تقارير وتحقيقات | 27 12 2025
مارينا منصور
احتضنت كنائس سوريا خلال الأيام الماضية صلوات واحتفالات عيد الميلاد المجيد، وشهدت الساحات والشوارع أجواء احتفالية مميزة، تضمنت إضاءة الشجرة والعروض الموسيقية للفرق الكشفية، وسط حضور واسع من المسيحيين ومشاركة جميع الطوائف في الاحتفال.
هذه المشاهد أعادت الفرح للذاكرة السورية وأدخلت البهجة إلى قلوب المحتفلين، لكن يبقى التساؤل: هل يشعر مسيحيو سوريا بالأمان خلال هذه الاحتفالات؟

الميلاد في صيدنايا
تقول نتالي الحلاق من مدينة صيدنايا: "حضرت الكرنفال الميلادي الذي أُقيم في شوارع المدينة ليلة عيد الميلاد، وشعرت حقًا بأجواء العيد".
وتحدثت عن مبادرات مركز التعليم المسيحي "مركز التجلّي"، واصفة إياها بالمميزة، حيث ارتدى المسؤولون زي "بابا نويل" وزاروا منازل الأطفال لنقل أجواء العيد إليهم.
وأضافت: "لم أشعر بالخوف أبدًا، لأن أبناء البلدة حموا الشوارع والكنائس، وهذا أعطانا شعورًا بالراحة والأمان".
دويلعة.. محاولات للملمة جراح التفجير
مرّ عيد الميلاد بشكل مختلف على كنيسة مار الياس بالدويلعة، التي شهدت تفجيرًا إرهابيًا قبل ستة أشهر. اختار آباء الكنيسة والقائمون على الأنشطة والفعاليات إحياء ذكرى شهداء الكنيسة عبر إضاءة شجرة مزينة بصورهم.
جيني الحداد، ابنة سيمون الحداد، أحد ضحايا التفجير، وصفت هذه المبادرة بأنها لم تقتصر على إضاءة الشجرة، بل لمست قلبها، حيث شعرت بأن كل نجمة مزينة بصورة الشهداء تذكرها بأنهم ما زالوا معنا.
وعن شعورها خلال تواجدها بالكنيسة، تقول لصحيفة "روزنة":"كنت واقفة على باب الكنيسة، ويدي ترتجف، ليس لأنني بلا إيمان، بل لأن الخوف أصبح عادة بالجسد، يرافق النفس ويخرج مع الزفير. هذا المكان يلمس الوجع الذي بداخلي ويعيدني لنفس اليوم… نفس اللحظة… يوم شاهدت أبي على الأرض، مصابًا، ويفارق الحياة أمامي".
وتضيف: "ما زلت أشعر بالخوف… لكن قدرت الدخول، لأن نور شهدائنا كان أقوى من خوفنا، وأقوى من العتمة التي سكنت فينا بعد التفجير".
قلوب فقدت الأمان
قبل أيام، وخلال إضاءة شجرة الميلاد في الدويلعة بالقرب من كنيسة مار الياس، وقعت حادثة مأساوية ذكّرت الجميع بحجم الخوف لدى بعض السوريين وفتحت باب التساؤلات حول واقع الأمن في المنطقة.
فخلال حضور المئات للاحتفال ومشاهدة العرض الكشفي الموسيقي، صرخت إحدى الحاضرات ظنًا منها بوجود "إرهابي" قد يفجّر نفسه بين الجموع، ما أدى إلى ركض وتدافع الجميع، قبل أن يتضح لاحقًا أنه لا وجود لأي حدث أمني. وأُصيب عدد من الأشخاص بالرضوض، وتعرض البعض للإغماء، وفقد عدد من الأطفال الاتصال بذويهم.
ماريا كلارا منصور، التي شهدت الحادثة عن قرب، قالت لصحيفة "روزنة": "لن أنسى المشهد. كنا نشاهد العرض بسعادة، حتى بدأ الناس خلفي بالصراخ والتدافع. كان الرعب مسيطرًا على الجميع، مسلمين ومسيحين كانوا متواجدين بالاحتفال. ركضت مع أختي وسط الزحام وفقدتها".
وتكمل بتأثر واضح: "حاولت الاتصال بها أكثر من مرة، لكن التغطية كانت سيئة، ولم أكن أفهم ما يحدث، وبعدها استطعت الوصول إليها، وعندها بكيت. بكيت من عجزنا عن الفرح بهذا البلد وفقداننا شعور الأمان مع من حولنا الذين يرون الآخر كافرًا لأنه مختلف عنهم وليس إنسانًا".
وتضيف: "حمل العيد لهذا العام مخاوف وتحديات، لكننا كنا مصرين على الاحتفال وإقامة الطقوس المعتادة بكل كنيسة. أما شعور العيد من الداخل فلم يكن كالمعتاد، وكنا خائفين من أي حدث أمني محتمل. شعور الفرح كان ناقصًا، لكننا سنبقى في كنائسنا، لأن إيماننا أقوى من أي شيء".
هل شهدت الكنائس حماية فعلية؟
يروي المصور طوني قروشان، الذي تواجد في الكنائس طوال فترة عيد الميلاد لتوثيق الاحتفالات، أن العيد هذا العام كان أفضل من السنة الماضية، وأن الناس رغم خوف بعضهم، تشجعوا للاحتفال مثل السابق، حيث شهدت دمشق احتفالات واسعة.
وأشار إلى أن الأمن الداخلي، بالتعاون مع المجموعات الأهلية، نظم الاحتفالات وفحص المارة، مع تشديد في بعض المناطق أكثر من غيرها.
الأب ماهر منصور، كاهن كنيسة القديس جاورجيوس للروم الكاثوليك في جديدة عرطوز، أفاد في حديث خاص لصحيفة "روزنة" أن العيد هذا العام كان كالسنوات السابقة من ناحية الاحتفالات والقداديس، إذ أُقيم قداس عيد الميلاد واحتفال بإضاءة الشجرة في ساحة الكنيسة، رافقه عرض موسيقي، بالإضافة إلى افتتاح بازار ميلادي في قاعة الكنيسة.
وأضاف: "الناس كانوا متواجدين بشكل طبيعي كالسنوات الماضية، لكن مع بعض الحذر نتيجة الأوضاع السائدة والتهديدات التي شهدتها بعض الكنائس خلال الفترة الماضية من قبل جماعات إرهابية".
وأشار إلى أن حماية الكنيسة تم تنظيمها بالتنسيق مع الأمن الداخلي وبمشاركة لجان أهلية ومحلية من أبناء الكنيسة خلال فترة العيد.
بعد مرور سنة على سقوط نظام الأسد، يبقى أحد أكبر التحديات التي تواجهها سوريا هو الانفلات الأمني، خصوصًا بعد تفجير كنيسة مار الياس بالدويلعة، الذي ترك المصلّين في خوف وتردد من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية، ورغم مرور عيد الميلاد بسلام، تلاه تفجير إرهابي في جامع الإمام علي بن أبي طالب بحمص، ما يترك تساؤلات حول الواقع الأمني وحماية المصلين في دور العبادة بسوريا.
