تقارير وتحقيقات | 27 12 2025
روزنة - خاص
أفرجت وزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية السورية، يوم أمس الجمعة 26 كانون الأول/ديسمبر الجاري، عن 70 معتقلًا من محافظة اللاذقية، بينهم عسكريون سابقون كانوا معتقلين منذ أحداث آذار/مارس الفائت، وذلك عقب ضغوط حقوقية ومدنية. وفي المقابل، سُجّل اعتقال 12 شخصًا عند الحدود السورية–اللبنانية ليل الجمعة–السبت.
وقالت منصات إعلامية إن الموقوفين ضباط سابقون، فيما تبيّن أن الغالبية، وعددهم ثمانية أشخاص، مدنيون.
ويأتي الإفراج عن هؤلاء المعتقلين عقب لقاء رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، بوفد من وجهاء اللاذقية وطرطوس في قصر الشعب بدمشق، حيث تحدث الشرع حينها عن "وجود ثلاثة آلاف عسكري معتقل في السجون السورية من جيش النظام السوري السابق"، بحسب مصادر أهلية تواصلت معها "روزنة".
وأضاف أن عملية إطلاق سراح قريبة ستشمل نحو ألف معتقل ممن "لم يتورطوا في الدم السوري"، إلا أن هذا الرقم لم يتطابق مع بيانات رئيس المجلس الإسلامي العلوي، الشيخ غزال غزال، الذي أشار إلى وجود 14 ألف معتقل بين مدنيين وعسكريين سابقين.
وتشير معطيات حقوقية وتحقيقات صحفية متقاطعة، من بينها تحقيق لوكالة "رويترز"، إلى اعتقال ما لا يقل عن 829 شخصًا لأسباب أمنية منذ سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي أعلى بكثير، في ظل صعوبات التوثيق والاكتظاظ داخل مراكز الاحتجاز.
وأثارت عملية الإفراج ارتياحًا شعبيًا في اللاذقية، حيث وصفتها مصادر أهلية بأنها "خطوة إنسانية"، لكنها في الوقت نفسه فتحت بابًا واسعًا للتساؤلات حول معايير الإفراج عن المعتقلين العسكريين، وما إذا كانت قد جرت عبر القضاء، أم جاءت كإجراء لتخفيف الاحتقان في الساحل عقب مظاهرات وإضرابات سابقة.
هذه ليست المرة الأولى التي يفرج فيها عن معتقلين سابقين وفق ما قالته مصادر أهلية في اللاذقية، لكن جرى التعامل مع الإفراج الأخير وكأنه يحدث للمرة الأولى، في حين سبقه الإفراج عن معتقلين سابقين على دفعات محدودة، لم يتجاوز عددهم العشرين معتقلًا في كل مرة.
وقالت المصادر لـ"روزنة" إن معتقلين أُفرج عنهم من سجن حارم قبل شهرين، وكان عددهم 20 معتقلًا، سبقتهم دفعة أخرى مماثلة. وأوضحت أن السلطات الأمنية كانت تنقل هؤلاء إلى اللاذقية وتسلمهم لذويهم دون ضجة إعلامية، بخلاف ما جرى يوم الجمعة.
وأضافت أن الاختلاف هذه المرة اقتصر على طريقة الإخراج، إذ ترافقت عملية الإفراج مع حضور شخصيات دينية وأمنية وأهلية وإعلامية، ما أسهم في إحداث ضجة إعلامية واسعة.
ونقلت المصادر عن معتقل أُفرج عنه من سجن حارم منذ فترة قريبة قوله إن "المعاملة كانت جيدة ولم يتعرض المعتقلون لاعتداء جسدي"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى تعرضهم لشتائم ذات طابع طائفي من قبل عناصر السجن.
أما "سائر" (اسم مستعار)، وهو معتقل مدني أُفرج عنه يوم الجمعة، فقال لـ"روزنة": "اعتُقلت في أيار/مايو الفائت نتيجة شكوى كيدية"، موضحًا أنه اتُّهم بالانتماء إلى "الفلول"، قبل أن يُحوّل إلى القضاء عقب التحقيق معه في مخفر المدينة.
وأضاف أنه أُطلق سراحه بعد تبرئته قضائيًا، وأن المعاملة داخل السجن كانت جيدة، لكنه تعرض للضرب أثناء التحقيق في المخفر.
وأنهى حديثه بالتأكيد على أنه لا يخشى أي عمليات ثأر، كونه لم يكن عنصرًا في جيش النظام السابق.
استهجن عدد من أهالي المعتقلين الذين لم يُفرج عنهم بعد، تصريحات أحد مشايخ الطائفة العلوية الذي وصف عملية الإفراج بأنها "مكرمة من الرئيس الشرع"، في حين أمضى ذووهم أشهرًا طويلة في السجون دون محاكمات، ودون السماح لهم بالزيارة أو حتى معرفة ما إذا كانوا على قيد الحياة.
وقالت والدة أحد المعتقلين، مشترطة عدم ذكر اسمها، إن ابنها "اعتُقل بعد عودته من العراق مع جنود آخرين"، قُدّر عددهم بنحو ألفي عسكري سابق، مضيفة: "لا أعلم في أي سجن هو معتقل، ولا يوجد أي تواصل معه منذ ما يقارب العام".
وأوضحت أن غياب "القضاء النزيه"، وفق تعبيرها، هو ما حال دون الإفراج عن ابنها منذ أشهر، معتبرة أن ما جرى يوم الجمعة يندرج ضمن محاولات تخفيف الاحتقان في الساحل.
وكان تحقيق "رويترز" قد أشار إلى اعتقال آلاف المجندين والضباط السابقين، إضافة إلى مئات من أبناء الطائفة العلوية، ولا سيما عقب أحداث الساحل في آذار/مارس الماضي.
وبحسب التحقيق ذاته، أعادت السلطات الأمنية التابعة للحكومة الانتقالية افتتاح 28 مركز احتجاز تعود إلى عهد النظام السوري السابق، ما أثار مخاوف من إعادة إنتاج منظومة الاعتقال نفسها، مع تسجيل حالات توقيف تعسفي وانتهاكات مشابهة لما كان سائدًا قبل عام 2024.
وانتقدت منظمات حقوقية استمرار اعتقال آلاف من عناصر النظام السابق دون توجيه اتهامات واضحة أو إحالتهم إلى المحاكم المختصة، وسط ظروف احتجاز وُصفت بالقاسية، الأمر الذي يعمّق معاناة أسرهم ويجعل الإفراج عن دفعات محدودة يُنظر إليه باعتباره "تسويقًا إعلاميًا"، وفق تعبير والدة أحد المعتقلين.
خطوة لتعزيز العدالة!
أوضحت محافظة اللاذقية على صفحتها بموقع فيسبوك، أن الخطوة جاءت في إطار تنفيذ أحكام القانون وتعزيزاً لمسار العدالة، مؤكدةً أن المفرج عنهم "ثبتت براءتهم من قبل القضاء، ولم تتلطخ أيديهم بالدماء أو يُدانوا بجرائم جسيمة".
وتشمل قائمة المفرج عنهم عسكريين سابقين وغير عسكريين، جرى توقيفهم على خلفية قضايا أمنية وعسكرية خلال أحداث آذار/مارس الفائت في الساحل السوري، وبعضهم قبل تلك الأحداث، وفق تصريح مدير منطقة اللاذقية، عمر خلو حسب ما نقل تلفزيون سوريا.
وأضاف خلو أن الإفراج عن هؤلاء لا يعني توقف مسار محاسبة المتورطين في دماء السوريين، مؤكدًا أن الدولة السورية ستعمل على إعادة إدماج المفرج عنهم في المجتمع.
وأشار إلى أنه من المقرر الإفراج عن دفعة جديدة من الموقوفين اليوم السبت، تشمل ضباطًا وعسكريين وغير عسكريين لم يثبت تورطهم في الدماء وبرأهم القضاء السوري، إلا أنه وحتى لحظة نشر هذا التقرير، لم يُسجّل الإفراج عن دفعة جديدة.
اعتقال 12 شخص
بالتوازي مع الإفراجات، سُجلت خلال الساعات الماضية، تعرض 12 شخصاً للاعتقال عند الحدود السورية. اللبنانية دون معرفة إن كانوا عائدين من لبنان أم خارجين من سوريا بطريقة غير شرعية (تهريب) ليل الجمعة- السبت، وفق ما جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي.
ونقلت صحيفة الثورة المحلية عن إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع أن وحدات حرس الحدود نفذت العملية ليل الجمعة – السبت، وأسفرت عن توقيف 12 شخصا من العناصر والضباط المرتبطين بالنظام السوري السابق.
وتتحدث مصادر سورية عن وجود عدد كبير من ضباط وعناصر النظام السابق الذين فروا إلى لبنان، بعد سقوطه عبر طرق التهريب بين البلدين.
لكن في المقابل يظهر تسجيل الفيديو المتداول عبر شبكات التواصل الاجتماعي لهؤلاء المعتقلين عند الحدود السورية. اللبنانية، من خلال تعريفهم بأنفسهم بأن أغلبهم مدنيين. وهم: (كاسر جنود، وحسام وسوف، وعلي سليمان، ورياض ابراهيم، وحسن نجوب، وحسام محفوض وياسر عمار، وجعفر أحمد)
وحسب الفيديو المتداول كان عدد من يحمل هوية مدنية ثمانية، بينما أكد شخص واحد أنه ضابط سابق في الجيش المنحل وهو العقيد محمد مأمون ديب. وثلاثة أخرون يحملون بطاقات تسوية وهم: بدران سليمان، وعماد أحمد، ويوسف محمود خواجة.
وبحسب شهادات متطابقة من أهالي عدد من هؤلاء الأشخاص الذين وصفتهم الدولة رسميًا بأنهم "فلول وضباط"، فأن غالبية الموقوفين مدنيون فقراء حاولوا العبور إلى لبنان بطرق غير نظامية هربًا من الفقر والتجويع، بحثًا عن فرص عمل، وفق ما ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان".
بينما أشارت بعض المنصات الإخبارية إلى أن هؤلاء جرى توقيفهم أثناء عودتهم من لبنان إلى سوريا لزيارة عائلاتهم بطريقة غير شرعية، وأن شخص (المهرب) ويدعى محمد سيفو هو من سهّل عبورهم ومن ثم بلغ عنهم الأمن العام ما أدى لاعتقالهم.
ولم يتسنَ لـ "روزنة" التأكد من مصادر مستقلة إن كان هؤلاء قد اعتقلوا وهم يحاولون الدخول أو الخروج بطريقة غير شرعية عند الحدود السورية. اللبنانية، وكذلك مكان تواجدهم الآن لدى السلطات السورية.
يبقى أن هؤلاء المعتقلين في السجون السورية يعيشون بلا محاكمات حقيقية ويخرج قسم منها بلا مسار عدالة انتقالية واضح ما يثير تساؤلات حول إن كان هؤلاء ضحايا بلا إنصاف.

