحملون هراوات ويرتدون أقنعة (بالاكلافا) لإخفاء هوياتهم عن السجناء، خوفًا من أن تتعرض عائلاتهم لأعمال انتقامية في حال حدوث فرار من السجن.
ويقع سجن البانوراما عند المدخل الجنوبي لمدينة الحسكة، قرب حي غويران الذي كان يضم سجن غويران الذي تعرض لهجوم من "داعش" واشتباكات استمرت لعشرة أيام، أدت لمقتل نحو 500 شخص من المحتجزين المتمردين والمدنيين والحراس وعناصر "قسد".
اقرأ أيضاً: عودة أم نهاية.. ما مستقبل تنظيم "داعش" بعد "هجوم غويران" بالحسكة؟

موقع سجن البانوراما "الصناعة" في الحسكة - جوجل مابز
سجن الشدادي في الحسكة.. فارون ومنقولون
يقع سجن الشدادي أو ما يعرف بـ"الكامب الصيني" على بعد 3 كيلومتر تقريباً شمال شرق بلدة الشدادي، التي تضم قاعدة عسكرية أمريكية.
وكان السجن يضم نحو 3000 إلى 4000 محتجز، بينهم عدد قليل من الأطفال. وبحلول عام 2023، أفادت "قسد" أن نحو 800 محتجز فقط ما زالوا هناك، حسب تقرير لـ"أمنستي".
وقال مسؤول أمريكي اليوم الثلاثاء لوكالة رويترز، إن نحو 200 محتجز من تنظيم "الدولة الإسلامية" من الرتب الدنيا فروا من سجن الشدادي في سوريا أمس الاثنين بعد أن غادر حراس المنشأة من "قوات سوريا الديمقراطية".
وأكد المسؤول أن القوات الحكومية السورية استعادت القبض على العديد منهم.
وأشار المسؤول إلى أن "حوالي 600 مقاتل أجنبي من تنظيم الدولة الإسلامية (نقلوا) من الشدادي قبل 19 يناير إلى مرافق أخرى ولا يزالون رهن الاحتجاز".
وجاء في تقرير لـ"منظمة العفو الدولية" أن سجناء سابقين أكدوا أن المحتجزين "يتعرضون بشكل روتيني للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة، بما في ذلك الضرب، والجَلْد بكابلات كهربائية، والتعليق من المعصمَيْن في وضعيات مجهدة، والعنف الجنسي، والصعق بالصدمات الكهربائية".
ونقلت المنظمة عن محتجزين سابقين أنهم "شاهدوا أصدقاء وزملاء آخرين في الزنزانة يموتون أمامهم. وقال أحد المُحتجزين إن 17 شخصا في زنزانته تُوفوا اختناقًا خلال يوم واحد في عام 2020، عندما أوقفت سلطات السجن مروحة لإخراج الهواء الفاسد".
ووفقًا لما ذكره ثلاثة مُحتجزين سابقين، كان يجري التخلص من جثث أولئك المُحتجزين الذين تُوفوا داخل سجن الكامب الصيني في قبر جماعي يُشار إليه بـ "الخندق"، حسب التقرير.

موقع سجن الشدادي في الحسكة - جوجل مابز
سجن علايا في القامشلي
أفاد مصدران لمنظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها نهاية 2022، بأن ما لا يقل عن 60 فتى وشاباً أجنبياً آخرين محتجزون في سجن علايا العسكري في مدينة القامشلي.
ويقبع الأجانب في زنازين منفصلة عن باقي المحتجزين البالغ عددهم 800، ومعظمهم سوريون مدانون بتهم الإرهاب، حسب التقرير.
وخلال زيارة المنظمة لسجن علايا في مايو/أيار سنة 2022، كان 30 فتى وشاباً أجنبياً محتجزين هناك، إذ أشار المصدران إلى أن هذا العدد ازداد خلال حملة تفتيش أمني في منطقة الهول.
وقال مدير السجن، فرهاد حسن، إن الشباب محتجزون بشكل منفصل عن الرجال في "مركز إعادة تأهيل". وأضاف أن هؤلاء الفتيان ينحدرون من أكثر من اثنتي عشرة دولة، من بينها أفغانستان وفرنسا والمغرب وباكستان وروسيا.
ويقع السجن في الجهة الشرقية من مركز مدينة القامشلي، على ما تظهر خرائط جوجل.

سجن "علايا" في القامشلي - جوجل مابز
مراكز تأهيل أطفال عائلات "داعش" الأجانب.. الحور وأوركش
وحتى أغسطس/آب 2023، كان حوالي 200 فتى وشاب محتجزين في مركزين “لتأهيل” الشباب: مركز الحوري لتأهيل الأحداث ومركز أوركش لتأهيل الأحداث.
وتقدّر منظمة العفو الدولية أن ما يزيد قليلًا عن 90% من هذه الفئة في المركزين هم أجانب.
ويوجد سبعة وتسعون في مركز أوركش الذي تم إنشاؤه مؤخرًا بالقرب من بلدة القامشلي الحدودية على بعد حوالي ساعتين بالسيارة من الهول. والبقية موجودون في مركز الحور، حسب تقرير لـ"أسوشيتد برس" قبل عامين.
تمويل بملايين الدولارات
منذ 2015 قدمت الولايات المتحدة مئات الملايين لـ"الإدارة الذاتية" و"قسد" في شمال شرق سوريا، بما فيها 2.63 مليار دولار لتمويل التدريب والتجهيز بين 2017 و2021، و337 مليون دولار إضافية في 2022–2023، غالبيتها لقوات سوريا الديمقراطية والقوات الأمنية التابعة لها، وفق تقرير "أمنستي".
في 2022 و2023، أعلن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أنه يعمل على عدة مشاريع لبناء وتجديد مرافق احتجاز، مؤكدًا أن تحسين البنية التحتية لسجون محتجزي داعش يعد أولوية عالية للحكومة الأمريكية.
وأكد ممثل عن قوات سوريا الديمقراطية أن التحالف قدم تمويلًا لصيانة وتجديد جميع مرافق الاحتجاز التي تشرف عليها القوات، وفق تقرير "أمنستي".
وقدمت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تمويلات محددة لبناء وتجديد مرفق البانوراما/الصناعة، حيث استخدم التحالف أكثر من 3.6 مليون دولار من تمويل وزارة الدفاع الأمريكية لتجديد المباني ومعالجة الأضرار الهيكلية.
وفي 2021، قال قائد سابق للتحالف إن المملكة المتحدة قدمت 20 مليون دولار لتوسعة سجن الحسكة (بانوراما)، كما أكد ممثل عن التحالف أن التحالف ساهم في بناء مبانٍ جديدة داخل مجمع بانوراما، بقيادة الحكومة البريطانية التي زوّدت المشروع بالمعماري.
وفي 2022، قدمت وزارة الدفاع الأمريكية 2.4 مليون دولار لبناء مركز “التأهيل” لليافعين داخل بانوراما، و3.1 مليون دولار لمركز حوري للتأهيل. كما قدمت 388 ألف دولار لسجن الشدادي لتعزيز نقاط الدخول والجدران والحماية المحيطة. وأكدت ممثلة عن "وحدات حماية المرأة" أن الحكومة البريطانية مولت أيضًا سجن النساء في الحسكة.
في 2023، أفاد التحالف بأن 154 عنصرًا من قوات الأمن الداخلي أكملوا تدريب حراس الأمن، وأن "قسد" خرّجت 106 من الأسايش و86 من حراس "قوات سوريا الديمقراطية" من تدريب قوة الحراسة.
وأعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها تخطط لزيادة عدد "المجموعات والأفراد السوريين المفحوصين" بـ 3500 شخص، بهدف تجنيد وتدريب حراس سجون جدد، مع تخصيص 71.4 مليون دولار كبدلات لهم في 2023، مشروطة بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني واحترام حقوق الإنسان.

وتحدث تقرير لموقع "العربي الجديد" قبل 3 سنوات، عن سجن في ناحية المالكية نقل إليه مئات عناصر "داعش" من دير الزور والحسكة، بهدف وضع "العناصر الخطرين من التنظيم تحت مراقبة شديدة"، لافتة إلى أن السجن "ليس جديداً تماماً، إنما جرى تحصينه وزيادة عدد أبنيته".
وأضاف التقرير إلى أن سجن المالكية "إلى جانب "سجن هيمو" الذي يقع شرق القامشلي، من أكبر سجون محافظة الحسكة التي تشرف عليها القوات الأميركية إلى جانب "قسد" (...)".
ولم يتسن لروزنة مقاطعة المعلومة الواردة في التقرير مع مصدر مستقل.
يوجد ما لا يقل عن عشرين مركز احتجاز غير رسمي لسجناء "داعش" الذين لم يُحاكموا بعد، فيما يضم سجن "غويران" الصغير نسبياً المحكومين، حسب تصريحات إعلامية لمسؤولين عن السجون.
وبرز في الأيام القليلة الماضية اسم سجن الأقطان في الرقة، إذ تقول مصادر عديدة أنه يضم عدداً محدوداً من المتهمين بالانتماء لتنظيم "الدولة"، فيما يسجن فيه المئات بتهم سياسية وأخرى جنائية.
وبينما تتجه الأنظار الآن نحو مناطق الحسكة والشدادي والقامشلي، فإن أي تطور جديد في هذه السجون قد يحمل معه تداعيات مباشرة على الأمن المحلي والإقليمي، ويُعيد طرح السؤال ذاته: كيف يمكن إدارة هذا الملف دون تفاقم الأزمة الإنسانية أو عودة تنظيم "داعش" إلى سوريا.