"إسمنت الدم".. القصة الكاملة لمحاكمات "لافارج" وتمويل الإرهاب في سوريا

تحقيقات | 5 01 2026

لودي علي

شيكات بـ "الملايين" دُفعت لتنظيم "داعش" مقابل استمرار عمل المصنع لتتحول شركة "لافارج" الفرنسية إلى "شريك مالي" في زيادة آلام لسوريين وجراحهم.

680 مليون يورو

بدأت الحكاية في عام 2010، حين أنشأت شركة "لافارج" مصنع "الجلابية" عبر استثمار بقيمة 680 مليون يورو، ومع تصاعد التوتر والحرب في البلاد بعد عام 2011، وتحديد بين عامي 2012 و2014 اتُهمت الشركة الفرنسية بدفع ما يسمى "رسوم الحماية" والتي بلغت قيمتها حوالي13 مليون يورو لمجموعات مسلحة على رأسها تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" للحفاظ على استمرار عملها في سوريا وفقاً لما كشفته التحقيقات القضائية الفرنسية.

ووفقا لتقرير منظمة شيربا حول التحليل المالي لمدفوعات "لافارج" في سوريا، فإن تلك الأموال دُفعت شهرياً لمجموعات مسلحة أبرزها "داعش" لضمان استمرار مرور الشاحنات عبر نقاط التفتيش، ولشراء المواد الخام وبيع الاسمنت، مما جعل الشركة متهمة بأنها شريك اقتصادي في تمويل عمليات "التنظيمات الإرهابية.

قدمت شيربا والمركز الأوروبي لحقوق الدستور وحقوق الإنسان وأحد عشر موظفاً سورياً سابقا في "لافارج"، شكوى أمام محاكم فرنسا في تشرين الأول نوفمبر عام 2016 ضد الشركة وفرعها السوري وعدد من التنفيذيين، لاسيما وأنها قررت في 2012 إجلاء موظفيها الأجانب، مع الاستمرار في إدارة المصنع بموظفيها السوريين.

عمال تحت الخطر

وكشف التحقيق في ذلك الوقت، وفقاً لتقارير المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان  عن تمييز صارخ في التعامل مع الموظفين فبينما بلغت نسبة إجلاء الموظفين الأجانب (الفرنسيين والمغتربين) 100% بحلول نهاية عام 2012، كانت نسبة إجلاء السوريين 0%.

وأُجبر المئات من العمال السوريين على الاستمرار في العمل في ظروف خطرة تحت تهديد الشركة بقطع رواتبهم التي لا تتجاوز بضع مئات من الدولارات، بينما كانت الإدارة في باريس تتفاوض مع قادة "داعش" لضمان استمرار تدفق الأرباح.

لذا وُجهت إلى "لافارج" تهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وهي المرة الأولى التي تواجه فيها شركة مثلها هذه التهمة على مستوى العالم، ومن هنا كانت شرارة المحاكمة الكبرى في فرنسا والتي لاتزال جلساتها مستمرة اليوم.

في عام2022 أدانت وزارة العدل الأمريكية "لافارج" بتهمة دعم الإرهاب وأقرت الشركة بذنبها أمام الوزارة ووافقت على دفع غرامة قدرها778.4 مليون دولار أمريكي بعد أن ثبت تورطها في تقديم الدعم المادي لمنظمات إرهابية أجنبية.

القضاء الفرنسي يرفض إسقاط التّهم بتواطؤ"لافارج" في جرائم ضد الإنسانية

القضاء الفرنسي يرفض إسقاط التّهم بتواطؤ"لافارج" في جرائم ضد الإنسانية

جبر ضرر السوريين

وحول مصير الغرامات التي تدفعها "لافارج" أو غيرها بسبب الجرائم التي تسببت بها عن قصد أو عن غير قصد، وحق السوريين فيها كجبر للضرر يوضح  المعتصم الكيلاني المختص في القانون الجنائي الدولي ومدير مؤسسة "من حقي" أنه من حيث المبدأ للسوريين حق فيها، لكن المسار معقّد ويتطلب آليات قانونية خاصة.

مضيفاً، توجد ثلاثة مسارات محتملة:

- الدعاوى المدنية التابعة داخل القضاء الفرنسي (constitution de partie civile).

- إنشاء صندوق تعويضات خاص بالضحايا بضغط حقوقي ودولي (سابقة: صناديق ضحايا الجرائم الدولية).

- المسؤولية المدنية للشركات عبر الولاية القضائية العابرة للحدود (extraterritorial jurisdiction).

لافتاً إلى أن الغرامات الجنائية تذهب عادةً إلى خزينة الدولة، وتحويلها للضحايا يتطلب حكماً مدنياً أو تسوية قضائية.

المسار الفرنسي 2025

عادت جلسات المحاكمات الموسعة إلى قاعات المحاكم في باريس، في أواخر 2025، وطالبت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب خلالها بفرض غرامة قدرها 1.125 مليار يورو على الشركة، إضافة إلى عقوبات بالحبس تصل إلى 8 سنوات لـ8 مسؤولين سابقين في الشركة، يحاكَمون بتهمة تمويل الإرهاب في سوريا.

دائما ما كانت لافارج تتذرع بـ "الضرورة الاقتصادية"، إلا أن القضاء الفرنسي أكد أن السعي وراء الربح لا يبرر التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية..

شهادات حية

شهادات العمال السوريين خلال جلسات المحاكمات التي تعقد بشكل دوري منذ بداية تشرين الثاني الماضي اثبتت تورط الشركة، رغم أن المدعى عليهم حاولوا إقناع القضاة بأن العمال السوريين أنفسهم طلبوا العودة إلى العمل في المصنع بعد توقفه.

أحد الشهود ويُدعى (ح.ح) وهو موظف سوري سابق في شركة "لافارج" وواحدٌ من الأحد عشر شخصاً الذين تقدموا بشكوى ضد الشركة في عام 2016.

يقول خلال إحدى جلسات المحاكمة في تشرين الثاني الماضي وفقاً لما نشره موقع Justice Info الذي يقوم بتغطية أسبوعية لمحاكمة لافارج في فرنسا، إنه عندما انضم إلى مؤسسة "لافارج" الفرنسية، كان يعتقد أنه ينضم إلى منظمة غربية تُجسد احترام حقوق الإنسان، وأعرب للمحكمة عن خيبة أمله.

وعند سؤاله عن حقوقه وتعويضاته، أوضح الشاهد أن شروط العمل تنص أن الغياب عن العمل لا يعوض،  حتى لو توقف عن العمل بسبب خطورة حالة الطرق.

"لا يحق لنا الحصول على تعويض، نعتبر في حالة الغياب عن العمل".

عامل آخر في جلسة المحكمة نفسها قال إن الحرب لم تُؤثر على إنتاج مصنع الإسمنت، حيث بلغ إنتاج المصنع ذروته خلال أشد فترات النزاع خطورة، لا سيما في عام ٢٠١٤، وفقاً للموقع نفسه والذي اعتمد هذا التقرير على بعض المعلومات التي نشرها في سياق تغطيته لجلسات المحاكمات.

وذكر العامل حادثة وقعت عند نقطة تفتيش، كان ضحيتها سائقو شركة "لافارج"، حيث كان على الموظفين المرور عبر حوالي ثلاث نقاط تفتيش للوصول إلى المصنع عام ٢٠١٢، تم اعتقال السائقين وإخضاعهم لاستجواب وحشي ثم إعدامهم بعد دقائق.

قضية "لافارج" لا تقتصر على تهمة تمويل الإرهاب، بل ترقى لتكون جريمة ضد الإنسانية ويوضح الكيلاني أن تهمة تمويل الإرهاب تركز فقط على الجريمة ضد أمن الدولة، بينما يُهمل البعد الجوهري المتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق المدنيين والعمال السوريين، ومسؤولية الشركات عدم التواطؤ في انتهاكات حقوق الإنسان وفق مبادئ القانون الدولي العرفي.

ويضيف: "ما قامت به الشركة قد يُصنّف كتمييز غير مشروع على أساس الجنسية، وفقاً للمادة 2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.وإخلال بواجب العناية تجاه العمال المحليين، وترك مدنيين في منطقة خطرة وقد يرقى إلى تعريض متعمد للمدنيين للخطر، ويبرّر جبر ضرر خاص".

إحالة شركة لافارج ومديرين سابقين للمحاكمة بينهم فراس طلاس بتهم تمويل الإرهاب

إحالة شركة لافارج ومديرين سابقين للمحاكمة بينهم فراس طلاس بتهم تمويل الإرهاب

طلاس الشريك

لعب حسن فراس طلاس، الشريك السوري للشركة، دورا أساسياً في الوساطة بين الشركة والجماعات الإرهابية حيث يزعم المتهمون أن طلاس، بفضل شبكة علاقاته، أصبح وسيطًا لا غنى عنه في استمرار تشغيل المصنع.

ويقول فريدريك جوليبوا، أحد المتهمين وهو مدير سابق في شركة لافارج للخدمات المجتمعية في إحدى جلسات المحاكمة: "لقد انخدعنا تماما بطلاس أوهمنا حتى النهاية".

لم يحضر حسن فراس طلاس المحاكمة، خاصة وأنه مطلوب دولياً بموجب مذكرة توقيف إلا أن المدعي العام طلب سجنه لمدة ثماني سنوات (مع مذكرة توقيف) وغرامة قدرها 225 ألف يورو.

مدير "لافارج" السابق: السلطات الفرنسية شجعتنا على البقاء في سوريا

شركة لافارج - من الإنترنت

تورط رسمي؟

المراسلات ورسائل البريد الإلكتروني التي تم فحصها منذ بداية المحاكمة أظهرت أن أجهزة الاستخبارات كانت على دراية بما يحدث، ومن المحتمل وجود فجوة بين قنوات المعلومات الدبلوماسية والاستخباراتية، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت جميع أجهزة الدولة على علم تام بمدفوعات "لافارج" لتنظيم داعش.

لم تكن الـ 13 مليون يورو مجرد أرقام في ميزانية شركة "لافارج"، بل كانت مساهمة في تعزيز قدرة "داعش" على تجنيد المزيد من المقاتلين وشراء السلاح، خاصة وأن مصنع "لافارج" في سوريا استمر في العمل حتى عندما سقطت الرقة بيد داعش، حيث استمرالعمل حتى أيلول سبتمبر من عام 2014 حين سيطر التنظيم على المعمل ونهب مخازنه، وبالتالي كم من جرائم التنظيم بحق السوريين كانت بتمويلٍ من هذه الشركة؟

المحاسبة الاقتصادية

سيدفع نجاح القضاء الفرنسي في فرض غرامة الـ 1.1 مليار يورو على "لافارج"، أي شركة كبرى للتفكير ألف مرة قبل الانخراط في صفقات مشبوهة في مناطق النزاع، ومحاكمات "لافارج" اليوم هي مجرد بداية لمسار طويل من المحاسبة الاقتصادية لجرائم أنهكت السوريين وزادت آلامهم، ولابد هنا من الاستفادة من هذه المحاكمات في مسارات العدالة داخل المحاكم السورية بشكل أو بآخر.

يقول  المختص في القانون الجنائي الدولي إن محاكمة "لافارج" تثبت أن الشركات ليست محصّنة من المساءلة الجنائية، ما يكرّس رفض دفوع الضرورة الاقتصادية والحفاظ على الاستثمارات وأوامر السلطات، فالقانون الدولي يفرض مسؤولية مستقلة على الفاعل الاقتصادي.

بالإضافة إلى أن هذه المحاكمة كشفت أدلة وثائقية (ايميلات – تقارير – سلاسل قرار) يمكن استخدامها لاحقًا في المساءلة الجنائية الوطنية إذا توفرت سلطة قضائية مستقلة، وهيئات الحقيقة والمساءلة ضمن عدالة انتقالية سورية، ومبدأ عدم تقادم الجرائم الجسيمة، فهذه الأدلة تصلح كقرائن على التواطؤ المدني والاقتصادي، ولا تسقط بحجة «تنفيذ أوامر» وفقا لمبدأ رفض الدفع بالأوامر العليا.

مرحلة المحاسبة

دماء السوريين ليست جزءاً من معادلة الربح والخسارة لدى عمالقة الاقتصاد، ومع كشف آلاف الوثائق وشهادات الضحايا ستنهار حصانة "الضرورة الاقتصادية" لتبدأ مرحلة جديدة من المحاسبة.

فقضية "لافارج" ليست مجرد ملف لإدانة ممولي الإرهاب إنما يجب أن تلاحق جميع "أصحاب الياقات البيضاء" الذين استهتروا بآلام السوريين ومعاناتهم.

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

بودكاست

القانون بقول

«القانون بقول» برنامج قانوني إذاعي يقدّم شرحاً مبسّطاً للحقوق والواجبات الأساسية بلغة قريبة من الناس، بالاعتماد على قصص وأسئلة من الواقع السوري. يركّز على القضايا التي تهمّ النساء والشباب والفئات الأكثر عرضة للانتهاكات، ويساعد المستمعين على فهم حقوقهم، وكيفية حمايتها، وطلب الدعم القانوني عند الحاجة.

القانون بقول

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط “الكوكيز” لنمنحك أفضل تجربة مستخدم ممكنة.

أوافق أرفض