تقارير وتحقيقات | 9 01 2026
روزنة
دعا المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" إلى الالتزام بـ «أقصى درجات ضبط النفس» ووضع حماية المدنيين وممتلكاتهم في مقدمة الأولويات في مدينة حلب.
وقال أن الولايات المتحدة تتابع «بقلق بالغ» التطورات الأمنية في حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب،
وتدور منذ 3 ايام اشتباكات هي الأعنف بين الجانبين في منطقة الأشرفية والشيخ مقصود، وقوع ضحايا وجرح مدنيين.
وفي تغريدة مطوّلة، شدّد باراك على أن ما تشهده سوريا خلال الأشهر الثلاثة عشر الماضية يُعد «تقدمًا تاريخيًا» نحو الاستقرار والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار، معتبرًا أن النقاشات الأخيرة مع ممثلين إسرائيليين تشكّل «خطوة مفصلية» باتجاه سلام إقليمي أوسع، في إطار ما وصفه بكسر دوامة العنف والمعاناة التي عاشتها البلاد لأكثر من نصف قرن.
The United States is closely following developments in the Ashrafiyeh and Sheikh Maqsoud neighborhoods of Aleppo with grave concern. We urge all parties to exercise the utmost restraint and to place the protection of civilian lives and property above all other considerations.…
— Ambassador Tom Barrack (@USAMBTurkiye) January 8, 2026
سياق سياسي وأمني
تأتي تصريحات المبعوث الأميركي في وقت تشهد فيه أحياء ذات غالبية كردية في حلب توترًا أمنيًا متقطعًا، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاشتباكات وتأثيرها على المدنيين، لا سيما في مناطق سبق أن كانت مسرحًا لحساسيات عسكرية وسياسية معقّدة خلال سنوات النزاع.
وفي هذا السياق، أشار باراك إلى أن «التحولات العميقة لا تتحقق بين ليلة وضحاها»، مؤكدًا أن جراح الحرب تحتاج إلى وقت للالتئام، وأن التقدم المستدام يتطلب «الصبر والتسامح والفهم المتبادل» بين جميع مكوّنات المجتمع السوري، مع التشديد على رؤية أميركية لسوريا «تضمن الشمول الكامل والحقوق المتساوية لجميع المواطنين دون استثناء».
اتفاق الاندماج مع قوات سوريا الديمقراطية
وكشف المبعوث الأميركي أن الأطراف كانت «على وشك» استكمال اتفاق الاندماج الموقع في 10 آذار/مارس 2025 بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، معتبرًا أن الاتفاق لا يزال «قابلًا للتحقق» وأنه يشكّل مدخلًا لتعزيز التنسيق الأمني والحكم المشترك والوحدة الوطنية.
وقد زار وفد برئاسة مظلوم عبدي دمشق لاستكمال المفاوضات يوم الأحد الماضي، ولكنها لم تثمر عن أي نتائج، وذلك دون حضور رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لأي من الاجتماعات.
وتزامنت هذه الزيارة مع االانتهاء المهلة المحددة لتنفيذ اتفاق الـ 10 من آذار 2025، والذي ينصّ على مجموعة من البنود، أبرزها دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية قبل نهاية العام. غير أنّ تباينًا في وجهات النظر بين الطرفين حال دون إحراز تقدّم ملموس في تنفيذ هذه البنود، رغم الضغوط التي تقودها واشنطن بشكل أساسي لدفع مسار التطبيق قدمًا.
تحذير من أطراف معرقِلة
ووجّه باراك نداءً عاجلًا إلى الحكومة السورية، وقوات سوريا الديمقراطية، والسلطات المحلية في مناطق الإدارة الذاتية، وجميع الفاعلين المسلحين، مطالبًا بوقف الأعمال القتالية فورًا، وخفض التوتر، والالتزام بمسار التهدئة، قائلًا: «لنعطِ الأولوية لتبادل الأفكار والمقترحات البنّاءة بدل تبادل إطلاق النار».
كما حذّر المبعوث الأميركي مما وصفه بـ«قوى خارجية معطِّلة ووكلائها» تسعى إلى تقويض التقدم الذي تحقق خلال العام الماضي، مؤكدًا أن هدف واشنطن وشركائها هو «سلام دائم قائم على الاحترام المتبادل والازدهار المشترك».
وختم باراك بالتأكيد أن «الفصل الجديد في سوريا هو فصل تعاون لا مواجهة»، وأن مستقبل حلب وسوريا «يجب أن يصوغه السوريون بوسائل سلمية، لا بالعنف».
مظلوم عبدي يحذر
تأتي دعوة المبعوث الأميركي في ظل تصعيد ميداني وسياسي متزامن، إذ وجّه القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي تحذيرًا شديد اللهجة إلى الحكومة السورية في دمشق، معتبرًا أن استمرار الهجمات العسكرية على حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب «أمر غير مقبول» ويقوّض كامل فرص التفاهم والحوار.
وفي رسالة رسمية عبر منصة x ، حذّر عبدي من أن اللجوء إلى الخيار العسكري واستخدام الأسلحة الثقيلة، من دبابات ومدفعية، لفرض «حلول أحادية الجانب»، ينذر بعواقب خطيرة على استقرار المنطقة. وأكد أن استهداف المدنيين ومحاولات دفعهم نحو التهجير القسري تمثّل، بحسب تعبيره، «مسعى واضحًا لإحداث تغيير ديموغرافي خطير»، واضعًا هذه العمليات في سياق مقارن مع ما وصفه بجرائم سابقة شهدتها مناطق الساحل السوري والسويداء، والتي صُنّفت كجرائم حرب.
الاستمرار في نهج القتال ولغة الحرب لفرض حلول أحادية الجانب أمر غير مقبول، وقد أدى في السابق إلى مجازر ارتقت إلى جرائم حرب في الساحل السوري والسويداء.
— Mazloum Abdî مظلوم عبدي (@MazloumAbdi) January 8, 2026
إن نشر الدبابات والمدفعية في أحياء مدينة حلب، وقصف المدنيين العزّل وتهجيرهم، ومحاولات اقتحام الأحياء الكردية أثناء عملية التفاوض،…
واعتبر عبدي أن تنفيذ هذه الهجمات في وقت يُفترض فيه فتح مسارات للحوار والتفاوض يعكس «عدم مبالاة الحكومة السورية بالحلول السلمية»، مشيرًا إلى أن قواته تواصل، منذ أيام، اتصالات مكثفة مع أطراف دولية وإقليمية لاحتواء التصعيد ومنع تعرّض المدنيين المحاصرين لما وصفه بـ«مجازر محتملة».
ويأتي هذا التصعيد في وقت بلغت فيه التوترات الميدانية في مدينة حلب ذروتها، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهات وتداعياتها الإنسانية، ما يفسّر تزامن التحذيرات الأميركية والدولية مع تحرّكات سياسية مكثفة لاحتواء الوضع.
موقف الحكومة السورية
وفي المقابل، أصدرت الحكومة السورية بيانًا رسميًا نقلته وكالة سانا تناولت فيه التطورات الجارية في مدينة حلب، شددت فيه على أن الأكراد «مكوّن أساسي وأصيل من مكوّنات الشعب السوري»، مؤكدة أن الدولة تنظر إليهم بوصفهم «شركاء كاملين في الوطن»، لا كحالة منفصلة أو استثنائية.
وأشارت الحكومة إلى أنها قامت بتأمين وحماية النازحين الأكراد، إلى جانب النازحين العرب، وقدّمت لهم المأوى والخدمات الأساسية «انطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية والإنسانية»، وبهدف إعادتهم إلى مناطقهم «بأمان وكرامة». واعتبرت أن معالجة الخلافات لا يجب أن تتم عبر «الخطاب الإعلامي أو تبادل الاتهامات»، بل من خلال الاحتكام إلى مؤسسات الدولة بوصفها «الضامن الوحيد لوحدة البلاد وحماية جميع المواطنين».
وفي سياق تحميل المسؤوليات، حمّلت الحكومة السورية تنظيم قوات سوريا الديمقراطية مسؤولية التصعيد، معتبرة أن «الفوضى والتوتر الميداني» القائمين هما نتيجة مباشرة لما وصفته بنقض اتفاق الأول من نيسان، الأمر الذي أدى، بحسب البيان، إلى زعزعة التفاهمات السابقة وفتح الباب أمام عدم الاستقرار.
وأكدت الحكومة أن دورها الحالي يتركز على تأمين محيط مدينة حلب، وإبعاد مصادر النيران عنها، وحماية المدنيين، ومنع انزلاق الأوضاع نحو تصعيد أوسع. كما طالبت بشكل واضح بإخراج ما وصفته بـ«المجموعات الميليشياوية» من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، وإنهاء «الحالة العسكرية» التي قالت إنها تهدد حياة المدنيين وتعرقل أي حل سياسي جدي.
وختم البيان بالتشديد على أن الاستقرار «لا يمكن أن يتحقق بوجود السلاح خارج إطار الدولة»، معتبرًا أن الطريق الوحيد للحل يتمثل في «عودة سلطة القانون والمؤسسات» بما يحفظ وحدة سوريا وأمن جميع أبنائها، في موقف يعكس تباينًا حادًا في السرديات الرسمية حول أسباب التصعيد وسبل احتوائه.
تأتي هذه المواقف المتباينة في وقت تشهد فيه مدينة حلب تصعيدًا ميدانيًا لافتًا، ترافقه تحركات سياسية ودبلوماسية مكثفة لاحتواء التوتر. ففي حين تدعو الولايات المتحدة إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين، تحذّر قوات سوريا الديمقراطية من تداعيات استمرار العمليات العسكرية على فرص التفاهم، وتؤكد الحكومة السورية في المقابل تمسكها بدور مؤسسات الدولة ورفضها لأي وجود مسلح خارج إطارها.
ويعكس تزامن هذه التصريحات حجم التعقيد الذي يحيط بالوضع في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، في ظل استمرار الاتصالات الدولية والإقليمية، وترقّب لمسار التطورات الميدانية وتأثيرها على جهود التهدئة والاستقرار في مدينة حلب.

